( 1 )

بداية التسعينيات .. تلميذ الإعدادي يجلس داخل قصر ثقافة المنصورة كي يقرأ قصصه القصيرة الأولى لأعضاء منتدى عروس النيل الأدبي .. بعد أكثر من عشرين سنة لا يجد تلميذ الإعدادي الآن مناسبة للحديث عن أعضاء ذلك المنتدى .. ما يعنيه فقط أنه كان بينهم رجل أسمر، نحيف، طويل، وجهه شاحب ومرهق، أو سكنه التعب منذ زمن فأصبحت هذه طبيعته التي لم تُحرم من بهجة خافتة .. كان شعره أشيب، و يضع نظاره تكشف عن مدى ضعف بصره، ويرتدي جلبابا أبيض يزيد من قوة تهكمه على المكان وشخوصه .. رأيته جالسا في أول كرسي بالقرب من الباب، لا يتكلم إطلاقا، ابتساماته الصغيرة كانت كل ما يلزمه للمشاركة في صخب القراءات والتعليقات والانفعالات والتصفيق الحاد .. على فترات متقاربة يبدو على ملامحه الساخرة ضجر يدفعه للوقوف خارج عتبة الباب .. يعطي ظهره للجالسين ويشعل سيجارة تسمح له حتى انتهاءها بتأمل أشجار ونباتات حديقة قصر الثقافة وهي تشارك الهواء المسائي سر ما .. قبل انتهاء الندوة وزّع الرجل ـ دون أن يتخلى عن صمته أو بقايا ابتساماته الصغيرة ـ نسخاً من نشرة أدبية مطبوعة بطريقة ( الماستر ) اسمها ( صهيل ).

( 2 )

صدقني يا ممدوح
قلمك ذكي وواعي
وخيالك اللماح
تصويري وإذاعي
بكرة هايملى الكون
بكرة هايملى الكون
بكرة هايملى الكون

” محمد عمار ”

( 3 )

ـ حضرتك مش فاكرني؟ .. أنا إللي كنت موجود في ندوة منتدى عروس النيل التلات إللي فات…

يتفحص ملامحي مبتسما …

ـ أهلا وسهلا تعالوا .. اتفضلوا نطلع فوق.

كان معي ( محمد صابر ) وهو أحد أصدقائي من قصر ثقافة الطفل، وكان يكتب مثلي قصصا قصيرة وقتها .. في هذا اليوم تقابلنا، وأطلعته على نشرة ( صهيل )، واتفقنا ـ بإلحاح من الشغف الذي يحكم رغبتنا في اتخاذ كل الخطوات الممكنة داخل ( عالم الأدب ) ـ أن نذهب إلى عنوان المراسلات المدوّن بها كي نقدم أنفسنا ونعرض أعمالنا .. كنا نظن أن لـ ( جماعة صهيل ) مقرا مستقلا له أعضاء يجتمعون في ميعاد محدد كمنتدى عروس النيل الأدبي؛ لكننا اكتشفنا بعد وقت طويل من سؤال الناس والتوهان في أماكن خاطئة بميدان ( الشيخ حسنين ) أن ما نبحث عنه هو بيت الرجل الذي وزع النشرة بالندوة .. لا شك أن ذلك قد تسبب في شعورنا بقدر كبير من خيبة الأمل؛ لم نكن نعرف ما ينتظرنا .. كان المكان الذي وصلنا إليه عبارة عن بيت قديم متهالك في حارة منكمشة، عالقة داخل شارع جانبي طويل غاية في الضيق .. الذهاب بمفردنا إلى ميدان ( الشيخ حسنين )، وليلا دون علم الأهل في ذلك الوقت كان بمثابة مخاطرة زاد من عبء التفكير فيها السلالم المتهدمة التي صعدناها أنا وصديقي وراء ( محمد عمار ) إلى حجرة صغيرة فوق السطح .. رفوف كتب وسرير وكنبتان وراديو وتليفزيون وكرسي وطاولة عليها أوراق وأقلام، ومصباح أصفر يخفي ضوءه الأشياء أكثر مما يظهرها .. يسمح لها بالاختباء وراء أفكار بصرية مشوشة عن طبيعة وجودها الباهت .. على الحائط فخذي راقصة باليه روسية جميلة لا أتذكر اسمها الآن أو ربما كان من الأفضل أن تظل في ذاكرتي بلا اسم .. هل لهذا علاقة بأنها لم تتوقف أبدا عن الرقص فوق الجدار طوال زياراتي لتلك الحجرة على مدار سنوات .. فخذان ساحران في حجرة كهذه يجب أن يكونا خيالا أكثر منهما صورة منتزعة من مجلة قديمة .. تحوّل المشهد إلى حلم منعزل بارتباك ما، غير مدرك بشكل كبير للعالم الذي أتينا منه أنا وصديقي رغم أن بيت جدتي وشارعها يشبهان كثيرا التفاصيل المكانية التي عشناها اليوم .. شعرنا بالحجرة غامضة بدفء ريفي، ومخيفة قليلا كعبور مبهم النوايا ويمتلك هدوءه الخاص نحو معرفة مغايرة لحياة ( أديب ) .. كيف وصلنا إلى هنا ؟ .. هل هي الصدفة التي جعلتنا نعثر على واحد حينما رآنا نسأل عن مقر جماعة أدبية، تذكر النجار الذي يقولون في المنطقة أنه يكتب شعرا؛ فأشار لنا ناحية هذه النقطة الضئيلة وسط متاهة مجهولة شبه مظلمة لم نجرب غرابة سكونها من قبل .. أم أن ( محمد عمار ) كان يعرف أننا قادمون، وأنه كان بانتظارنا، ولو كنا تأخرنا أكثر من ذلك كان سيخرج إلينا من الحارة ثم إلى ناصية الشارع الطويل الضيق ليأتي بنا .. طريقته في استقبالنا، وفي تعرّفه بنا تؤكد أنه كان ينتظرنا فعلا .. البساطة المتناهية، والطيبة الغامرة التي استقبل بها صبيين صغيرين .. صغيرين لدرجة أنهما جاءا من ( ميت حدر ) واحد بجلباب، والآخر بشبشب .. كأنهما كانا يعتبران ـ بصفاء نية ـ أن أقدامهم مهما ابتعدت ستظل داخل الجغرافيا التي ينتميان إليها، أو كأنهما يريدان أن يضما إلى بيتهما كل ما يقابلهما أثناء قطعهما المسافة الطويلة إلى ( الشيخ حسنين ) .. يضماها تحديدا إلى حجرة كل منهما كترويض غافل للمجهول الذي يمكن أن يكون مغامرة طفولية مثيرة، أو ضياع في ورطة تقريبا في أدنى درجات السلم الشعبي ـ هكذا رأيت معيشة محمد عمار وأسرته .. ورطة لا يكفي التحذير الأسري، وحرصنا الشخصي أنا و( محمد صابر ) كي يمكننا استيعابها .. أنا وصديقي كنا لازلنا أسيرّين سلطة الإقصاء عن التدابير التي يمكنها أن تخلق لقاءا كهذا مع واحد مثل ( محمد عمار )، وفي بيت كبيته.

ـ أنا مابفتكرش الوشوش، لأني تايه أغلب الوقت ( يضحك ) .. بس برافو عليكو إنكو عرفتوا توصلوا .. نشرب الشاي وبعدين أسمع قصصكو.

( 4 )

هل من المهم أن أقول أن ( محمد عمار ) أخبرني أنه يذهب ـ أحيانا ـ إلى منتدى عروس النيل الأدبي ليضحك، أو ليعثر على أفكار قصائد، أو ليوزع أعداد ( صهيل ) .. عموما سأتفادى الآن ـ بقدر ما أستطيع ـ استخدام فضائح اللغة المحمية بلافتات الأب والأخ الأكبر والصديق المخلص .. ( محمد عمار ) كان إنسانً يتجاوز كل ذلك .. أن يتحوّل شخص لا تعرفه إلى أقرب كائن لك في العالم ليس بفضل حبه واحترامه لك أو خوفه عليك فحسب، وإنما لأنه … فعلا لا أعرف، لكن يكفي فقط أن أقول أنني كنت أذهب إليه لأقرأ له قصة جديدة كتبتها فتقابلني زوجته عند المدخل، وتخبرني أنه نائم ومريض .. أسمع صوته من حجرة السطح: ” ممدوح .. إطلع أنا صاحي “.
أصعد إليه، تاركا على ملامح زوجته ضيق شديد خوفا من ازدياد تعبه .. كان عجوزا ومريضا، ولكنه لم يتوقف أبدا عن استقبالي وسماعي والتحدث معي في كل شيء يخص الكتابة والحياة .. لو نائم يأمر أهل بيته أن يوقظوه إذا أتيت، لو مريض يظل ممددا على السرير، ويسمع نصوصي ويتكلم معي فيها .. ظللت أذهب إليه أنا و( محمد صابر ) فترة طويلة ـ انقطعت تماما عن منتدى عروس النيل ـ لنقرأ له كل حرف نكتبه، ونتعرّف على أعضاء صالونه الأدبي أو ( زوّار حجرة السطح المقدسة )، وكان أغلبهم من شعراء الثمانينيات .. الذين يعرفون بالمناسبة الحركة الشهيرة لـ ( محمد عمار ): يعد الجالسين؛ فإذا كانوا سبعة مثلا يضرب الأرض بشومة غليظة عنده سبع دقات قوية؛ فتعرف زوجته في الأسفل أن عليها إعداد سبعة شاي .. توقف صديقي ( محمد صابر ) عن الذهاب إليه، ربما كنتيجة لتوقفه عن الكتابة، لكن ( محمد عمار ) لم يتوقف أبدا عن السؤال عنه، والاستفسار مني عن أحواله .. ربما كان لا يعرف النحو أو مدارس النقد أو الفنيات المتعارف عليها لكتابة القصة القصيرة، ولكن نصائحه وقتها كانت مهمة بالنسبة لي .. لم تكن نصائح في حقيقة الأمر بقدر ما كانت حكايات تقف وراءها حياة طويلة وغنية جدا لم أختبرها .. أعطتي تلك الحكايات دعما قويا، وترسيخا لوجودي ليس ككاتب فقط بل كشخص عاجز عن قبول الدنيا التي تحكم علاقاته مع أسرته ومع الآخرين بشكل عام.
لو أردت أن أكتب وصفا ملخصا لـ ( محمد عمار ) ـ رغم كافة المهازل الكامنة في الاختزال ـ لن أتردد في كتابة هذه الجملة: ( عجوز يعتبر عدم الإصغاء للصبية الصغار ـ خاصة لو كانوا يكتبون ـ والتحدث معهم في أي وقت يحتاجون ذلك جريمة ليس بوسع أي شيء تبريرها ).

( 5 )

” ولدي الحبيب والأديب الواعد/ ممدوح رزق
بعد التحية
أزف إليك تهنئتي بالنشر في ( المساء ) مع أمنياتي وتمنياتي لك بالانتشار السريع بعد الحصول على أعلى الدرجات العلمية
وإلى لقاء
والدك
محمد عمار
2/7/1993

( 6 )

ـ سلامو عليكم…
ـ عليكم السلام.
ـ أستاذ محمد موجود؟
ـ انت بقالك مدة مجتش .. صح؟
ـ أيوة…
ـ البقية في حياتك.

* * *

23/5/2013