حالة من الترقب و التوتر تخيم على المشهد المصري الآن و قبيل ساعات من فض اعتصامي الجبهة الوطنية للدفاع عن الشرعية ( تحاف أحزاب تيار الإسلام السياسي المصري كافة باستثناء حزب النور السلفي) بالقاهرة , الجميع ينتظر و يترقب ما سيصير إليه حال البلاد و هل تدخل البلاد النفق المظلم من أحداث آتية تشمل العنف و الدم؟ و هل يكون الإقصاء هو نهاية و عقاب تيارات الإسلام السياسي بمصر؟

و للوصول إلى إجابات منطقية بخصوص هذا الشأن ينبغي تسليط الضوء على تيارات الإسلام السياسي بالشرق الأوسط كافة -و ليس فقط البلاد العربية- بآخر 25 عاما، فلطالما كانت تلك البلاد خصوصا العربية تحت ظل حكم ديكتاتوري شمولي أطاح بالاستعمار عن طريق الكفاح المسلح و تنصيب نفسه وحيدا حاميا للثورة و متحدثا باسمها مقصيا كل الأطراف: مثلما فعل الضباط الأحرار بمصر و ما تبعهم من تنظيم سياسي تحت اسم الاتحاد الاشتراكي، أو في الجزائر مثلمل نصبت الجبهة الوطنية للتحرير نفسها حامية للاستقلال بل واختزلت نفسها بأشخاص كأحمد بن بلا و هواري بو مدين و أقصت أعضاء و حلفاء كالرئيس محمد بو ضياف أو سوريا والعراق تحت حكم حزب البعث القومي….. أنظمة تتحدث كثيرا بالسياسة و لكن بدون تطبيق ديموقراطية حقيقية أو أي تداول للسلطة خوفا على مكتسبات ترى أنها الوحيدة التي أنجزتها و ان ما حصلت عليه البلاد من استقلال و تحرر من الأستعمار كان بفضل تلك القوى وحدها و هي التي ترتكن الى ايدولوجيات عسكرية…لم يكن الجو و نحن نتحدث عن الخمسينات و الستينات ممهدا للديموقراطية و التعددية بالمنطقة…فمصر و هي الأب الراعي لكل حركات التحرر بالوطن العربي و أفريقيا تدين بالولاء اقتصاديا و عسكريا للاتحاد السوفييتي و قد كان – الأتحاد السوفييتي وقتها و حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين- احد أقوى الأنظمة الشمولية في العالم فهو النظام الذي يمنع أي تعددية حزبية باستثناء الحزب الشيوعي الحاكم و هو النظام الذي لم يندم على ارتكاب مجازر بالمجر عام 1956  و تشيكوسلوفاكيا عام 1968  من اجل قمع معارضي النظام الشيوعي التابع للأتحاد السوفييتي بهذه البلاد تحت بصر و مسمع العالم أجمع…فلم يكن غريبا على البلاد التي ترتبط بالأتحاد السوفييتي بأي صلة أن تكون رافضة و قامعة أيضا لأي تحول ديموقراطي أو تعددية حزبية…و بناء على ذلك فقد قامت الأنظمة الحاكمة بحل جميع الأحزاب السياسية و اعتقال قيادتها و مصادرة أموالهم و الزج بهم جميعا في السجون بدون اي استثناءات, لم تفرق بين اخوان مسلمين (الأب الشرعي لكل تيارات الأسلام السياسي و التي تحمل كلها ايدولوجية الخلافة الأسلامية و تطبيق الشريعة الأسلامية لا المواطنة) أو تيارات ليبرالية (كانت لها السلطة التشريعية و التنفيذية قبيل حل البرلمان و الأحزاب و كان لها معظم الشعبية) أو حتى تيارات شيوعية و في خضم هذا العنف و الأضطهاد و لد من رحم زنازين المعتقلات المصرية في منتصف الستينات من القرن الماضي فكر جديد…  الفكر التكفيري القطبي –نسبة الى صاحبه سيد قطب أحد قيادات الأخوان المسلمين بمصر- بمثابة النواة بل الفتوى الشرعية المرتقبة للجهاد و الكفاح المسلح من قبل تيار الأسلام السياسي و الذي دعا صراحة الى العودة الى الخلافة الأسلامية والوصول الى سدة الحكم عن طريق جهاد المجتمع الكافر الذي يستوجب القتال لعدم تطبيقه الشريعة و عدم الحكم بما أنزل الله….و تمخض هذا الفكر على أرض الواقع من خلال جماعات التكفير و الهجرة في مصر في السبعينيات و الثمانينيات و الجبهة السلفية للدعوة و القتال بالجزائر بالتسيعينيات و طبعا التنظيم الأشهر دوليا تنظيم القاعدة..لقد سرى هذا الفكر الدموي اللا انساني في انحاء الشرق كله كالطاعون ربما لم تسلم منه بشكل كبير سوى تركيا و ربما كان عدم انتشار هذا الفكر بتركيا و عدم وجود أي جماعات تكفيرية سببا في نجاح تجربة الأسلام السياسي بتركيا مقارنة ببقية الوطن العربي…

لقد أرغم التدهور الأقتصادي و الذي أصاب معظم البلاد العربية باستثناء دول الخليج النفطية بسبب الفساد و استنزاف موارد البلاد في حروب متتالية منذ نهاية السبيعينيات و طوال الثمانينيات الأنظمة الشمولية على الغاء سياسة الحزب الواحد و فتح الباب أمام التعددية الحزبية الصورية من أجل تخفيف الضغوط الشعبية تحقيق متنفس للشعوب يطيل عمر تلك الأنظمة و راهنت تلك الأنظمة على بقاءها مرتكزة الى سيطرتها على مجريات الأمور و قد أفلحت تلك الخطة بمصر و ساعد عليها صفقات السلطة الحاكمة مع الأخوان المسلمين بعد الأفراج عنهم من السجون و التي اعتبرت من قبل الحكومة المعارضة الوحيدة و التي تمتلك بعضا من الأرضية الشعبية, بعد القضاء التام على كل التيار الليبرالي المدني المصري و اختزاله لتحل الحكومة و النظام الحاكم محله لتجسيد صراع جديد بين مدنية الدولة و الدفاع عنها في رمزها الجديد متمثلا في مبارك و الحزب الوطني و ضد التيار الأسلامي ممثلا في جماعة الأخوان المسلمين و تحت شعار (الأسلام هو الحل) خضوصا بعد انحسار الشيوعية بعد انهيار سور برلين و انهيار الأتحاد السوفييتي… حيث سمح النظام الحاكم في مصر للأسلاميين بخوض انتخابات المجالس التشريعية و الحصول على عدد من المقاعد يضمن لهم التواجد بدون الأغلبية…أما في الجزائر فقد كانت الطامة الكبرى فمنذ العام 1989 سمح الرئيس وقتها الشاذلي بن جديد بالتعددية الحزبية و التي أخرجت له منافسا لم يكن يتوقع أحد يمتلك كل هذه القوة و هو مازال في المهد فقد تشكلت عدة أحزاب اسلامية و شكلت فيما بينها ما يسمى جبهة الأنقاذ الأسلامي بقيادة عباس مدني و التي سمح لها بالترشح لانتخابات البرلمان الجزائري يناير 1992  أمام الحزب الأوحد سابقا (جبهة التحرير الوطني) و قد حدث مالم يتوقعه أحد, تيار الأسلام السياسي بالجزائر يفوز بالجولة الأولى بأكثر من ثلاث أرباع المقاعد التي تم التصويت عليها مستغلا الدعاية باسم الدين و ثقة عوام العرب و الشرق أوسطيين بكل من يحدثهم باسم الدين بالأضافة الى السبب الأبرز و هو كراهية فئات الشعب للنظام الشمولي الذي ظل حاكما لهم لما يقرب من 30 عاما لم تتحقق لهم من خلاله أي عدالة اجتماعية أو رفاهية… لقد هزت تلك الصدمة أرجاء العالم فقد عرف هذا الأنتصار بأنه الأول لتيار الأسلام السياسي علي التيار المدني عن طريق الأنتخاب الحر المباشر و كان وقع الصدمة على قيادات الجيش بالجزائر أكبر فأعلنواالغاء الأنتخابات التشريعية و حل جبهة الأنقاذ الأسلامي و عزل الرئيس الشاذلي بن جديد  و الأتيان بالمعارض المدني المنفي بالخارج محمد بو ضياف كرئيسا انتقاليا للبلاد لقد رأى في ذلك رجال الجيش السبيل الوحيد للحفاظ على أوضاعهم و الحفاظ على هوية الجزائر كوطن مستقل غير تابع لمشروع الخلافة الأسلامية…لقد تغير الزمن و زالت الخلافة بلا رجعة بعد زوال حكم بني عثمان… لقد كان من الصعب على قيادات جبهة الأنقاذ الأسلامي الأعتراف بما حدث فقد حرموا من الوصول الى سدة الحكم بسبب الجيش و أعلنوا رفضهم التام للأنقلاب و أعلنوا الجهاد ضد الجيش و ضد الجزائر من أجل الأسلام و بدأ التصعيد باغتيال الرئيس محمد بوضياف بعد ست أشهر على توليه الحكم و ازداد التصعيد المتبادل من الطرفيين فالجيش يشن حملة اعتقالات موسعة على الأسلاميين لدرجة ان السجون اكتظت بهم و الجهاديون يؤسسون الحركة السلفية للدعوة و القتال و يستقطبون الجهاديون من انحاء العالم بالأضافة الى محاربي أفغانستان القدامى , الرئيس الجديد جنرال بالجيش (الأمين زروال) و الجهاديون يردون بعمليات قتل و استهداف للجيش و المدنين بضواحي المدن الكبرى بالجزائر..التوتر يزداد و ينقسم الشارع الى أشخاص داعين للمصالحة و أفراد داعين للقضاء التام على الأسلاميين, تتكرر دعوات المصالحة مع رفض من الطرفيين – احقاقا للحق أغلب دعوات المصالحة رفضت من قبل التيار الأسلامي- لرفضهم التسليم بواقع حل انتخابتهم التشريعية و تسبب الرفض المتكرر من قبل الأسلاميين في استمرار حمامات الدم و التي بلغت ذروتها بالعام 1998 علما بأن عدد ضحايا ذلك الصراع بلغ مايقارب 100.000  ضحية بالأضافة الى فقدان أحزاب تيار الأسلام السياسي كل رصيد لها في صفوف الجزائريين الى الأن كما أن الحياة السياسية التشريعية و الرئاسية بالجزائر لم تتوقف مما أدى الى شق صف التيار الأسلامي بالجزائر و رضوخ معظم القيادات لأجراء صفقات مع النظام الحاكم من أجل شمولهم بالعفو العام مقابل تنازلهم عن الصراع المسلح بعد 12 عاما من حمامات الدم بالجزائر….ربما يكون النموذج الجزائري هو الأقرب لما قد تشهده مصر مستقبلا فهناك العديد من المتشابهات في كلا الحدثيين أبرزها دعوة الجهاد ضد العسكر و التهديد لبذل الدماء في سبيل ذلك و التصعيد دون الأستجابة الى أي مبادارات للتصالح..ربما ما يشغل أنصار الأسلام السياسي في مصر الأن هو كيفية تحقيق السيناريو السوري على أرض مصر و جعل الأنقلاب على مرسي غير كامل مما يدخل البلاد في نفق للحرب الأهلية و انقسام للجيش المصري و هو الأمر الصعب تحقيقه لأيمان الجيش المصري بهويته الكاملة المستقلة و ولائه التام لقياداته و لغياب الطائفية بمصر مقارنة بسوريا بالأضافة الى أبرز الأسباب و هي الحقيقة التي لا يريد أنصار الأسلام السياسي بمصر النظر اليها و هي أن الأنقلاب بمصر على مرسي لم يكن عسكريا فقط بل شمل جميع مؤسسات الوطن من قضاء و شرطة و اعلام بالأضافة الى الجماهير الشعبية و التي أطلقت الشرارة الأولى و بالتالي عدم قبول التفاوض الا بعد عودة مرسي للرئاسة انما هو ضرب من ضروب الخيال يدفع مصر نحو سيناريو الجزائر و ليس سيناريو سوريا… و باتجاه قيادات تيار الأسلام السياسي في مصر نحو السيناريو الجزائري (الأنتحار السياسي) فقد كتبوا على أنفسهم اكتساب عداوة الشعب المصري و اقصاء أنفسهم بأنفسهم من المشهد الذي طالما حلموا بالتحليق في صدارته لفترة قد تتجاوز الستين عاما المقبلة….بالأضافة الى حمامات من الدم قد تستغرق أعواما حتى تنتهي بمصالحة و عفو شامل عن القيادات و لكن لاعزاء للضحايا…

 

Kareem Sadek

Cairo, 1/8/2013