مع هدوء الحمية الثورية و مع سقوط الدولة في فخ الدم (و هو ما حذرت أنه سيهدد مكتسبات 30 يونيه) ظهر فريق معارضة ما يسمي بحكم العسكر محاولا خلق حركة في الشارع مضادة للتيار الشعبوي الجارف الذي يساند الجيش و بعيدة في نفس الوقت عن فعاليات الإسلاميين و أهدافهم المباشرة. لست مع من يندفع لاتهام هؤلاء بأنهم عملاء أو خونة لسببين. أولا حتي و إن كان بالإمكان بالفعل استغلالهم كحركة منفصلة من جانب الإخوان لإحراج الجيش أو تفتيت جموع مؤيديه فالفكرة الرئيسية التي التفوا حولها مشروعة: التنديد و التحذير من عنف الدولة. الأمثلة القريبة جدا عن انتهاكات الدولة لحقوق الإنسان و علي رأسها حق الحياة، عديدة و مؤسفة و لذلك من الصعب أن يتجاوزها من كان جادا حقا في الخروج علي مبارك أو المجلس العسكري أو مرسي من أجل تلك القضية تحديدا. و أجزم أنه لا يجب مطالبتهم بذلك حتي و إن بدي أن ما يفعلوه يصب في صالح الإخوان: فلا أحد يملك أن يفرض وصاية علي ضمائر الناس و بخاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق و حريات بل و حياة المواطنين. أما السبب الثاني فهو أن الإندفاع في شيطنة الأخر، أيا كان السياق، يعمي صاحبه من النظر إلي الواقع و التعامل معه. هكذا فعل الإخوان و أنصارهم و تجاهلوا (عن غباء أو مكابرة أو تسرع) المخاوف المشروعة لدي معارضيهم و إتساع رقعتهم حتي لم يشفع لهم خطابهم المتمسح بـ 25 يناير أو حتي مرجعيتهم الدينية المزعومة. و أقول لمؤيدي الجيش: لا تنسوا أن المجلس العسكري بقيادة طنطاوي تضائلت شعبيته بين الحركات الناشطة في الشارع في أقل من عام – و إن كان السياق الان مختلفا – فالموقف سيزداد تعقيدا إذا تطورت الحركة الغير إخوانية المنددة به و بخاصة إذا إبتدأ أن يسقط منهم قتلي أيضا و هو أمر وارد ليس لأن أجهزة الدولة بالضرورة متربصة بالمعارضين و لكن لأن واحدة من أسوأ تبعيات نجاح 25 يناير لم يتم تجاوزها بعدها و هي ما أسميه “حقوقية الفوضي”.

لم تكن المظاهرات حدث جديد في عصر مبارك فبعد سنوات قليلة من تولي الحكم شهدت القاهرة أحداث شغب الأمن المركزي و التي أنهاها الجيش في ثلاثة أيام و بعد سقوط 107 قتيلا. لم تبدو الإحتجاجات الصغيرة في أوائل الألفينات بقيادة حركة كفاية قادرة علي تهديد السلطة حتي أحداث 6 أبريل 2008 في المحلة التي كانت حقا بروفة و مقدمة مستترة لـ25 يناير. نجاح 25 يناير أغوي الكثير من النشطاء و الحركات و حتي الرأي العام لجزء من الوقت بنفس أفة الشيطنة التي لا يضع أمام عينها و ضميرها إلا ما تريده أن يكون حاضرا. و بالتالي وصلنا إلي معادلة تضع الدولة و أجهزتها دائما و أبدا في خانة المعتدين و المواطنين دائما في خانة المتظاهرين السلميين المتعدي عليهم في أي أحداث عنف. المشكلة هنا أن مصر تفتقد معايير إنضباط الممارسات الحقوقية و الديمقراطية فأخذنا الشكل و هو حق التظاهر و تجاهلنا ضوابطه التي بدونها يصبح التظاهر خروج عن القانون يجب التعامل معه أمنيا

ما يزيد الأمر تعقيدا أن حله ليس ببساطة إصدار قوانين و تفعيلها لأن 1) إستمرار الإحتقان السياسي سيتجاوز تلك القوانين و سيزيد من حدة المظاهرات و تحويل السياسة إلي حلقة مفرغة غير منتجة لا تتعدي الحشد و الحشد المضاد و من ثم العنف و العنف المضاد (و هو ما قد تسعي إليه أي قوة معارضة لتعطيل أي محاولات إصلاح من الحاكم حتي لا يلقي شعبية تجدد شرعيته) 2) يعلم الجميع أن تلك الضوابط ستستغلها السلطة (أيا كانت) بخنق المعارضة تذرعا بالقانون 3) إنتشار السلاح بين المواطنين و نجاح إسلوب الضغط علي الحاكم بدعوي إسترداد حق الشهيد سيجعل دائما من العنف و الدم عملة سياسية قذرة و لكن غالية جدا 4) الشرطة المصرية غير مدربة للتعامل المحترف مع الإضطرابات الأمنية بشكل يحفظ أرواح المتظاهرين أو يقلل من أعداد الضحايا عند ضرورة إستخدام الردع.

إستمرار تلك الإشكالية فخ لأي حاكم إن لم يتم تجاوزها و تهديد خطير لإستقرار مصر الضروري جديدا للتعامل مع مشاكل مصر المباشرة و الملحة أهمها الإقتصاد و من بعدها المشاكل الإجتماعية الأخري المؤجل التعامل معها حتي تهدأ الأمور. و لهذا عندما يتم تداول أراء بعض رموز الإخوان الشبابية إبان أحداث سجن بورسعيد في مطلع هذا العام لا يجب الإكتفاء بالنشوة أن, علي سبيل المثال, أحدهم أو أخر قد برر تعامل الشرطة مع المظاهرات المسلحة بالقتل الرادع و ها هو الإخوان يشربون من نفس الكأس! إزدواج معايير الإخوان في هذه المسألة لا ينفي أنه بالفعل, عاجلا و ليس أجلا, يجب أن نسأل أنفسنا ما هو الحد الأقصي المقبول من ممارسة الفرد حقه في التظاهر. و من أجل إجابة هذا السؤال يجب أيضا تحديد ثلاث خطوط حمر: الأول بين ممارسة حق التظاهر السلمي و بين الخروج عن القانون. الثاني بين دور الدولة في تنظيم و تأمين التظاهرات و بين التعدي علي حق المواطنين في التعبير عن نفسهم أو مطالبهم. الثالث بين إستخدام الدولة حقها القانوني للردع و بين المبالغة في الرد أو الضرب بدون تمييز.

أتفهم أن يتخوف الحقوقيين و المعارضة من الخوض في هذا الأمر و لكن الواقع يقول أن الدول التي ترسخ فيها النظام السياسي الديمقراطي لا تترك الأمر لأهواء الأفراد و الحركات لنفس الأسباب التي نراها تتكرر في مصر: حتمية إثارة الفوضي و وسقوط ضحايا. أن يتجاوز الحقوقيين التعامل مع تلك الإشكالية و الإصرار علي حق التظاهر بدون أي ضوابط و عدم تحميل الفرد مسئولية تصرفاته لمجرد أنه “متظاهر” يلوث أيديهم بدماء من يسقط سواء أرادوا أن يعترفوا بهذا أو لم يريدوا. يجب أيضا تفهم أن الدولة لا تريد قيدا قانونيا صارما يجعلها عاجزة عن التعامل مع تهديد الأمن القومي و أداء دورها لضبط الأمن: و هو ما يبدو أن البعض يسعي إليه مما يزيد الدولة تريبا في أي محاولات للإصلاح الملح و الضروري جدا. من ناحية أخري أن تتجاهل الدولة (و بالتبعية من يحكمها و مؤيديه أيا كانوا) إلزام نفسها بالحفاظ علي هذه الحقوق يفرض تشددا و تطرفا في المواقف من المعارضة (أيا كانت) و النشطاء و الحقوقيين بما يدخل الجميع في شبكة معقدة من إنعدام الثقة و عدم الرغبة في الحوار و ربما أيضا التنازل و الوصول إلي صيغة تفاهم تنجي هذا الوطن من لوثيان الفوضي و الدم الذي يرمح في أرضه.