بداية هذا المقال لا يعبر سوى عن رأيى الشخصي من خلال تحليلي للأحداث السياسية المتلاحقة التي شهدتها مصر من صراعات تيارات و سلطات و نفوذ للمؤسسات الدينية و المدنية و العسكرية للسيطرة على مصالح أكبر البلاد العربية من حيث النفوذ و الثقل السياسي، فأنا أرى أن ما حدث بمصر منذ 25 يناير و حتى اﻵن هو مجرد انتفاضات شعبية من أجل تحقيق ديموقراطية، فإطلاق لفظ الثورة على ماشهدته البلاد و هو مجرد لفظ احتفالي ليس أكثر، فالثورة تعني تغيير النظام و جعل مصر دولة مدنية ديموقراطية الذي لم يحدث حتى اﻵن،فالجماهير الشعبية ليست الا وسيادة ضغط ورسم سياسة المنطقة و خريطتها تخضع لمصالح و أوليات دول كبرى في المنطقة…

ماقبل عصر مبارك: 1952-1981
عانت مصر مما لايدع مجالا للشك من ظروف اقتصادية و سياسية صعبة، فالنظام القائم ظل يحكم مصر نحو 59 عاما من خلال رجال تنتمي للمؤسسة العسكرية فقط و لم يكن مسموحا لأحد بكسر هذا العرف السائد خلال هذه الفترة شهدت البلاد عددا من التقلبات بين اﻷنجازات و اﻷخفاقات و التقلبات بين اﻷعداء و اﻷصدقاء فلقد كانت قصة الحرب بين مصر و اسرائيل و حتى توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل (كامب ديفيد) جزء محوري في الحرب الباردة بين تياري حلف وارسو (الشيوعي) و حلف الناتو (امريكا و غرب أوروبا) مثلها مثل الصراع بين الكوريتين أو شقي الوطن اﻷلماني الواحد، حتى تمت معاهدة السلام و التي عززت تماما النفوذ اﻷمريكي بمصر و قضت على كل ماتبقى للسوفيت بمصر من نفوذ علما بأنه وقت توقيع اﻹتفاقية كان هناك حدثان في غاية اﻷهمية عززا العلاقات المصرية اﻷمريكية فاباﻷضافة الى كون ان مصر أصبحت أول دولة عربية تعترف باسرائيل ككيان دولي مع بدء اجراءات تطبيع العلاقات المصرية اﻹسرائيلية الكاملة و التي بسببها قاطعت معظم البلاد العربية مصر دبلوماسيا لدرجة نقل مقر الجامعة العربية من مصر الى تونس و تعليق عضوية مصر الى أجل غير مسمى، كان هناك بإيران مايسمى بالثورة اﻹسلامية اﻹيرانية بقيادة الخميني العائد من المنفى بفرنسا ضد نظام الشاه اﻹستبدادي بالعام 1979و التي شهدت ثورة عارمة توحدت فيها كل قوى الشعب من عمال و يساريين و ليبراليين و رجال دين ضد سطوة الشاه حتى ان سقط الشاه تولى الخميني مقاليد اﻷمور و نصب نفسه أمر الناهي باسم الثورة اﻹيرانية عن طريق كونه المرشد اﻷعلى للثورة اﻹيرانية و جعل له سلطة الفيتو المطلق في كل مايخص شؤون الثورة اﻹيرانية و هو مالم يلق اي قبول من أنصار التيار المدني فتم الزج بهم في السجون باسم حماية الثورة اﻹيرانية الخالدة و لا تزال ايران تعيش حتى اﻵن في ظل تلك الثورة..عودة الى الشآن المصري في ذلك الوقت فقد تضامنت مصر مع الشاه المخلوع و قامت باستضافته مما اغضب رجال المجلس اﻷعلى للثورة اﻹيرانية الدينيين علما بان الموقف المصري لاقى استحسان و قبول اﻷمريكين الذين فقدوا نفوذهم الكامل بإيران حتى انتهى بهم الوضع الى اقتحام سفارتهم بطهران مع احتجاز موظفي السفارة لما يزيد عن العام و انتهى الموقف المصري بقطع كامل العلاقات مع ايران الى ما بعد انتفاضة ال2011، الحدث الثاني الهام و الذي وطد العلاقات مع امريكا هو موقف مصر من غزو اﻷتحاد السوفييتي لأفغانستان حيث ﻷول مرة من بعد 1952 تعلق مصر علاقتها باﻹتحاد السوفييتي الحليف السابق لمصر بل و تنضم عمليا لموقف حلف الناتو في احدى أحداث الحرب الباردة الشهيرة في مقاطعة دورة اﻷلعاب اﻷولمبية في موسكو بالعام 1980 احتجاجا على غزو اﻷتحاد السوفييتي لأفغانستان علما بأن مصر دعمت الموقف اﻷمريكي لما يسموا بالمجاهدين اﻷفغان و الذين مولتهم أمريكا باﻷموال و السلاح و غضت الطرف عن سفر الكثير من أبنائها الى هناك من أجل اﻻنضمام اليهم و الذين كانوا نواة أخطر التنظيمات اﻹرهابية في العقد اﻷخير (تنظيم القاعدة) كل هذا كان قد منح مصر كل الرضا اﻷمريكي و وطد علاقة مصر بالشريك اﻷمريكي حتى اﻵن…داخليا و قبل توقيع اتفاقية السلام كان الرئيس المصري في ذلك الوقت -أنور السادات- قد أراد القضاء على نفوذ اﻷشتراكيين و اليساريين بمصر حتى يضمن ترسيخ سلطته بالحكم فأراد القضاء على هيمنتهم بالجامعات و النقابات و المؤسسات من خلال تصدير جماعات تدعو باسم الدين مراهنا على تفضيل الشعب المصري للدين على أفكار الشيوعية و التي وصمت جهلا و عن عمد كنوع من الدعاية المضادة بميلها الى الكفر بالله، و بالفعل لاقت تلك الجماعات و التي كانت نواة تأسيسها من رجالات اﻷخوان المسلمين و الذين تم الزج بهم في السجون في عهد الرئيس اﻷسبق-جمال عبد الناصر- و افرج عنهم السادات بعد ذلك متخيلا ان ولائهم التام سيكون له كجماعة فاشية لدعم الحاكم و تأييد قراراته، و أراد السادات تأسيس ديموقراطية صورية تظهر للعالم أن هناك تعددية حزبية و تنوعات في اﻷتجاه السياسي بخلاف سلفه عبد الناصر و الذي رسخ للفكر السوفييتي في حل كل الأحزاب و جعل للبلد حزبا واحدا فقط، و بالفعل كان هناك التيارات السياسية الثلاث بصورة حزبية حتى و ان كانت صورية كل هذا برعاية امريكية من أجل مساعدة مصر للتحول الديموقراطي و ان كان شكليا،فأمريكا لاتدعم سوى اﻷنظمة الديموقراطية حتى و ان كانت صورية و لا تستطيع دعم أنظمة شمولية حتى لا تصير مثل اﻷتحاد السوفييتي،انشأ السادات الحزب الوطن الديموقراطي و الذي ظل الحزب الحاكم منذ العام 1978 و حتى حله بعد أحداث يناير 2011 في ظل انتخابات شكلية في وجود تعدديات حزبية، لم يكن يعلم السادات ان اتفاقية كامب ديفيد للسلام و التي وقعتها مصر في العام 1979 ستتسبب في اغتياله بعد ذلك فلم تكن سياسات اﻷنفتاح اﻷقتصادي التي اتخذها و التي بسببها اندلعت احتجاجات عارمة دفعته الى انزال الجيش و فرض حظر التجول ﻷول مرة في عهده كافية ﻷغتياله بل كانت معاهدة السلام في العام 1979 حيث تسببت في غضب الكثير من المصريين لعدم امكانية تخيلهم ان مصر و ماظلت تطلق عليهم لقب العدو اﻷزلي قد صاروا أصدقاء بل و ان الحرب التي كلفت مصر مايقرب من المليون من أبنائها قد انتهت -في رأئي تظل معاهدة السلام هي أفضل قرارات السادات و مابعد 1952 كونها جنبت مصر استمرار استنزاف مصر بشريا و اقتصاديا من أجل قضية تخلى عنها أصحابها اﻷساسيون لاحقا- كان الغضب الشعبي موجودا و ان كان مستترا في ذلك الوقت قويت شوكة التيارات اﻹسلامية لقد اعادات تبني أفكار عبد الرحمن السندي-قائد الجناح العسكري لجماعة اﻷخوان المسلمين-و أفكار اﻷخواني سيد قطب الجهادية التكفيرية و التي تسببت في اعدامه في عهد عبد الناصر و تعددت الفصائل و صاروا خارج السيطرة، فالدولة فقدت السيطرة على من ظنوا انهم رجالها و حلفائها و فقدت السيطرة على افعالهم فتارة فتن طائفية تشتعل كأحداث الزاوية الحمراء و تارة جماعات تكفيرية تختطف اﻹمام الذهبي و تغتاله و تارة اشتباكات بالجامعات و دعوات بتطبيق الشريعة و الفصل بين الطلبة و الطالبات، لقد فقدت الدولة هيبتها و صار المارد حرا طليقا قويا بعد ان أخرجه السادات من القمقم، أراد السادات و هو حاكم البلاد ادراك مايمكن انقاذه فزج بالجميع بالسجن تيارات اسلامية و ليبرالية و يسارية و شخصيات عامة،بابا اﻷقباط و شخصيات دينية من اﻷزهر، كان ذلك في سبتمبر 1981، لقد عادى الجميع ظنا منه بإن هذا سيعيد الى يديه مقاليد اﻷمور و لكن المارد لايزال طليقا ففي تلك اﻷثناء كان عدد من ضباط الجيش قد شكلوا خلية عسكرية تستهدف اغتيال السادات و السيطرة على ثكنات الجيش و مديريات اﻷمن من اجل قلب نظام الحكم و اعلان اﻹمارة اﻹسلامية خلال العرض العسكري اﻻحتفالي بانتصارات أكتوبر 1981 و الذي انتهى باغتيال السادات أهم حلفاء امريكا بالشرق اﻷوسط على أيدي حلفاء أمريكا المستقبليين بعد 30 عاما، و سيطر الجيش على ثكاناته و أفشل اﻹنقلاب العسكري اﻹسلامي و أعدم خالد اﻷسلامبولي و أخرين باﻹضافة الى ايداع عبود و طارق الزمر مدى الحياة لضلوعهم في اغتيال السادات..و حلف مبارك اليمين كرئيسا للجمهورية في آواخر العام 1981…و لتبدأ حقبة جديدة…و للحديث بقية..