أكتب في الساعات الأولي من جمعة “دعم الجيش ضد الإرهاب” و هو ما أظنه سيكون نقطة تحول كبيرة في مسار مصر بعد 30 يونيه. أقول هذا لأسباب واضحة: أن يخرج وزير الدفاع مطالبا بدعم الشعب معناه أن هناك قرارات تصعيدية في طريقها للتنفيذ. أتوقع أن يكون تجاوب غالبية المصريين مع خطاب السيسي إيجابيا و لكن هناك بعض النقاط تستحق الوقوف عندها و بخاصة أن السيسي لم يشرح كثيرا ما كان يقصده بالمواجهة أو “الإرهاب المحتمل”

مخاوف

ففي 30 يونيه كان الهدف واضحا: الخروج إلي الشارع بهدف إسقاط نظام الإخوان و لكن ماذا الان؟ لا أقول أن المعركة مع الإخوان أنتهت و أدرك تماما, مع الأسف, أهمية الشرعية الشعبية المزعومة المستمدة من ملء الميادين ببعض مئات الألاف منذ يناير 2011 و حتي الان. و لكن ألم يكن خروج أنصار مرسي لمساندة قرارات لا يعلموا شيئا عنها أمرا مثيرا للتعجب و السخرية, ما الذي إختلف الان؟ أنا مقدر خطر الإرهاب الذي يهدد مصر و شعبها و أدرك أنه الان أكثر مباشرة من المخاوف من ما يسمي بـ”حكم العسكر” و كذلك أريد أن تتعامل الدولة معه بكل حزم أمنيا و قانونيا. و لكن الإرهاب ليس الخطر الوحيد الذي يهدد سلام الوطن فأنا أزعم أن تسلط و عنف الدولة لا يقل خطرا عن الإرهاب – أليس أمن و حقوق و حريات الأفراد من سلام الوطن؟ لا أساوي بين خطر حكم جماعة الإخوان و بين خطر حكم الجيش و إن كنت لا أنكرهما. وإذا كان الجيش هو من يحكم مصر في الماضي فلا مجال للمقارنة بين مشروعه الوطني (علي الرغم من إخفقاته و إنتهكاته) و بين مشروع الإخوان الفاشي الشمولي العنصري. و هذه المفاضلة حقيقة ذم في حق تلك الجماعة المتطرفة أكثر منه مديح في حكم عاجز و متسلط إستمر 60 عاما. و لكن علي الرغم من ذلك يظل أخطر ما يهدد حقوق و حريات الأفراد و المجتمع دائما و أبدا هو تعاظم دور الدولة و هو المسار الذي لم يتغير في مصر حتي بعد يناير 2011 (بل و أراد الإخوان إستنساخه بصبغة دينية تزيده بطشا). القلق من عنف الدولة المحتمل مشروع لأن حياة و حقوق الأفراد مرتبط به. و كذلك لأن التحالف الذي بناه الجيش حول نفسه ضعيف و لقد رأينا كيف إنزعج شيخ الأزهر أحمد الطيب من أحداث الحرس الجمهوري حتي هدد ضمنيا بسحب ثقته في خارطة الطريق. المزيد من تلك الأحداث يضع كل مكتسبات 30 يونيه في مأزق حقيقي.

أنا لا أقرر أن “التفويض” الذي يطالب به السيسي حتما سيؤدي إلي إنتهاكات كما يستبق البعض بالجزم و لكنه إحتمال قائم (رجوعا لتاريخ إنتهاكات الدولة). و يزداد إحتمالا بسبب الضبابية التي تسود الموقف. علي سبيل المثال تأخر الإعلان عن المسئولين عن مذبحة جنود رفح أوالوضع القانوني لحبس مرسي (مع تفهمي تماما للظروف التي تحتم وضعه تحت الإقامة الجبرية لحين صدور أوامر بمحاكمته) أو مدي جدية و جدوي ما يسمي بالمصالحة الوطنية مع الإخوان المسلمين بينما تلمح مؤسسات الدولة أنهم من يقصدونهم بوصف الإرهاب. لا أعترض علي إلصاق تهمة الإرهاب علي قيادة جماعة الإخوان فهم و حلفائهم من الجماعات الجهادية يستحقوه ليس إذلالا و لكن كوصفا دقيقا لتاريخهم الأسود و لأفكارهم القطبية التكفيرية و لعامهم الكئيب في حكم البلاد و لكن … إذا كان الأمر كذلك فأي عملية ديمقراطية “لا تقصي أحدا” هذه التي يدعو لها الجيش؟ و كيف سيتم دمج التيار الديني مرة أخري في العملية الديمقراطية بدون أن تؤتي بنتائج مختلفة جذريا عن نتائج الممارسة الإنتخابية منذ 2011 و حتي 2012 (طلاما الحديث عن 30 يونيه حديث عن ثورة شعبية)؟ الشفافية و المصارحة تكاد تكون معدومة في المرحلة الحالية و يبدو أن أغلب المؤيدين للجيش لا يبالوا و هو ما يزيدني قلقا … ليس علي حقوق مزعومة لتنظيم إرهابي فاشي أو متورطين في التمويل أو التحريض علي أعمال عنف و لكن علي عواقب هذه المواجهة الغير واضحة الأبعاد علي من لا ذنب له. نعم أؤمن أنه يجب مواجهة الدولة و المجتمع للإرهاب سواء كان تنظيما أو جماعة متورطة في أعمال عنف أو مسيرة لاسلمية مسلحة أو محرضيين علي العنف أو مهددين بإستخدامه. و لكنني أيضا أري أنه لزاما لضمان إلتفاف الشعب و المؤسسات الإجتماعية المختلفة حول تلك المهمة, و التأكد من أن لا تحيد عن أسبابها, أن تقرن تلك المواجهة بمصارحة تامة عن أهدافها و كيفية تحقيقها مع مراعاة حقوق و حريات الأفراد الغير متورطين أو, كنتيجة, تغول القبضة الأمنية علي المواطن العادي حتي لا يعود التاريخ إلي السياق الذي أدي إلي أحداث يناير 2011 – و هو إن حدث سيكون غالبا عليه التشدد الديني بمطالب أكثر تزمتا و تطرفا.

بعض الخواطر

* الحلول الأمنية قد تحقق نجاحا نسبي في التعامل مع التنظيمات السرية و لكن لن يجدي نفعا مع الفكرة من وراء تلك التنظيمات. فعلي الرغم من ملاحقة مبارك 30 عاما لتنظيم الإخوان لم يستطع القضاء كلية عليهم. و لعله إستفاد من وجودهم في قدرة الإخوان علي جذب و تحييد الألاف من المائلين إلي التشدد و الراغبين في التغيير علي نمط ديني. أثتبت الأيام أن تحييد الإخوان لأتباعهم مجرد إحتفاظ بكارت لوحوا بإسخدامه قبل إعلان نتيجة إنتخابات 2012 و قبل أحداث 30 يونيه و رأينه بالممارسة في شوارع القاهرة و المحافظات و لكن ستظل الحقيقة دائما أن أي حاكم مصري, علي الأقل في المدي القصير, سيكون دائما في إحتياج لمن يستطيع أن يربط لجام حماس أنصار المشروع الديني الشمولي. فإذا بين التعامل الأمني و بين تقديم تنازلات للقادر علي أداء هذا الدور – تبدو دعوة السيسي لمواجهة الإرهاب أكثر غموضا و تعقيدا.

* تلبية دعوة السيسي ليس بالضرورة شيك علي بياض. غموض ما يعنيه بـ”مواجهة الإرهاب” قد تفرض عليه قبل أي شخص أخر التحرك بحذر خاصة عند التعامل الأمني لأن ما قاله السيسي في خطابه الأخير قد يحمل لكل فرد متحمس لتلبية الدعوي معني مختلف عن الأخرين. أشك أن لا يكون حاضرا في ذهنه مدي السرعة التي خسر بها الجيش شعبيته و مصداقيته عند قطاع كبير من الشعب قبل أن يسلم الحكم إلي الرئيس المنتخب – و مواجهة الإرهاب لا يجب أن تعني قتل أو قمع أنصار التيار الديني. أو هكذا أتمني.

* الديمقراطية كنظام حكم ألية و ليست هدف. غابت تلك الحقيقة عن الكثير و كانت نتيجة الديمقراطية الغير منوطة بحماية حقوق و حريات الأفراد هو شروع التيار الديني في بناء دولة شمولية فاشية و تغيير هوية المجتمع لتحقيق هذا الهدف و الحفاظ عليه لعشرات السنين. لم يكن هناك شيئا من قيم الديمقراطية في وصول الإخوان للحكم و ممارستهم له بدءا من التهديد بحرق مصر قبل إعلان النتيجة و الحنث بالوعود الإنتخابية و الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 و حصار المحكمة الدستورية و كتابة الدستور الجديد. الخطاب الإقصائي و المتعالي في إعلام التيار الديني زاد الطين بلة. إن لم يكن هناك من الديمقراطية إلا شرعية الصندوق أو مغالبة و تسلط الفائز فحتما ستكون شرعية هشة و ضعيفة. هذا درس للجميع و لا يجب أن يغفل عنه مؤيدي الجيش أو أنصار التيار المدني مثلما فعل الإخوان و إلا لن تستقر مصر أبدا. الإشكالية هو أنك تستطيع أن تأخذ هذا في الإعتبار بدون أن تستطيع أن تقدم حلولا لأن في بعض الأحيان لا يمكن أن توجد متسع للجميع بينما يعمل البعض علي فرض إرادتهم (أغلبية كانوا أو أقلية) علي الأخرين. فعلي سبيل المثال هل هناك نموذج يستطيع أن يحتوي و يضم أفكار سيد قطب في عملية ديمقراطية حقيقية؟ أترك لك الإجابة.

* ما يجب أن لا يغيب عنا الان أن الديمقراطية نتيجة تاريخية لمئات السنين من الخلافات الدينية و الإجتماعية بل و محطات في تاريخ البشرية منذ منتصف القرن الرابع عشر و ما فرضه الطاعون علي أوروبا من تغيير عنيف لتوزيع السكان و أدوارهم و مرورا بعصر النهضة و إختراع الطباعة و ظهور البروتستانت و إنشقاقهم عن الكنيسة الكاثوليكية و العديد من الحروب الأهلية و الإقليمية و عصر الإستكشافات و الثورات العلمية و الصناعية و الثورات الدموية في أوروبا بل و ربما حتي حربين عالميتين و الحركة الحقوقية المدنية في الولايات المتحدة … الديمقراطية وليدة صراعات و متغيرات طويلة و بطيئة. فرضها علي مصر بدون تدرج و بدون توازن إجتماعي سبب رئيسي لما نعاني منه الان. لن تنجح التجربة الديمقراطية بدون تنازلات و لن تقدم التنازلات حتي يدرك الجميع أن البديل هو الإنفصال أو الصراع أو الفناء. بالفعل أن يؤمن البعض أن الموت أسمي أمانيهم فقط يعجل بهذه النتائج.

* الناس “المعتدلة” و “الموزونة” و “المحايدة” المشبوهين اللي بتتكلم بس دلوقتي عن حرمة الدم و الإنسانية و الرحمة و العدل. كنتوا ساكتين ليه قصاد مشروع الإخوان الفاشي الشمولي العنصري المتطرف؟ مكنتوش بتفكروهم ليه بالقيم دي طلاما خايفين عليها؟ و لا دلوقت بس لما المشروع مهدد بالإنهيار بقي الكلام ده له لازمة؟ طب و بالنسبة للمجرمين و الإرهابيين اللي بيرمحوا في شوارع مصر الان؟ بالنسبة للشيعة اللي إتقتلوا و إتسحلوا؟ بالنسبة للأقباط اللي إتقتلوا و إتهجروا؟ بالنسبة لكل إنسان قتل من أجل بقائكم في الحكم؟ إن لم تتسقوا مع أنفسكم في كل تلك المواقف, لا تأتوا الان و تدعوا الإنسانية. جنيتم علي أنفسكم و علي هذا الوطن بكل من فيه عندما جعلتوا السياسة معركة علي الهوية و من ثم معركة من أجل البقاء. أنتم مشاركين في ذنب كل دم سال أو روح أزهقت. تحملوا إذا العواقب مثلما كنتم ستحتفلون إذا كانت الغلبة لكم لعلكم تفهموا أن من عاش بالسيف مات بالسيف.

* مش أنا اللي عندي مشكلة في التعايش و المساواة و إحترام الحقوق و الحريات طلاما (و حط تحت طلاما 100 خط) الجميع هيكون ملزم بها في إطار عقد إجتماعي توافقي. التيار الديني ميعرفش حاجة إسمها تنازل … في فرق من موقف بيقول أنا عاوز أحتفظ بحقوقي و حرياتي و أن يحصل غيري عليها و بين موقف واحد شايف إن من ضمن حقوقه و حرياته دي إنه يتسلط علي ضمائر و حقوق الأخرين.

* التغيير الذي أنشده لن يأتي أبدا بـ”شرعية المدفع”. و لكنه ثبت أيضا – و إن كان جليا من قبل – لن يأتي بإنتخابات منزوعة المعني و القيم. أصبح الحديث عن التغيير في حد ذاته رفاهية لأن هناك من إستثمر ,من كل أطراف الصراع, في خوف المصريين.

* فاشية و شمولية الإخوان جزء من كل. التسلط جزء من ثقافة المصريين. لا يجب أبدا الظن أن العبور من تلك المرحلة سيخلص مصر من أمراضها الإجتماعية.

* إن هدأت الأمور نسبيا يتحمل المجتمع و مؤسسات الدولة و الأفراد مسئولية وطنية و أخلاقية لضرورة إدماج مباديء التعددية و المواطنة و التسامح و الفردية و المسئولية الشخصية و الخصوصية التاريخية المصرية في ثقافتنا – يجب أن يهزم التطرف و التعصب في ضمائر الناس حتي يذهب بلا رجعة.

* أخيرا … تعلمت من الوقوف في اللجان الشعبية في يناير 2011 أن عمري و عمر من أحب و أمانهم أغلي عندي من إعتبارات أخري طلاما كنت فخورا بإحترامها. لا يجب أبدا أن يفاضل الإنسان بين أمنه و حريته. و لا يجب أن يفاضل الإنسان بين أمنه و حريته و بين أمن و حرية الأخرين … لعلنا نظل إنسان