إن تستر الانقلابيين وراء ستار من ألعاب الدومينيك أو المتريوشكا ليس جديداً على ساحة الأحداث في الشرق الأوسط و أفريقيا التي لا تخرج عن كونها دولاً مازالت تكافح لتخرج من ضمن سلسلة الدول الأقل ممارسةً للديمقراطية والأدنى في معدلات التنمية والأكثر فقراً .
لا شك أن الأمر لا يتطلب تدخل مؤمرات أجنبية لحدوثه وإن وجدت .. فإن قادة الجيوش في المنطقة دوماً يطمحون للسلطة والتربع على كرسي الأمر والنهي اقتداء بأسلافهم من الطغاة ذوي الخلفيات العسكرية الذين برز حكمهم الجبري خلال القرن الماضي وبدايات هذا القرن و مازال يتربع كثير منهم في سدة حكم و خلف الستار .
أن من أهم أسباب بروز الانقلابيين في مصر على حساب ثورتها و تضحيات شبابها عبر انقلاب بدأ ناعماً ليصبح دموياً الآن هو ازوداجية المعايير التي غلبت على الساحة السياسية والتي تناست منطق الثورة الذي لا يقبل بالحلول الوسط أو المهادنة أو تخوين من يهاجم الطغاة و يطالب بإسقاطهم و تصفية من عاون معهم في إفساد البلاد و العباد , الركون إلى هذه الحلول و المفاوضات السياسية العرجاء التي تسببت في الخروج الآمن لجل طغاة العسكر من أعوان المخلوع , هذا التهاون أبرز لدى الطبقة الرأسمالية المستفيد الوحيد من حالة الطاغوتية في مصر قدرة تقويد الديمقراطية الناشئة إذ لن يتوافر الرادع الكافي لمحاسباتهم و لهذا فإن احتمالية العودة على حساب خنق المجتمع في العديد من الأزمات من الأمور التي ظهرت ممكنة و متاحة .
ناهيك عن عدم القدرة على التكيف مع تكاتف العديد من الأيدلوجيات و الذي تسبب في الشقاق حتى بين الأيدلوجيات المتشابهة (الإسلامية) التي حصلت الأغلبية الانتخابية في انتخابات حرة و نزيهة إلى قدر كبير عما كان يحدث قبل الثورة ليدخل الجميع في طريق تمحيصٍ طويل , ظهر فيه فقط تقاطع المصالح الخاصة و ارتفاع صوت الأنا و هو ذات السبب الذي خرجت من أجله الثورات .
هذا الارتداد كان تمهيداً لأن ينقلب العسكر و لم يخفى على كثر من الشباب رغبة جميع القيادات العسكرية في الانقلاب على القيادات الفاسدة كعنان و طنطاوي و غيرهم , إن رغبة الانقلاب لم تكن وليدة اللحظة الحالية بل هي فوارة منذ انطلاق شرارة الثورة و برزت كثيراً في موقف الجيش الحيادي الغير مبرر بسماحه للشرطة بأن تستبيح تقتيل الثوار في التحرير و برزت أكثر في تلون أسلوب القيادات من المخاطبة الودية للشباب لدعمهم في خططهم الانقلابية التي كانت تطرح بمنتهى الوضوح إلى ممارسة العنف و بلوغه أقصاه في محمد محمود لتشتد الأزمة الخانقة و يرتفع معدل الأنا حتى عند العوام فلا يتحمل عامة الشعب فكرة التأزم في الحاجات الضرورية حتى و لو كان ثمن ذلك حريةً قد يفقدها , مادامت هذه الحرية لم تحفظ له حتى شعور الأمن على نفسه داخل بيته لينتهي به المطاف لقبول الانقلاب المتستر بلباس ثورة وهمية لم تسقط فيها قطرة دم واحدة .
إن الارتداد على مكتسبات الثورة المنتقصة إلى مربع الصفر في صورة الانقلاب المشين لن يعود بمصر إلى نقطة البداية فحسب بل إلى لحظة الركود الممتدة منذ أكثر ن خمسين عام , ليس ارتداداً على الحريات فحسب و ليست صورة من صور الإقصاء الممنهج ضد فصيل بعينه و فقط بل هو ارتداد ممنهج على معدلات التنمية و الدخل , إذا أن الانقلابات لا تستمر إلا بشراء الولاء و شراء الولاء يعني تغييب العدالة الاجتماعية برفع مقدرات الجيش على حساب الشعب فتختفي الحرية و يتبعها القوت و العدالة الاجتماعية إذا أن العدالة حكماً و قضاءاً مغيبة في قبورها منذ أزمنةٍ مديدة .
إن اللحظة الغامرة التي يرى فيها المواطن البسيط القليل من البترول يضخ و ارتفاعاً طفيفاً في معدلات امداده باحتياجاته من الماء و الكهرباء ما هي إلا سراباً يخفي ورائه تتوجيه بوصلة دخله نحو فقرٍ مقدع لن يدركه إلا متأخراً فقد سلم بيده الراية لمن لا يرحم .

.