أخلاقنا بين الردع القانوني والعقاب الإلهي

الفصل بين الدين والأخلاق .. ممكن

بقلم
إسماعيل حسني

أوضحنا في المقالتين السابقتين، هنا وهنا، أننا لن نتمكن من بناء مستقبلنا حتى تتوفر لدينا منظومة أخلاقية تتمتع بالقوة والمرونة والقدرة على تجديد نفسها، وأن مشكلتنا تكمن في أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين بأخلاق القرن الثاني عشر، حيث نجحت الإيديولوجية الوهابية في فرض تماهيا لامعرفيا بين الدين والأخلاق، فأصبحت أوامر ونواهي الأديان لا أحكام العقل هي مصدر الأخلاق ومعيارها، مما شرحنا فساده بل وكارثيته.

ولقد كان مقدرا أن نستكمل اليوم حديثنا حول مقتضيات بناء منظومة أخلاقية حديثة، لولا رسائل وصلتنا يحتج فيها أصحابها على دعوتنا للفصل بين الدين والأخلاق، على أساس أن الدين يمثل رادعا أخلاقيا يحمي الفرد والمجتمع من الكثير من الأمراض والآفات الأخلاقية مثل تعاطي المخدرات والمسكرات والسرقة والرشوة والإهمال والشذوذ الجنسي وزنا المحارم وغيرها، وأن صلاح المجتمع في تنشأة الأجيال الجديدة على الوازع الديني، والإلتزام بتعاليم الأديان، والخوف من العقاب الإلهي، وليس على قواعد التربية المدنية الحديثة التي تعتمد على تقوية الوازع الذاتي (الضمير)، والثقة بقدرة العقل على إصدار الأحكام، واحترام الآخر، والتزام القانون.

ورغم أن كل ما وصلنا من رسائل يخلو من أسس معرفية أو عقلية يمكن مناقشتها، ويدور معظمها حول مرسل الأقوال والحكم والمواعظ القديمة وبعض آيات من القرآن والإنجيل، إلا أننا سنلقي اليوم نظرة فيما إذا ما كان الوازع الديني يمثل رادعا أخلاقيا يمنع الأفراد من ارتكاب الرذائل، بل ومن استمراء تكرارها، أم أن هذا محض إدعاء؟

إن للوازع الديني أثره بلا جدال في تهدئة النفس البشرية، وقبولها بما قسم لها، وطمئنتها إلي سبل الرزق، وإعطاء الناس أمل في حياة أفضل بعد الموت، ولكنه لا ينعكس بهذه الإيجابية فيما يتعلق بسلوكيات الناس اليومية أو في تنظيم وإدارة المجتمعات.

فعلي حين نجد أن قواعد القانون المدني الوضعي ومواده تنتصر لمبادئ الأخلاق والمثل العليا انتصارا حاسما، ولا تقبل في ذلك مساومة أو شفاعة أو وساطة، وتطبق على مخالفيها عقوبات فورية رادعة، لا يمكن التهرب من أدائها أو إسقاطها مهما كانت منزلة الشخص أو إنجازاته، نجد أن اهتمام الأديان ينصب في الأساس على جذب الناس إليها، وضمان ولاءهم لها، وعبادة الله تحت راية هذا الدين دون ذاك، ويأتي اهتمامها بقواعد الأخلاق والقانون في المرتبة الثانية.

فالأديان تقرر عقوبات شديدة بل مرعبة للمذنبين تتدرج من عذاب القبر، والثعبان الأقرع، إلى صب المعادن المنصهرة في آذانهم والحرق بالنار، وصولا إلى الخلود في عذاب السعير، ولكن يعيبها كأداة ردع وزجر أنها:

أولا: عقوبة مؤجلة. أي تطبق أساسا في الحياة الأخرى، وقد تعجل في الدنيا، ولكنها في الحالتين ليست فورية.

ثانيا : أنه يمكن التهرب منها وإسقاطها نهائيا بعشرات الوسائل، منها الصدقات والحسنات اللاتي يذهبن السيئات، والإستغفار، والتوبة، والصلاة وصوم رمضان فمن صامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، أو بالإكثار من العمرة فالله يغفر ما بين العمرتين، أو بالحج الذي ينقي المسلم من الذنب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، أو بشفاعة الرسل والأئمة والأولياء، وأخيرا برحمة الله التي وسعت كل شيء في الآخرة، فالله يغفر جميع الذنوب إلا أن يشرك به ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم ” الزمر 53. ولا تتطلب المغفرة في المسيحية كل هذا العناء، فالمسيحي يكفيه الإيمان بذبيحة المسيح الكفارية التي تغفر جميع خطايانا، منذ أول خطية، خطية آدم، إلى آخر خطية يرتكبها آخر إنسان على الأرض، بشرط أن يتوب ويطلب مغفرة دم يسوع المسيح المصلوب، وأن تشهد الكنيسة التي يتبعها على صحة إيمانه، يكفيه هذا الإيمان لكي يغفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

لهذا فإن مرتكبي الذنوب والجرائم خاصة الكبرى منها كالقتل والسرقة والزنى يعلمون ولا شك بحرمتها دينيا، وبالعقاب الرهيب المنتظر، ومع ذلك يضعفون أمام شهواتهم ويأتونها لأنهم يأملون في إمكانية التهرب من العقاب عن طريق أي من الوسائل الكثيرة السابقة. بعكس القانون الوضعي البشري الذي ينزل بالمذنبين عقوبات فورية معجلة لا يمكن إسقاطها، ولا أمل في التهرب من أدائها.

والحق أن رحمة الله ومغفرته تفوق كل تصور، فنقرأ في تفسير ابن كثير للآية السابقة من سورة الزمر أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا الرسول فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ” هكذا رواه مسلم. وجاء إلى النبي شيخ كبير يدعم على عصا له فقال: يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي؟ فقال الرسول ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال: بلى وأشهد أنك رسول الله فقال الرسول قد غفر لك غدراتك وفجراتك (أخرجه أحمد). وفي تفسير القرطبي أن الآية قد نزلت في وحشي قاتل حمزة إذ جاء إلى الرسول وقال له إني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت، هل يقبل الله منى توبة ؟ فصمت الرسول حتى نزلت ” والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون .. إلى آخر الآية ” الفرقان 68  فتلاها عليه، فقال أرى شروطا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت ” إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” النساء 48 فدعا به فتلا عليه، فقال: فلعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله، فنزلت: ” قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم ” فقال: نعم الآن لا أرى شرطا. فأسلم.

وفي سعد السعود، لابن طاووس نقلا عن تفسير الكلبي: بعث وحشي و جماعة إلى النبي أنه ما يمنعنا من دينك إلا أننا سمعناك تقرأ في كتابك أن من يدعو مع الله إلها آخر و يقتل النفس و يزني يلق أثاما و يخلد في العذاب ونحن قد فعلنا ذلك كله فبعث إليهم بقوله تعالى «إلا من تاب و آمن وعمل صالحا» فقالوا: نخاف أن لا نعمل صالحا. فبعث إليهم «إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء» فقالوا نخاف أن لا ندخل في المشيئة. فبعث إليهم «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا» فجاءوا وأسلموا.

كذلك نرى الكتاب المقدس ينسب لأنبياء الله أحقر الجرائم المخلة بالشرف والمرؤة والضمير ثم يطلب منا تقديسهم والإقتداء بهم للفوز بالآخرة التي فازوا هم بها، مما يؤدي لاهتزاز معنى الأخلاق في ذهنية المتدينين، ويخلق لديهم نوعا من ازدواجية المعايير، ويؤكد لهم إمكانية إسقاط العقوبات الإلهية، فإبراهيم أبو الأنبياء يطلب من زوجته سارة وكانت على جمال باهر أن تدعي أنها أخته، ويدع ملك البلاد يفتن بها ويضمها إلى حريمه في سبيل منافع مادية، ويفعل ذلك مرتين في مصر وفي أريحا بفلسطين، وهذا النبي لوط  يسكر ويزني ببنتيه، ورؤوبين ابن النبي يعقوب يزني بامرأة أبيه، والنبي دواود يتآمر على قتل جاره وقائد جيشه ليعاشر زوجته الفاتنة، إلى آخر ما نسبه الكتاب المقدس للأنبياء من موبقات.

إذن فالنصوص الدينية القطعية الدلالة في الكتب السماوية تؤكد أن مجرد الدخول في هذا الدين أو ذاك أو التوبة النصوحة تغفران جميع الذنوب على الإطلاق، بما في ذلك الجور على حقوق  البشر وسفك دماءهم (القتل) وانتهاك أعراضهم (الزنى). وهذه دون شك أعظم نعم الله على عباده، فهي تحبب إليهم الإيمان، وتفتح لهم باب التوبة على مصراعيه مهما عظمت ذنوبهم وغدراتهم وفجراتهم، ولكنها في نفس الوقت تضعف من أثر العقوبات الدينية، ولا تردع الناس عن ارتكاب أفظع الجرائم.

من ثم فالإعتماد على الوازع الديني في تنشأة الأفراد، وإصلاح المجتمع ومواجهة الآفات الإجتماعية أمر يحتاج إلى إعادة نظر، ويجب أن يقوم الإصلاح على مبادئ التربية الحديثة التي أخذت بها شعوب العالم المتقدم، من تقوية النزعة الإنسانية، وتنمية الوازع الذاتي، وتهذيب الوجدان البشري عن طريق تعميق الإحساس بقيم الجمال والحب والخير، والتدريب المستمر على احترام الآخر، والتزام القانون، واستلهام أحكام العقل في استحسان الأفعال أو استقباحها، فيستقيم حال الأفراد، وتنصلح أحوال المجتمعات، ثم يكون للأديان بعد ذلك أثرها في الإرتقاء بأتباعها فوق مستوى البشر إلى مصاف الأبرار والأطهار والقديسين. ولعل هذا المنهج هو ما عناه نبي الإسلام (ص) في قوله: خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إن تفقهوا.