مر عام طويل كئيب أسود و مظلم من حكم جماعة الإخوان الإرهابية. لم يكن أحد يتصور عند تنصيب محمد مرسي رئيسا للجمهورية أن تتطور الأحداث إلي عزله من منصبه بإنتفاضة شعبية لا مثيل لها في تاريخ مصر و بعد عام واحد من الحكم. كل من يؤمن بمدنية الدولة و بحدودها الفاصلة و خصوصيتها التاريخية له الحق و كل الحق أن يفرح بعزل مرسي و لكن لكي لا تتكرر أخطاء الماضي و تحول فرحة الخلاص من حاكم إلي يوفوريا تعمي صاحبها عن التحديات و الحقائق يجب
أن ندرك أنه لا مجال للإحتفال بعد و إلا سيكون المستقبل, القريب جدا, أكثر قسوة مما نتخيل.

الإخوان: التنظيم و الفكرة

من الباكر جدا الجزم بأن تنظيم الإخوان سيتم حله و ملاحقة قيادته قضائيا و حبسهم و تجميد حسابتهم. في كل الأحوال يجب أن تدرك الملايين التي خرجت ضد مرسي معارضة لمشروعه الإجتماعي و السياسي لمصر أن حل التنظيم لا ينزع الفكرة المتأصلة في ضمير الملايين الأخري من المصريين. الحل الأمني في عهد مبارك لمدة 30 عاما لم يحقق ذلك و لا يمكن حتي الشروع به الان. فحتي إذا إفترضنا أن التنظيم سيتم حله و ذراعه السياسي سيتم وقفه ,فإن تلك الملايين لا يمكن إقصائها عمليا. و إن لم تجد تلك الملايين – و بقايا تنظيم الإخوان من وراءها – فرصة للعمل السياسي فإنها بدون شك ستكون هدفا للأحزاب الأخري المتنافسة (خاصة حزب النور) التي ستحاول أن تقدم لهم أهداف إجتماعية شبيهة بأجندة الإخوان لجذبهم. و بالتالي هناك دائما فرصة أن تطل تلك المرجعية من صناديق الإقتراع بصورة أو بأخري بما يوحي أن إنتفاضة 30 يونيو تأجل ما هو حتمي طلاما ظللنا نسير في العملية الديمقراطية غير المنوطة بحريات الأفراد.

حزب النور

موقف حزب النور من انتفاضة 30 يونيو و إن كان ضربة قوية لتنظيم الإخوان فلا يجب أن يفهم أنه تضامن مع المطالب بمدنية الدولة و الحفاظ علي الهوية المصرية المتعددة. حتي قريب كان الخلاف بين الإخوان و حزب النور خلاف سياسي بحت بعد أن إستحوزت الجماعة علي السلطة كاملة و رفضت حصول حزب النور علي بعض الوزارات (خاصة وزارة التعليم). و لا يخفي علي أحد أن الخلاف العقائدي و الأيدلوجي بين حزب النور و الإخوان لا يسير في اتجاه المزيد من التسامح و التعددية من جانب حزب النور بل العكس. و لا يخفي علي أحد أن موقف حزب النور من دستور الإخوان كان مؤيدا بل و مطالبا بالمزيد من القيود علي الحريات كما تباهي ياسر برهامي من قبل أن الدستور المصري الجديد يفرض قيودا غير مسبوقة عليها. تجلي هذا الإصرار في تمرير المادة 219 المفسرة للمادة 2 من الدستور و التي تقول أن ” مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في مذاهب أهل السنة والجماعة”. تردد الإخوان كثيرا في إضافة تلك المادة و فعلوا ذلك إضطرارا لمحابة حزب النور و التيار السلفي عامة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا – ماذا سيكون دور حزب النور في مستقبل مصر السياسي و التشريعي؟ لا أري حزب النور متقبلا للكثير من التنازلات و بخاصة أن أسهمه ستصعد كثيرا إن أزيل الإخوان من الحياة السياسية.

سياسة الهوية

ستظل السياسة في مصر مقيدة بصراع الهوية الذي كان بدون شك محفزا هاما لإنتفاضة 30 يونيه. كل ما حدث العام الماضي منذ وصول الإخوان إلي سدة الحكم يؤكد أن التجربة الديمقراطية في مصر لن تحل إشكال الصراع علي الهوية. و لا أظن أيضا أن تدخل الجيش سيحسم ذلك الأمر. الوضع معقد للغاية و بخاصة أن المرجعية الدينية لتيارات الإسلام السياسي بالتعريف غير قابلة للتعديل و لتقديم التنازلات. أضف لذلك طموحات حزب النور و ستدرك أن القادم ليس بالضرورة أفضل.

الإقتصاد

لقد وقعت مصر في حلقة مفرغة شرسة. الفشل الإقتصادي يزيد من الإحتقان السياسي الذي بدوره يزيد من إتساع دائرة و تأثير هذا الفشل. بدون شك حكومة مرسي أخفقت إقتصاديا بشكل مثير للشفقة لضعف كوادر الإخوان القادرة علي إدارة إقتصاد دولة. و لكن لا يمكن تجاهل أن هذا الفشل يرجع أيضا لثقل التحديات الموروثة من عقود مضت و من تبعيات إنتفاضة 25 يناير. تغيير حكومة الإخوان و إن كان قادرا علي إستبدال كوادرهم الفاشلة فهو لن يزيل صعوبة تلك التركة بل مع إزدياد الإحتقان السياسي و الإقتتال ستصعب المهمة علي أي تشكيل حكومي مهما كانت كفائته. فهل تتصور إن إستمرت تبعيات 30 يونيه من إقتتال و مظاهرات أن السياحة ستنشط أو أن الإستثمارات ستتسابق علي مصر؟ ذلك لوحده كفيل بأن يحطم الأمال المعقودة علي 30 يونيه في وقت أقصر بكثير من الوقت الذي إستنفزه الشعب المصري للإحباط من 25 يناير.

المظاهرات

لن تنتهي الدعاوي إلي التظاهرات و الإعتصامات و المطالب الفئوية. و إن كان الان الغالب علي الساحة المظاهرات المعارضة لمرسي و الإخوان فمن المحتمل جدا أن تتسع دائرة المظاهرات المؤيدة لمرسي لتضم مرة أخري بعض الناشطين و أنصار التيار المدنية و غيرهم مع طول الفترة الإنتقالية و الأحداث التي ستتخللها – مع حتمية حدوث إنتهاكات من قبل المنظومة الأمنية – و هو ما سيعقد الموقف أكثر و سيقيد أي محاولات جادة للإصلاح و تهدئة الأوضاع.

خلاصة

للأسف مازال يعاني الرأي العام من سطحية شديدة للنظر إلي الأمور. تبسيط مشاكل المجتمع في أشخاص (مبارك, طنطاوي, مرسي الخ…) أو دول (إسرائيل, أمريكا, قطر الخ…) أو الأفكار الضحلة (نظريات المؤامرة بأشكالها المختلفة, المثاليات, النقاء الثوري الخ…) يعني بكل وضوح أننا نسير إلي الدمار بقدمينا مقبلين عليه بغباء و سذاجة تكاد تستحق لنا الفناء. سيظل دائما و أبدا أفضل الحلول هو التعايش و التعلق بمباديء الحرية و المساواة و العطف. سيظل دائما و أبدا أفضل الحلول هو تقبل مبدأ أنه لا إكراه … في أي شيء! و لكنني أراني قد وقعت في نفس فخ المثالية الذي أشرت إليه. للأسف هناك من لن يقبل بهذه الخطوط العريضة للتعايش و التقدم و الرخاء مهما كان الثمن. لا أريد بهذا المقال الجزم بأن تدخل الجيش المصري الوطني محتم الفشل – و لا أقول أن إستمرار الإخوان في الحكم بديل مقبول بعد أن أظهروا فاشيتهم و إرهابهم (و هو كان أمر حتمي لمن يعرف قيمهم و تاريخهم أو تعرف علي أدبياتهم) – و لا أستبعد أن هناك بالفعل حلول, صعبة, للكثير من التحديات التي أسردتها – و لكن ما أسعي إليه هو التنبيه بأن الخطر مازال قائم و أن الشمس لم تشرق بعد لعلنا ننتبه و نغير مصيرنا المقبل القاتم.

ملحوظة: المقال يفترض, و لا يجزم,أن جهود الإخوان للبقاء في الحكم ستفشل سواء عبر الإرهاب في الشارع أو تنظيم المظاهرات أو من خلال الضغط الأمريكي أو الوصول إلي حل وسط يتنازل فيه الجيش عن بيانه لسبب أو لأخر. لأن الأحداث مازلت راهنة وجب التنويه.