صعدت السلالم جريا، وزوجتي تتعثر خلفي حاملة ابنتنا بينما البواب وراءنا يحاول الدفاع عن نفسه بأنفاس مقطوعة .. أقسم أنه لم يترك البوابة أكثر من دقائق معدودة وصل خلالها إلى أول الشارع ليشتري علبة سجائر وعاد فورا .. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، ومنذ فترة قليلة جاءني تليفون من بواب العمارة بأن لصا دخل شقتي ونجح في الهروب عندما اكتشفه ..

وصلت إلى باب شقتي في الطابق الأول؛ كان مفتوحا ويخلو من أي أثر لعنف ..

هذه الليلة قررت أنا وزوجتي المبيت عند أمها المريضة، ولم أنس التأكيد على البواب بأن يأخذ باله جيدا في غيابنا .. نزل بعض الجيران وتجمعوا على السلالم، والبواب لا يزال يشرح بارتباك كيف سمع صوت خطوات بعد عودته في شقتي؛ فصعد ليستكشف الأمر .. اندفعت أنا وزوجتي نتنقل بين الحجرات؛ نفتح الدواليب والأدراج ونراجع أشياءنا بينما البواب الذي دخل ووقف في منتصف الصالة يقول أنه وجد الباب مواربا فرن الجرس معطيا احتمال أنني عدت لأي سبب لكنه سمع صوت ارتطام كبير لم يستطع أن يميز هل حدث داخل الشقة أم في الشارع فقرر الدخول ليجد البلكونة مفتوحة .. تأكدت أنا وزوجتي من أن اللص لم يسرق شيئا فجلسنا لنحاول مساعدة الاطمئنان على تخليص جسدينا من تعب الأعصاب التي أنهكها الفزع .. تشجعت خطوات الجيران على التقدم أكثر كي يحصلوا على معرفة أفضل فارتاحت أقدامهم عند عتبة باب الشقة بينما ظل البواب واقفا مرتعشا أمامنا في منتصف الصالة ويكمل ما حدث .. أخبرنا أنه دخل البلكونة فورا؛ فرأى في الشارع رجلا يرتدي ملابس سوداء، ويجري بأقصى سرعة، وأن الشارع كان خاليا تقريبا في هذه الساعة المتأخرة فلم يشاهده إلا شخص تصادف سيره في الجهة المقابلة .. 

عرف البواب ـ وكما أكد له الشاهد ـ أن اللص كان يلبس أيضا قناعا قماشيا أسود يغطي رأسه ووجهه، وأن صوت الارتطام كان نتيجة قفزه إلى سطح صندوق عال لسيارة نصف نقل تقف تحت البلكونة .. كانت المسافة قصيرة بين البلكونة وسطح صندوق السيارة، وأقصر بالطبع بين سطح الصندوق وأرض الشارع .. اختفى اللص تماما قبل أن يقرر العابر الوحيد هل يجري وراءه أم لا .. كان لا يمكن للبواب أن يلحق به بالتأكيد، لكنه لم يتوقف عن لوم نفسه على ترك البوابة دون غلقها حتى لو لم يستغرق غيابه عنها سوى مدة محدودة .. لم تكن لدي قدرة على التحدث معه فاكتفيت بالتأكيد له وللجيران الذين بدأوا في الانسحاب والصعود إلى شققهم بأننا لم نفقد شيئا ثم أغلقت الباب.

دخلت زوجتي الحجرة لتساعد ابنتنا على النوم، وكذلك لتطمئن أمها في التليفون، بينما ظللت واقفا في الصالة أتفحص محتوياتها، عاجزا عن انتزاع المهانة التي تغرس أنيابها ومخالبها الوفيرة في روحي حتى مع عدم نجاح اللص في سرقتنا .. كان يكفي أن يقتحم غريب شقتي وينجح في الهرب حتى أختنق بألم الإصابة بجرح غير متوقع، سيترك أثرا دون أن أتمكن من رده .. لكن غضبي المكتوم لم يكن ناجما عن هذا الجرح فحسب، بل ربما على نحو أقوى عن اصطدامي العنيف والمفاجيء بدليل واقعي لا يقبل الشك على أنني لست آمنا .. فرق كبير جدا بين أن تفكر طوال الوقت وتشعر دائما بأنك مهدد، وبين أن تحصل على إثبات فعلي لذلك .. ستؤمن لحظتها بأنك ـ رغم كل أفكارك ومشاعرك وتوقعاتك السابقة للمآسي ـ لم تدرك شيئا عن العالم؛ الأمر الذي سيزيد من القوة المرعبة لانشغالك بعدها بالخطر الذي يتوعدك باستمرار والمدعومة بالذكرى .. كان هناك أيضا إحساس خافت في داخلي بالرضى قد يصل بغرابة لدرجة الامتنان لما تعرضت له اليوم .. بفضل اللص عثرت على راحة مؤقتة سببتها النجاة من أذى لم أتغافل لحظة واحدة عن ترقب حدوثه بخوف عظيم .. ليست السرقة تحديدا وإنما الأذى بشكل عام ومبهم، ويحق لي الآن امتلاك قدر ولو ضئيل من فرح سري نتيجة خروجي سالما من قسوة التجربة الحقيقية التي عشت انتظرها.

توقفت عيناي عند نقطة معينة، وشعرت بتقلص حاد في معدتي وبدقات قلبي تتسارع بشدة وجسمي كله ينتفض .. تأكدت بعد تمعن من أن اللص قد سرق شيئا بالفعل.

رن جرس الباب .. كنت موقنا وأنا أفتحه بأنني في عد تنازلي سريع نحو الموت أو على الأقل الإغماء .. لم يستطع البواب أن يترك الليلة تنتهي دون أن يفعل كل ما في وسعه لاسترداد ثقته في نفسه، وكذلك ثقتي فيه؛ فقرر أن يصارحني باستنتاجاته الهامة عن القضية، والتي ربما رأى أنه من الأفضل أن يطلعني عليها بعيدا عن الجيران: اللص يعرف أنني وزوجتي غادرنا البيت ولم نرجع إليه اليوم، وهذه المعلومة لا يمكن لأحد معرفتها إلا لو لم يغمض عينيه عن مراقبة العمارة، وهو ما يفسر دخوله فور ابتعاد البواب عنها؛ ولهذا يرجح بقوة أن اللص من الشارع أو من العمارة وهو احتمال ضعيف جدا يكاد يكون مستحيلا لأن جيراننا ( محترمون ) .. اللص محترف لأنه نجح في اقتحام الشقة في زمن قصير جدا، ودون صوت أو خدش، كما أن جرأته في القفز من البلكونة وسرعة جريه تؤكدان ذلك .. اللص كان يعرف بالضبط ما ينوي سرقته، وأن الأمر لهذا لن يأخذ وقتا طويلا؛ فترك باب الشقة مفتوحا على أساس أنه سينهي عمله سريعا وينزل السلالم مغادرا العمارة قبل عودة البواب دون أن يضطر للمخاطرة بأن يسمع أحد من الجيران أي صوت قد يصدر عن إغلاق الباب .. بالطبع ساعده في ذلك الوقت المتأخر حيث يندر فيه صعود أو طلوع السكان، رغم أنه حتى لو حدث ورأى أحدهم باب الشقة مفتوحا فلن يشك في شيء، بسبب افتراض أنه لا أحد يعلم منهم أن صاحبها وأسرته سيبيتون في الخارج.

ظللت أنظر إلى البواب ثم ربت على كتفه وأغلقت الباب .. لم أستطع أن أخبره بما اكتشفت سرقته .. لن أتمكن أبدا من أن أخبر أحدا بذلك .. كيف أخبر الآخرين بأمر عاجز ببشاعة عن تصديقه ؟ .. مزيج رهيب من الذهول والقلق يجعلني أستعيد مرارا تأكدي من أنني رأيت ذلك الشيء قبل خروجي بلحظة واحدة في مكانه المعتاد حيث احتفظ به .. أعرف أنني لا أعيش داخل كابوس، ولذلك لا أفهم لماذا لا ينبهني من حولي، ولا يتعاملون معي بوصفي مجنونا ؟ .. لماذا يتصرفون كأنني في حالة طبيعية، وكأن كل ما حدث كان حقيقيا جدا ؟! .. أستطيع ببساطة أن أصدق جنوني أكثر من مجرد تخيل أن يدخل لص إلى شقتي في غيابي ليسرق ذلك الشيء فقط ويهرب.

في اليوم التالي ـ لم أتمكن من الانتظار أكثر من ذلك ـ قررت الذهاب بشعور قاتل بالبهجة والندم وباستيعاب بالغ لكوني فاشلا مثاليا إلى شارع هادئ جدا حيث فيلات وقصور وبيوت مهجورة لمصريين وأجانب زمن قديم .. هناك شجرة عجوز أعرفها منذ طفولتي، وقفت عندها وانتظرت خلو الشارع تماما ثم حفرت بجانبها وأخرجت ألبوم صور: أنا وأمي مع تلاميذ ومعلمات المدرسة الابتدائية .. أعياد ميلادي قبل بلوغي العاشرة .. كروت لشموع ملونة وزهور واعدة وصغار سعداء برفقة أسرهم كانت تُهدى للأمهات والمدرسات في أعياد الأم فترة الثمانينيات .. لقطات تذكارية مختلفة لعائلتي : أفراح .. رحلات .. أماكن عمل ودراسة .. مصايف .. كازينوهات ومقاهي .. منازل وشوارع .. استديوهات تصوير لم تعد موجودة .

استعدت الألبوم، وترددت كثيرا قبل أن آخذ الملابس السوداء والقناع القماشي.