النسوية هي الفكرة الراديكالية أن الرجال ليسوا بشراً..د. جاد سعد

قرأت مؤخراً مقالات ساتوشي كانازاوا وريجينا بارّيكا عن النسوية feminism باهتمام، لأنها تسلط الضوء على كم هو حساس ومشحون هذا الموضوع. في إدراج اليوم، أود أن أساهم في النقاش بالإشارة إلى نقاط قوة وضعف النسوية. بفعلي لذلك، آمل إزالة الغموض عن الشكل المحترم من النسوية (كحركة محاربة الظلم) من نظيره الجموح (كفرع أكاديمي قادر كما يبدو على المساهمة في حقول مختلفة كعلم النفس، علم البيئة، الفيزياء، البيولوجيا، الكيمياء، والرياضيات، فضلا عن كونه مرعى خصباً لكره الرجال).

واجهت المرأة أشكال وحشية لا حصر لها من التمييز المؤسسي منذ زمن سحيق وفي جميع أنواع البيئات الثقافية. هذه حقيقة لا يمكن إنكارها ومستهجنة أخلاقيا. وبناء عليه، فالنسوية كحركة، تسعي لتحقيق المساواة للمرأة في المجالات الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، والمهنية (مسمياً مجالات قليلة)، جديرة بالثناء. ما من سبب أخلاقي لا ينبغي لأجله أن لا يسمح للمرأة في التصويت، لا تنال فرصة متساوية في التعليم والرعاية الصحية، أو لا تحصل على نفس المبلغ من المال كرجل يؤدي نفس العمل، الخ. والنسوية كانت مسؤولة بتفرّد عن تصحيح هذه المظالم الاجتماعية الجنسوية جداً. هذا ما يمكن أن أسميه “النسوية النافعة”، وبذا تحت هذا العنوان يمكن أن أسمي بفخر نفسي نسوياً، لأنني أمقت كل أشكال الظلم والتعصب. اقرأ مناقشة لتاريخي الشخصي الزاخر بأحداث التعصب الخبيث هنـا.

دعني الآن أنتقل إلى أشكال جامحة، بلا معنى، وضارة من النسوية، وهو ما سأصوغ له اسم “النسوية المعادية”. سوف أتقيد بمناقشة أربع قضايا رئيسة.

(1) منذ بداية الحركة، تقاربت العديد من النسويات الراديكاليات بشكل سريع على الفكرة الخاطئة أن النساء يجب أن يعاملن بمساواة في جميع نواحي الحياة، ومن المهم إثبات أن الرجال والنساء كائنات غير متمايزة. ولذا، نسبت كل الفروق بين الجنسين عدا الأعضاء التناسلية إلى التنشئة الاجتماعية. إن طفلاً متوسط له ثلاث سنين يعرف أن هذا الموقف مضحك رغم أنه شعار مركزي في برامج “دراسات النساء” والأدب النسوي ذو الصلة. انطر “اعتناق النسوية: حكايات تحذيرية من العالم الغريب لدراسات النساء”، تأليف دافني باتاي ونوريتّا كورتغه، لأمثلة لا نهاية لها من المواقف النسوية اللاعقلانية والقابلة للتخطئة بشكل صارخ.

الرجال والنساء ينبغي أن يكونوا متساوين في ظل القانون مع أنهم كائنات بيولوجية متميزة. إن تمني زوال الفروق بين الجنسين، وخلق الروايات الخيالية عن قدرة التنشئة الاجتماعية في تشكيل كل الفروق بين الجنسين، هو الحمق بعينه. فالأمر لا يحتاج لدارويني مستعقد لندرك أننا نوع ثنا-شكلي جنسياً ويتكاثر جنسياً. بحكم التعريف، فهذا يعني أن لدى الرجل والمرأة بعض الاختلافات الفطرية البيولوجية.

(2) بعض أشكال الحركة النسائية قد تكون ضارة لأنها بنت أساساً أيديولوجياً ضد-ذكوري. على ما يبدو، فكراهية النساء شريرة وتستحق الشجب ولكن كراهية الرجال حميدة وجديرة بالثناء. ربما يمكنني أن أسرد 1000 مقتطف من المنظرات النسائيات الرائدات، كلها مسيء للغاية وشديد الجنسوية. لو أن نفس المقتطفات النسوية حرّفت فيها كلمة “رجل” لتصبح “امرأة”، ستفسر المقتطفات محل النظر كجنسوية مرعبة. ومع ذلك، عندما تقولها “النسويات التحرريات”، فهي جائزة تماما. أنا متأكد من أن معظم القراء يعرفون قول أندريا دووركن وكاثرين ماكينون الذي مفاده أن جميع الرجال مغتصبون، والجنس المغاير heterosexual لا يخلو من الاغتصاب. وأود أن أضيف أنه وفقاً لكثير من النسويات، والرجال الذين يستهلكون البورنو هم على أقل تقدير “مغتصبون تحت التدريب”. أتساءل ماذا يمكن أن نفعل للتكاثر نظراً لأن التزاوج المغاير يبدو “اختراقياً بعنف”. أفترض أنه مع التقدم في التلقيح الاصطناعي، قد يستغنى عن الرجال (وقد اقترحت بعض النسويات بالمناسبة هذا الموقف). أو ربما قد يتعلم الرجال جعل المرأة حاملاً عن طريق الجنس التانتري “بلا لمس”. بدلا من ذلك، يمكننا استكشاف إمكانيات الاستنساخ البشري كوسيلة لامتداد جيناتنا. وسوف نفعل أي شيء بما أننا نجتث “التزاوج المغاير الاختراقي” من مرجع الجنسانية البشري.

(3) في العالم الغريب للنسوية الأكاديمية، قواعد المعرفة لمجالات علمية الجليلة مشتبه بها إن لم تكن غير مكتملة لأن الرجال كانوا مساهمين رئيسين في تلك الميادين. أنا لا أتحدث عن دراسات السينما والنقد الأدبي حيث يمكن للمرء أن يجادل بأن النصوص التفسيرية وسائر النتاجات الثقافية قد تستفيد من أن تحلل من وجهات نظر ايديولوجية عديدة. دون علم علماء الطبيعية، فالعلوم الصعبة بما في ذلك الفيزياء، الكيمياء، والأحياء، بحاجة على ما يبدو إلى التأثر بالنظرية النسوية. حقا!؟ إن لم يكن هذا هلوسياً بما يكفي لحد الآن، فيبدو أن الرياضيات (أصفى جميع المجالات) غير كاملة ومنحازة، وتفتقر الى وجهة نظر نسوية. بما أنني قد تدربت في الرياضيات، أتساءل ما للرياضيات النسوية أن تكون. كان علي أن أقرأ “الخرافة الرفيعة: اليسار الأكاديمي وخلافاته مع العلم” تأليف بول ر. غروس ونورمان ليفيت لأحصل على جوابي. على ما يبدو، فالمشكلات الحسابية اللفظية جنسوية بطبيعتها في مضمونها، وبالتالي يمكن أن “تتحرر” بعدسة نسوية. نجاح باهر! خذ مثلاً المشكلة اللفظية التالية: “بوب أطفائي يكسب 40،000$ في السنة. نصحه رئيسه، كبير الإطفائيين لاري بأنه سيتلقى زيادة راتب بنسبة 5٪ العام المقبل، ماذا سيكون راتبه السنوي الجديد؟” الرياضيات النسوية سوف تغير “إطفائي” إلى “إطفائية” (أو ربما “شخص إطفاء”)، بل وتغير اسم “بوب” لـ”باربارا”. وتغير أيضا “لاري” لـ”ليندا”. أنا لا أختلق هذه الأمور. لست مستهزئا. بل أنقل بالحرف. أوه لا. لقد حان الوقت لإعادة النظر في جميع المعارف التي تكتلت في الرياضيات طوال أكثر من ألفيات أربع، بما أن البديهيات الرياضية “الجنسوية” قد تم هدمها. السير إسحاق نيوتن، حان الوقت لتحديث دليلك في الكالكولاس. فأنت جنسوي يا سيدي. كيهودي لبناني، أتساءل عما إذا كان بإمكاني تطوير فرع جديد من الرياضيات يتحدث عن هويتي العرقية. “إبراهيم محاسب يكسب 40000 $ في السنة. نصحه رئيسه موردخاي روزنبرغ بأن راتبه سيرتفع بنسبة 5٪”…

غير راضية على أنها “حررت” الرياضيات من أغلالها “الجنسوية”، فقد نوّرتنا النسويات الأكاديميات عن الخصائص الجنسوية للـدنا DNA. تحديداً، فالبيو-كيمياء النسوية تقترح أن الـدنا هو أداة للهيمنة الذكورة كما يتضح من سرد “الجزيء السيد” خاصته (1996,McElroy). لطيف! يمكنني أن أوفر لكم أمثلة أخرى لا تحصى من “المساهمات العلمية” الناشئة من المنظرات النسويات ولكني أفتراض أنكم حصلتم على الفكرة العامة.

(4) الحركة النسائية خلقت بلبلة بشأن الديناميات الجائزة بين الجنسين. فالرجال والنساء لم يعودوا يثقون بغرائزهم الداروينية؛، فبدلاً منها يسعون للانضمام إلى القواعد الجديدة “النسوية” للسلوك البين-جنسي، لأنهم يخشون للغاية من اتهامهم بأنهم “خنازير جنس” أو “أدوات للنظام الأبوي”. انظر لإدراجاتي السابقة بشأن الجنسوية الخيرة هنـا وهنـا، لأنها تتعلق لحد كبير بهذه النقطة. هل يحق لي أن أمتدح زميلتي حول ملابسها الجميلة أو سيكون هذا تحرشاً؟ هل تستطيع أن تمتدح كم أبدو لماحاً في بدلتي الجديدة أو انها ستكون مشيّئة لي كلحم-رجل؟ وبالتالي، فمعظم الأفراد يشقون  الآن طريقهم بحذر شديد في ديناميات حياتهم اليومية لأنهم يشعرون بالخوف الشديد من احتمال اتخاذ “زلة اجتماعية” تحظرها الروحية النسوية.

لكي أختصر، دعونا نُشيد بالحركة النسائية لمساهمتها في جعل مجتمعاتنا أكثر انصافا وعدلا، وأقل جنسوية (رغم أن ثم مزيداً من العمل). ومع ذلك، دعونا نقضي على الهراء الذي صدر من قبل الغالبية العظمى من المنظّرات النسويات.