"إصرار الذاكرة" لسلفادور دالي، في صيغة آل سمبسون

د. جاد سعد

كنت قد كتبت عن الحكاية الشخصية التالية في مكان آخر (Saad, 2004) ولكنها تستحق التكرار هنا. قبل عدة سنوات، خرجت أنا وزوجتي لعشاء احتفالي مع أحد طلابي في الدكتوراه وإحدى صديقاته. كانت الصديقة المشار إليها مابعد-حداثية ملتزمة وأكاديمية نسوية شديدة. عند نقطة ما خلال عشائنا، سألتها بلطف ما إذا كانت تعتقد فعلاً بالمبدأ المابعد-حداثي التأسيسي أنه لا توجد حقائق كلية. للقارئ اللماح أن يلاحظ المشكلة المنطقية هنا، لأن هذا المبدأ الأخير نفسه يفسر على أنه حقيقة كلية! منحيّة هذا اللغز المحرج جانباً، ردت بكل تأكد أنه بالفعل كل المعارف نسبية. بالتأكيد، رددت بأن لا بد من وجود بعض الكليات، وإلا فالسعي وراء الحقائق العلمية ليس سوى وهم مطلق. على أمل أن أكون أكثر تحديداً، اقترحتُ تزويدها بأمثلة من الكليات ومن ثم يمكن لها أن تفسر لي كيف كنتُ مضللاً.

لقد بدأت مع حقيقة تافهة بعض الشيء أو هكذا اعتقدت. سألتها عما إذا كانت حقيقة كلية أنه ضمن الجنس البشري وحدهن النساء يحملن الأطفال. بالتأكيد فهذه حقيقة مطلقة، أم لا؟ بعد تقليب عينيها باشمئزاز تام، واتخاذ بعض تكشيرات ونفثات، فأجابت أنها استغربت كم كان مثالي جنسوياً sexist. عند هذه النقطة، طالبي في الدكتوراه، زوجتي، وأنا كنا في حيرة حقاً. فقد أوضحت النسوية أنه في السرد الروحي لمجموعة معينة من الشعب الياباني، فالرجال هم الذين يحملون الأطفال! ومن ثم، عن طريق تقييدي المتعمد لحمل الأطفال بالعالم الفيزيائي/البيولوجي، فقد كنت جنسوياً. بالتأكيد، في المجال البيولوجي، فإن المرأة هي التي تحمل وتلد، ولكن في الساحة الروحية، فمن المعقول تماماً للرجال أن يحملوا بالأطفال. مع أني كنت على علم تام بالثرثرة اللامعنوية للمابعد-حداثيين، لا بد لي من الاعتراف بأن هذا مستوى جديد من التفكير الوهمي. استجمعت نفسي وقررت تقديم مثال واحد إضافي ونهائي.

بدأت بالقول أنه ربما كان مثالي الأول “مثيراً للجدل” جداً لأنه تناول الفروق بين الجنسين. وفقا لذلك، فأود أن أوفر مثالاً “حميداً” أكثر، ربما يكون أسهل لها أن تهضمه. سألتها عما إذا كانت حقاً حقيقة كلية في أي جهة نظر على وجه الأرض، أن الشمس تشرق في الشرق، وتغرب في الغرب. بالتأكيد، فالبحارة اعتمدوا منذ زمن سحيق على هذه الحقيقة الكونية. خذ دقيقة للتفكير في الكيفية التي يمكن أن ردت بها في هذه الحالة. هنا تلميح: انها تستخدم أدوات التفكيكية لكي “تندف بعيداً” آخر كلّياتي. فالتفكيكية تزعم إن الواقع هو خلق لغوي. وبالتالي، ليس هناك حقيقة موضوعية لنتحدث عنها، لأن كل المعلومات تقيد داخل حدود لغوية ذاتية. اقترحت أولاً أني كنت أضع علامات على الأشياء، ورفضت أن تلعب ألعاباً كهذه. فهي لم تعرف ماذا قصدتُ بـ”الشرق” أو “الغرب”. كانت هذه تسميات اعتباطية. ما الذي عنيتُه بـ”الشمس”؟ ما أدعوه الشمس، قد تشير له على أنه “ضبع راقص” (بكلماتها الفعلية!) ، وهذا ما رددت عليه بامتعاض: أوكي، الضبع الراقص يشرق في الشرق، ويغرب في الغرب. وأفضل من ذلك، فالضبع الراقص يعطيني حروق ضبع راقص على بطني السمينة إذا اضطجعت وقتاً طويلاً دون أي حماية من الضبع الراقص!

لو كنت تعتقد أن هذا حادث معزول لا يمثل المابعد-حداثيين، النسويات الأكاديميات، أو التفكيكيين، فأنت على خطأ. فقد قضت هذه الحركات المناهضة للعلم الجزءَ الأكبر من العقود الأربعة الماضية في تلويث العقول، ليس للأكاديميين اللامعين فقط ولكن أيضاً لأجيال من الطلاب الذين كانوا خلاف ذلك معجبين بالغموض المتعمد والعمق الوهمي لهؤلاء المشعوذين الفكريين. تمكنت الجهود المتضافرة التي بذلها علماء معتبرون من بقر تأثير الحركات المناهضة للعلم في الجامعات. على سبيل المثال، قدم الفيزيائي ألان سوكال عمداً ورقة مابعد-حداثية بلا معنى تتضمن مقاطع ولّدت بعشوائية زائفة إلى Social Text، إحدى مجلات النخبة في هذا المجال. بعد أن قبلته، اعترف سوكال بحيلته رغم أن هذا لم يبدو محرجاً للمحررين. بعد كل شيء، لأن كل المعاني نسبية، فالمحررون فسروا ورقة مولدة عشوائياً وبلا معنى على أنها ذات معنى!

هذه الحركات المناهضة للعلم إلى جانب النسبية الثقافية، والصوابية السياسية، وروح التأنيب الذاتي فيما يخص جميع الحقائق الجيو-سياسية تبرهن على زوال الحضارة الغربية. إن ثرثرة كهذه تسببت في تقديم جميع وسائل الإعلام الأمريكية تقريباً لتوضيحات هلوسية بخصوص حادث تايمز سكوير الأخير، تتضمن أن الإرهابي المزعوم فعل هذا لانه تخلف عن دفع رهنه العقاري، وبالتالي كان يواجه ضغوطاً مالية كبيرة. كل من الوسائط ومسؤولي أوباما هم تحت مرسوم صارم لتجنب النطق بالحقائق الجيو-سياسية الأكثر وضوحا. وهذه الحركات اللامعنوية شبه-الفكرية سوف تعلن نهاية الديمقراطيات الليبرالية إذا لم تُستأصل من الخطاب العام.