• شخصيتك الحالية هى نتاج الذاكرة , والذاكرة هى ناتج تراكم المعلومات والمعارف , وكل معارفك الآن هى نتاج كل تجاربك الشخصية السابقة , ويشمل ذلك (تربيتك فى الطفولة , وعادات وتقاليد مجتمعك , كل كتاب قرأته , كل موقف مررت به , وكل كلمة سمعتها سواء فى راديو أو تلفاز .
  • بمعنى آخر .. أنت لست حراً فعلياً .. ردود فعلك أياً كانت مُقيدة بمخزون تجاربك السابقة .. وبالتالى شخصية الإنسان ليست فقط مُقيدة وإنما أيضاً محدودة جداً , فأنت لم تطّلع إلا على بعض فروع من العلم ولم تخض إلا تجارب قليلة جداً .. هذه المحدودية والتقييد تُنتج كل ردود أفعالك و آرائك و اعتقاداتك أياً كانت .
  • إذن بعد هذه التوطأة أُحب أن أضع إشكالية أمام القاريء وهى : عند النظر والبحث والنقد فى الدين .. هل نكتفى ببحث الأصول والثوابت التي تُمثّل دليلاً على صدق هذا النبي .. كصدق حدوث المعجزات وصدق نسبة السنة أو الحديث الى النبي ثم بعد ذلك أُسلّم نفسي وعقلي وروحي ووجداني كاملاً لهذا الدين يُسيّرنى بنصوصه؟! .. بمعنى آخر : هل أعمل بالقول المشهور لابن القيّم “العقل سلطان ولّى الرسول ثم عزل نفسه” وقول آخر مشهور “يكفيك من العقل أن يُعرفك صدق الرسول” .
  • أم لا أتخذ طرق ثبوت الأصول وجهة أساسية للبحث النقدي و أتجه فعلياً وواقعياً الى النقد والنظر فى منظومة القيم (مجموع من يأتى به الدين من الأخلاق والأوامر والنواهي والمقاصد والغايات) التى أتى بها هذا الدين و أضعها فى ميزان العقل و أتسآئل .. هل منظومة القيم هذه تساعد على نشر السلام فى العالم والتخلص من مشاكلنا ورفع المعاناة عن مجموع البشر وإنهاء واقع العبودية الذى تمر به البشرية .. هل تقول بالعنصرية , هل تقول بالطائفية , هل هل هل ؟؟
  • قد يسأل القاريء ويقول : لماذا لا أبحث المجالين معاً؟
  • فأقول له : إذا كنت مهتماً بمناقشة الأصول وطرق الثبوت .. فانك حينئذ لن تلتفت إطلاقاً لمنظومة القيم التى يتبنّاها هذا الدين .. فانك لديك اعتقاد سابق بأنه إن ثَبَتَت أصول هذا الدين فهى من إله كامل الحكمة .. وبالتالى أى شيء يأمرنا به فهو أفضل فعل أو تصرف فى هذا الموقف .. ويجب عليَّ طاعته حتى و إن كنت نفسياً أو داخلياً أخالفه ولو قليلاً! .. لأننى شخص بعقل ناقص فكيف أرفض أمراً (أياً كان مضمونه) يأتى من عقل كامل؟! .. إذن فلا حاجة لنا فى نقد المبحثين فى آنٍ واحد ..
  • إذن لماذا نُقدّم هذا الأمر كإشكالية؟! ..
  • الجواب : احتمالية أن يكون استنتاجك عن صحة ثبوت الأصول , تحتمل أن تكون خطأ وبالتالى أنت تُعرّض نفسك لمخاطرة كبيرة جداً .. فى التسليم والإنقياد الكامل لمنظومة من القيم قد تكون فاسدة ولا تُنتج لنا إلا مزيداً من المشاكل .. هذا التسليم والإنقياد جدُّ خطير .. أن لا تُعمل عقلك فى طبيعة الأمر أو النهي وتحاول أن تُقيّمه , بل تكتفي فقط بصحة ثبوته .. عبودية النص هذه قد تُنتج أشكالاً مختلفة من الرؤى لاختلاف فهم النص بين شخص وآخر .. وكل هذه الرؤى أيا كان مضمونها لا تسمح لك بنقد منظومة القيم التى تبعثها ما دامت قد ثبت لك صحة النص الذى يأمر بها .. فتخيل مدى الضرر الذى قد تنتجه فكرة كهذه على جماعة كبيرة من البشر ..
  • أفترض مثلاً أن منظومة قيم هذا الدين تأمرك بأن تقبل عبودية الإنسان كفكرة مقبولة أخلاقياً .. إفترض أنها تأمرك بقتل المخالف أياً كان رأيه .. إفترض أنها تأمرك بسرقة أمواله وسبي نساءه .. أنها تأمرك بالحد من حريات البشر , هناك عدد لا نهائي من الأحتمالات .. وباختلاف النصوص واختلاف الفهم لها .. فأنت تنتج عدد كبير من منظومات القيم التي لن يُسمح لك بتوجيه التفكير النقدى إليها .. فقط لمجرد أن معتنقها يظن أن طرق ثبوتها صحيحة !
  • إذن فقد يقول القاريء : فلأهتم بالبحث والنقد والنظر فى منظومة القيم التى أتى بها هذا الدين بعيداً عن صحة ثبوت أصوله ..
  • فأقول : هنا أستدعي التوطأه التى قرأتها سابقاً فى تأثير المجتمع والخبرات السابقة على أرائك وردود فعلك , وبعد أن تقرأها مرة ثانية ..
  • أقول : لماذا لا تفترض أن منظمة القيم التى اتخذتها كمرجعية فى الحكم على منظومة القيم المخالفة هى الخاطئة فى الأصل ؟! .. فمنظومة قيمك الخاطئة جعلتك من واقعها ترفض منظومة القيم الجديدة الصحيحة ..
  • افترض أنك نشأت فى بيئة نازية ومنظومة القيم النازية هى التى شكلت وعيك وقيمك وآرائك وأخلاقك .. ثم عُرضت عليك منظومة القيم الأمريكية مثلا .. ماذا سيكون رد فعلك ؟ .. فى الغالبية الساحقة من الحالات سترفض هذه المنظومة وتدافع عن قيمك بشراسة بالغة قد تصل أحياناً الى الموت من أجلها ..
  • أطلب منك أن تفترض العكس .. أن تفترض أنك نشأت فى أمريكا وعُرضت عليك القيم النازية .. سيحدث لك بالظبط مثل ما يحدث للآخر .. سترفضها رفضاً قاطعاً .. وقد تقدم نفسك للموت من أجل قيمك التي تربيت عليها
  • كذلك الأمر بالنسبة للأديان .. فأنت ستدافع عن المسيحية إذا نشأت فى بيئتها المسيطرة بنفس استماتتك فى دفاعك عن دينك الإسلامي الآن
  • إذن اختلاف البيئة يؤثر على القرار وعلى رودود الأفعال ..
  • اكتب هذه المقالة في محاولة لحل هذه الإشكالية .