مؤخراً و مع أكثر من صديق و صديقة حدث جدل و شد و جذب في إطار الحديث عن الجيش المصري ، انا مصر على حقيقة واضحة هي ان عدونا اليتيم إسرائيل لو خضنا حرب ضدها فسنهزم ليس في 48 ساعة كما حدث بين 5-7 يونيو 1967 بل سنهزم في خلال 3 ساعات ، المسألة بسيطة و تمتد أكثر من مجرد قتال إلى مدى لقدرتنا على إستعادة سيناء لو تم إحتلالها (مع تسليمي بأن إسرائيل لم ترغب يوماً في إحتلال سيناء المصرية و ضمها لها منذ 1949 إلى اليوم) فبينما إستطعنا القيام بحرب محدودة في 6 اكتوبر 1973 لتكن لنا مبرر للتفاوض (مع حيرتي كيف كانوا يفكرون في حرب أكتوبر و كيف إعتبروها صالحة تفاوض من مركز القوة من أقنعهم بهذا)  لأي أظن ان قدرتنا على شن أي حرب عبارة عن صفر كبير طالما ضد إسرائيل..
..
قصة الجيش مع السلاح الأمريكي:
* تبدأ القصة في عام 1975 حين قرر السادات أن يحول مصر من التسليح و الحلف الشرقي لنظيره الغربي بادئاً بالأهم من وجهة نظر الأمريكيين الجيش ، في هذا العام 1975  بدأ سياسة (تنويع مصادر التسليح) و المقصود بها إلقاء السلاح السوفيتي للمخازن (أو لأماكن أخرى) و شراء سلاح آخر غربي تحت بند التنويع و بين العامين 1975 و 1979 كان التركيز على تبديل سلاح الجو المصري بطائرات امريكية بديلة عن السوفيتية لضمان خضوع أهم أسلحته للنفوذ الامريكي مع تنازلات فجة من السادات دفعته مثلاً لقبول عدم توريد طائرات مقاتلة هجومية متقدمة من طراز F-5A لمصر امريكياً بديلاً عن نظيرتها السوفيتية MIG-23 التي منحها لنا السوفييت عام 1975 (رسمياً) و منحنا نسختين منها للأمريكان و كل هذا تحت شعار عدم إعاقة السلام (الذي لم نكن أصلا قد بدأنا التفاوض حوله) -!- و مواقف اخرى مشابهة .

* مع العام 1979 إلى 1989 و بحقائق إتفاقية السلام تم تحويل تسليح الجيش المصري إلى الجانب الأمريكي في عدة أسلحة كالدبابات في أكثرها مثلا و الدفاع الجوي في بعض منه (إلى اليوم أهم وسائل الدفاع الجوي بمصر من طرز روسية  أظنها سام-9)  و أستكمل تحويل الطيران للجانب المريكي كاملاً في قوته الضاربة لتتحول سريعاً تدريبات و ثقافة و معدات الجيش بمختلف فروعه إلى الجانب الأمريكي متحولاً بهذا من جيش جاهز للقتال في أي لحظة ضد إسرائيل مثلاً إلى بلد مشلول امام أي عمل عسكري ضد الدولة العبرية بحكم نوعية التسليح الأمريكي الذي سيغلق فوراً لو حدث الأمر بل المهم أن إسرائيل شخصياً تتدخل في تحديد نوع و كم السلاح المصري كضمان نهائي لخضوع العسكرية المصرية لها في إطار التعهد الامريكي لها بالحماية و الدعم و ضمان التفوق المطلق على كل الجيران في ولاية جونسون و ذلك عكس الموقف في جيوش اخرى كالسوري و الإيراني (مما يفسر الكثيرمما يحدث بسوريا اليوم) .

* مع عام 1989 إنضمت مصر لمنظمة MNNA أو Major non NATO ally و هي منظمة تابعة للناتو تشمل مصر و إسرائيل و الأردن معاً -!!- و دول اخرى تمنحهم مزايا الحصول على فائض السلاح الامريكي و الدخول كمشارك في بحوث البنتاجون و بعض التكنولوجيا الحديثة وحق الحصول على قذائف اليورانيوم المنضب و هو مالم يحدث أبداً مع مصر بالاضافة إلى (قروض عسكرية اخرى) و تدريبات مشتركة أما المقابل فهو (كما أراه في تحليلي الشخصي) ألا يتم إستبدال سلاح غربي بشرقي أو إستبدال سلاح شرقي بشرقي بل دوماً التبديل لصالح سلاح غربي و لعل نموذج تغيير غواصتين من طراز روميو الصيني إلى طراز 206 الألماني (ناتو) خير مثال و لذا مع عام 1989 تم التحول النهائي للسلاح الغربي مع بقاء إستثناءات تخص الدفاع الجوي بشكل أساسي كصواريخ (سام-9) و الشيلكا ZSU-23-4 الروسية (تعاقد 2005) و غيرها.

* كان فائض السلاح السوفيتي بمصر له طريقين ، الأول منحة لأمريكا عبر السادات من احدث طائرات السوفييت و صواريخهم الدفاعية (ميج23 و سام6 و غيرها) كهدية بلا مقابل لكشف أسرار أسلحة السوفييت و معها كشف كل السلاح الحديث بجيوش العراق و سوريا و الجزائر أمام الغرب -!!- أما الثاني فهو البيع إذ مارست وزارة الدفاع عبر وزارة أبو غزالة بتوجيهات رئاسية بيع السلاح  للعراق بأضعاف الثمن أثناء حربها مع إيران و إلى (المجاهدين) في أفغانستان تحت شعار مكافحة الشيوعية كبائع سلاح مثل غيرها ، ووسط هذا حالات مؤسفة من الرشاوى و العمولات ساهمت في فوحان لرائحة سيئة إنتهت عام 1989 مع نهاية حرب إيران و العراق و نهاية وزارة أبو غزالة الذي كان ملف وزارته في بيع السلاح مع أسباب اخرى سبب لخلعه من الوزارة بتشجيع امريكي و تخوف من وزير ربما لديه ميول ما اكبر من خطوط قيادته السياسية.

الجيش و أمريكا:
بمقتضى ما سبق نخرج بنتيجة هي أن الجيش المصري لا يمكنه أن يتخذ موقفاً سياسياً أو عسكرياً ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت بحكم ما سبق تمسك بمفاتيح تسليح و تدريب و تطوير و صيانة اهم معدات الجيش هي و دول الناتو و كذلك بناء على ما حدث بسوريا باتت قادرة على قلب الدولة -أي دولة- إن أرادت و تحويلها لحالة الحرب الداخلية ، الجيش كمؤسسة وطنية أذكى بكثير من أن يقع بهذا الأمر ربما يرفض الجيش شئ كبير كاتدخل العسكري ببلد آخر (ليبيا مثلا و سوريا) و ربما يقبل لو أراد لكنه بشكل أساسي في نقطة (الفعل) لن يفعل ما ترفضه ا|لإدارة الأمريكية أما لو كانت إدارته الرسمية المصرية تأمره فبفعل الالتزام العسكري سيقوم به حتى لو كان مرفوضاً أمريكياً فهو جيش وطني لا يتبع أحد لكن مقيد بالقرار الامريكي ، نموذج الجيش الايراني بعهد الشاة ماثل و كيف تحول إلى جيش يتلقى التعليمات مباشرة من السفارة الامريكية في فترة ما بين رحيل الشاة ووصول الخميني و كذلك فترة حكم المجلس العسكري بمصر و هي بينة في مدى الالتزام الكامل بالقرار الامريكي في مسألة (الفعل) مع قدرة الجيش على رفض قرارات صعبة كالتدخل في ليبيا مثلاً ، نخرج من هذا إلى أننا امام جيش وطني واقع تحت قيود لم يصنعها بنفسه.

هل مصر تقدر على هزيمة إسرائيل بحرب كلاسيكية:
هذه النقطة تثير جنون كل ضباط الجيش المصري و غضب كل المخلصين المتحمسين لكن أطرح الأمر كالتالي:
*  إقتصادياً مصر لا تتحمل نفقات و خسائر و ربما حصار بحري في حالة حرب.
* عسكرياً لن نجد دولة واحدة غربية تمنحنا سلاح نقاتل به إسرائيل أبداً مهما حدث.
* خسائرنا من القطع الحربية من سيعوضنا عنها بجسر جوي أمريكا أم دول الناتو لنقاتل ضد إسرائيل.
* أمريكا التي تمسك عمودنا الفقري العسكري ملتزمة منذ 1965 بضمان تفوق إسرائيل العسكري على كل الجيران العرب.
* الجيش المصري سيقاتل بسلاح خليط بين قطع روسية عتيقة و قطع غربية أقل تقدماً من القطع الاسرائيلية.
لو إفترضنا ان كل هذا لم يؤثر و إقتربت مصر من تل أبيب نفسها فلن يجد الجيش أثناء العودة القاهرة التي غادرها..أبداً.
إذن النتيجة؟…خسارة الجيش المصري في النهاية فالأمر ليس كالماضي حينما نخوض حرب فنجد قطب دولي هائل يدعمنا سياسياً و يصنع جسر تسليح و إمدادات هائل و دول اخرى ترسل لنا دبابات و طائرات بل و ربما كتائب بجنودها الكاملين اليوم لا وجود للسوفييت بل الامريكان فقط و هم وحدهم من يمنحنا و يعطي الاذن لدول الناتو بمنحنا فحرب نخوضها منفردين بسلاح محدود متاخر التقنية و بلا مساعدات و بإقتصاد مخنوق هل ننتصر بها؟

الجيش و الاخوان بالعهد الحالي:
لو إفترضنا أن الجيش قرر القيام بإنقلاب على الاخوان هل يقدر ، في ظني لا فالجيش مقيد هنا في (الفعل) بالقرار الامريكي بفعل ما أسلفنا فلن يفعل بدون موافقة و لو طلب منه الامريكان الانقلاب ووافق هوى لديهم سيمقلبون عكس لو كانوا يرفضون فلن يفعلوها ، الموقف العسكري من الاخوان بغض النظر عن حقيقته لن يتحول لفعل أبداً لو كان يعارض الإتجاة الامريكي و الحالة الوحيدة اليتيمة التي ممكن حدوث الامر فيها لو قرر الجيش تغيير شامل لواقعه التسليحي و تحالفه الاقليمي تماماً ليعودوا لما قبل 1973 نفسها ، الجيش و الاخوان لا يمكن حساب الموقف معهما و بينهما دون تحديد الموقف من الطرف الامريكي فالعكس بالعكس و لن يجرؤ الاخوان على (فعل) داخلي بما يشمل تغيير وزير الدفاع (قيادات الجيش الممول أمريكيا و المسلح امريكيا لا بد من موافقة امريكية على قياداتها الجديدة بالذات لو بجوار اسرائيل و هذه قاعدة صريحة) دون موافقة امريكية فكما الطرف العسكري مقيد الطرف السياسي مكبل ، امريكا لديها نفوذ مهول داخل مصر و هذا النفوذ قيد للعسكريين و تكبيل للسياسيين.

هل الجيش في النهاية لديه أسلحة سرية:
كل جيوش العالم لديها برامج تسليح خاصة بما فيها الجيش المصري لكن علينا التفريق بين ثلاثة أشياء:
*برامج تطوير سلاح حالي مصنوع من بلد أجنبي.
*برامج تطوير سلاح محلي مصنوع بالجيش الوطني.
*برامج مشتركة مع دول أخرى لسلاح مشترك.

أولاً: تطوير السلاح او تعديله بمصر (مع إستبعاد سلاح الناتو التابع لمنظومة حماية إسرائيل من جيرانها)  قاصر على نماذج السلاح السوفيتي القديم حسب علمي فهو سلاح متهالك يتم تحديثه بروسيا أو مصر و التعديل و الصيانة عملياً لن تخلق سلاح جديد هي في أحسن الأحوال ستقوم بجعله يعمل بشكل جيد مع بقاء صفاته الاصلية و لدينا نماذج ترقية الدبابة T-62 (آخر ترقية 2004) و T-55 (آخر ترقية 1997) و الدبابة رمسيس2 التي هي تطوير (امريكي) للدبابة T-54 و البرمائية BRDM-2 (آخر ترقية بولندا 2001) و بكل أسف هذه النماذج و غيرها عمليا لا تصنع دبابة جديدة بل كما أسلفنا تحديث يواكب التغير العصري و يبقي قدرات الدبابة موازية للعصر دون ان تكون تغيير يجعلها بالفعل سلاح جديد كما نتصور.

ثانياً: السلاح المحلي المصنوع بمصر حسب معلوماتي قاصر بشدة فالسلاح المصري الخالص يكاد يكون محدد بعربة المشاة القتالية الخفيفة EIFV المزودة أصلا ببرج الدبابة الأمريكية M2 برادلي و كذلك ناقلة الجنود المدرعة فهد 240 و عربة القتال المدرعة فهد 280-240 و طائرة القادر بدون طيار خلاف هذا لم يتم محلياً ، المشكلة ان تصور وجود أسلحة سرية يتناقض مع حقائق بسيطة في عالم السلاح أهمها ضرورة توفر التكنولوجيا و التمويل ثم الاهم تجربة السلاح و هذه المسألة تكفي لإشهار وجود السلاح تماماً كما حدث مع خطوط دبابات ذو الفقار مثلاً بإيران و طائرات القاهر313 و hesa shafaq  أيضاً بإيران فإفتراض وجود سلاح محلي مصري خالص يجعلني أسأل أين تم اختباره و لماذا لم يرصد و يعلن فوراً و الاهم ما هذا السلاح الذي لا يتم اشراكه بمشاريع الجيش و مناوراته ثم ينتظر وقت الحرب استخدامه بكفاءة؟

ثالتاً: يمكن القول بتعدد خطوط الصناعة المشتركة لكن سأستثني الصناعات مع دول الناتو (للأسباب السابقة) و اوضح نوعية السلاح المشترك مع دول اخرى لا تخضع لنفوذ امريكي ، هنا لدينا طائرة ASN209 مع الصين بدون طيار و طائرة تدريب مع البرازيل EMB312 و طائرة التدريب مع الصين  HONGDU JL-8 ، إبان فترة وزارة أبو غزالة للوزارة بمصر تمت خطوط تطوير صناعات صواريخ مع دول عديدة لكن توقفت و هي بحد ذاتها لا تكفي مع كل التحديث المحلي لاعتباره هذا السلاح السري الخطير و خصوصاً لو نظرنا لمدى صواريخ مصر و مدى صواريخ إسرائيل و الصواريخ محور التطوير السابق ذكره و بمعنى آخر إن أفضل ثمرة للتعاون المشترك و التي عرفت حينما تمت تجربتها لا تصل لنصف مده ما تملكه إسرائيل اليوم بكل أسف و هو تطبيق امريكي وقح لتعهد 1965 السابق ذكره.

كلمة اخيرة:
الجيش الجزائري بالنسبة لي نموذج واضح للجيش الذي يفصل بين المحور السياسي و ضرورات الجيش ، الجزائر حليف لفرنسا و امريكا علناً منذ التسعينيات و مع هذا لم يبدل سلاحه للسلاح الشرقي لمريكي ، كل طائراته تقريباً روسية و شرقية و يتم تطويرها و نشر خبراء روس بالبلاد و قليل من السلاح الجوي الجزائري أمريكي او فرنسي ، الجيش الجزائري رسخ فكرة السلاح الشرقي كضمان لعدم إنقلاب غربي عليه و فر من مصير الجيش المصري ، حتى دباباته أيضاً ظلت روسية و تعاقدات حديثة مع الروس و ربما السلاح البحري يتم تحديثه من المانيا لكن مع بقاء سفن الروس و تحديثها و تعاقدات مع روسيا ، نظرة لهذه الدولة التي إنتقلت من الشرق للغرب بعد قرابة الربع قرن تعطي الفكرة فالجيش لن يتحول لفرق عسكرية ممولة امريكياً بل بقى بوضعه الاصلي و لم يحمل الدولة عشرات المليارات فارق شراء سلاح امريكي بدلاً من الشرقي بلا سبب او فائدة ، مقارنة بين وضعي الجيشين و حريتهما بالحركة تجعلني آسف على جيشنا الوطني.
..
بالنهاية..
مخاوفي حول الجيش المصري تشمل مساره السياسي و قراره العسكري و قيود الجيش الامريكي و الدولة الامريكية عليه ثم ضعف سلاحه بجوار ضعف اقتصاد مصر وقت الحرب فإن مخاوفي كاملة محققة حتمية الحدوث و إلى أن يثبت الجيش المصري أنه ذو قدرات أعلى فإن هذا موقفي و تلك مخاوفي..