هناك تقنية في مونتاج وإخراج أفلام السينما، تدعى المونتاج المتقاطع أو المونتاج المتوازي، وهي الانتقال بين مشهدين لهما علاقة ببعضهما البعض، كي يتم توظيف رابط ما خفي أو ظاهر بين المشهدين، وربما من أشهر تطبيقاتها كان أحد مشاهد فيلم “الأب الروحي”..حين كان مايكل كوروليوني زعيم العصابة، يردد خلف القس في الكنيسة بعض المقاطع الدينية، بينما تنتقل الكاميرا لتصور رجاله وهم يقتلون رجلا وزوجته، ثم تعود الكاميرا لمايكل وهو يردد: أنكر رجس الشيطان..وأرفض جميع أفعاله!

وقد جرت المشاهد التالية على مدار يومين اثنين، وبدت لي –تطبيقيا- أقرب ما تكون لحالة مونتاج متقاطع كونية..

(1)

في بقعة نائية من أطراف القاهرة، وقفت سيدتان في عصر يوم حار، ترفعان استمارات “تمرد” وسط الطريق بينما إلى جوارهما ثلاث سيارات، اختار أصحابها أن يوقعوا على استمارات التمرد، كلُ على “كبوت” سيارته.

طال نظري إليهما، لدرجة أن سائق التاكسي أوقف السيارة ثم سألني:

-إنت إخوان؟

-بتسأل ليه يا اسطي؟

-والمصحف لو إخوان لأنزلك من التاكسي!

-لا مش إخوان

-والمصحف كمان مرة لو إخوان لأنزلك من التاكسي.

-يا عم والمصحف مش إخوان!

***

ربما لا يصدق الإخوان أن هناك كراهية شعبية متنامية ضدهم، هم توحدوا مع أنفسهم وتقوقعوا في أسرهم وشعبهم ومكاتبهم ومقارهم، وفسططوا العالم إلى فسطاطين..(الإخوان) و(جبهة الخراب). أو بالأحرى هم على مذهب جورج بن بوش (من ليس معنا فهو علينا).

الجماعة بأكلمها تقريبا واقعة في إسار حالة بارنويا متقدمة..وتؤمن أن ثمة مؤامرة كبيرة تحاك ضدها.

يطمئن الإخوان لروايتهم الذاتية عما يجري في البلد، ويعتمدون تصورا ما عن شؤون مصر الجارية وفقا لما تنشره وسائل الإعلام المملوكة للجماعة، ويعتبرون ما سوى ذلك الفري المبين.

الصورة التي ينقلها الإخوان لأنفسهم هي نفس الصورة التي اختار صفوت الشريف وإبراهيم نافع وإبراهيم سعدة وسمير رجب، أن ينقلوها لمبارك، واختار مبارك أن يصدقها..هكذا كانت الصفقة بين الطرفين.

وهذا ما يدعى في السياسة وعلم النفس “حالة إنكار”.

***

(2)

-(ألو..لا لا مش هتعامل معكم مرة تانية..سمعت إن رئيس الجمعية إخوان..وأنا مش هدفع فلوسي في حتة مش عارفة هي بتصب فين في الآخر..لا لا..لو سمحتي..أنا مش هدفع فلوسي وأنا شاكة..شكرا شكرا..مع السلامة)..

مقطع من مكالمة هاتفية أجرتها زميلة عمل بجواري قبل  أيام من الآن.

***

(3)

“عايزين إخوان من الصين..إخواننا مع**ين”..مقطع من أغنية شعبية حديثة، تم رفعها على موقع يوتيوب من قلب فرح في محافظة دمياط، اختار الحاضرون فيه أن تكون أمسية الزفاف: هجائية موسيقية في الإخوان، يتخللها ألفاظ خارجة، وإسقاطات كوميدية.

لاحظ أن المطرب، لديه علامة صلاة على جبهته من أثر السجود!

***

(4)

صديق سكندري، يحكي لي عن سائق الميكروباص الذي أجبر سيدة منتقبة وأبنائها على النزول من ميكروباصه لأنهم “إخوان”!

***

(5)

يدون ملتحون سلفيون، على مواقع التواصل الاجتماعي، المشاكل اليومية التي تقابلهم بسبب لحاهم وبسبب الاعتقاد العام أن الإسلاميين –جميعا- يناصرون مرسي.

أحدهم يقول أن سائقي الميكروباصات لا يسمحون له بالركوب..”خللي مرسي يركبك يا شيخ!”…وآخر يحكي عن الضغوط النفسية التي يمارسها ضده السائقون في طوابير البنزين ..”ما تتصل بمرسي تخليه يفول لك يا شيخ!”

***

الخلاف السياسي مع الإخوان، يتحول لشقاق شعبي، تتبلور ملامحه يوما بعد يوم. الموضوع ابتدأ بقوائم تدعو لمقاطعة الشراء من محال مملوكة لأفراد من الإخوان ( أو يُزعم ذلك)، بعدما كان إصدار مثل هذه القوائم من اختصاص الإخوان أنفسهم ضد المحال الأمريكية أو تلك المناصرة والممولة لإسرائيل!

ثم تطور لحالة رفض شعبي ربما غير مسبوق ضد الإخوان، فعلى مدار أقل من عام على حكم الإخوان تحول انتقاد الإخوان من مجرد اختصاص سياسي تمارسه فصائل اليسار والقوى الليبرالية، إلى قناعة شعبية عامة.

بل والطريف أنه تم صك ملامح عامة للشخصية الإخوانية في الوجدان الشعبي : “الإخواني كذوب ومراوغ ونفعي ووصولي وتسلقي”. وهو تنويعات يمكن استجلاؤها عبر أي حديث عابر مع معظم المواطنين غير المنتمين لقوى سياسية بعينها، أو عبر تحليل النكات المنتشرة عن الإخوان.

لقد نجح الإخوان في أقل من عام من رسم وترسيخ صورة قبيحة وبغيضة عن جماعتهم وعن رئيسهم ومرشدهم، وما بين الرئيس والمرشد من “شاطر”.

وهذا كله بفضل رؤيتهم الذاتية للأمور وتدبرهم العصامي لشؤون الحكم والسياسة..لقد تهاووا سريعا بما يفوق قدرة أي عملية تشويه منظمة على النيل منهم.

***

(6)

“خان..يخون..إخوان”..أصادف الشعار الشهير الذي صكه أحد الظرفاء، مطبوعا بالـ”سبراي” على جدران مدرستين في محافظتين مختلفتين، فضلا عن كتابته على صناديق القمامة المعدنية!

الشعار غريب، ليس سليما لغويا، لكنه ربما أراد أن يتحدى الإخوان في نفس المربع الذي يقفون عليه (الدين، ومن ثم اللغة العربية).

***

إذا استمرت الأمور على هذا النحو، ستطور مفردة “إخوان” في الاستخدام الدارج، لحد اعتبارها مرادفا لكل مثلبة ونقصية..وإذا لم يفهم الإخوان –وهم في الأغلب لن يفهموا- خطورة المنزلق الذي يسكنونه، ستتحول النقمة الشعبية لدعاوى عنف واضطهاد وإقصاء.

قريبا سيتم رفع يافطات على المطاعم “ممنوع دخول الإخوان”..وقريبا جدا، سيقال : هذا إخواني فاقتله ولو تعلق بأستار الكعبة!

***

(7)

“خان..يخون..إخوان” جدار جديد يحمل الشعار، أطل عليه من نافذة المنزل، ويصلح لأن يصبح المشهد الختامي في رحلة المونتاج هذه.