إن كان لكل منَّا شبيهٌ بشرىّ فإن تلك السيدة تشبهنى إلى حدٍ بعيد… نفس الانطلاقة الأولى فى البدايات، نفس العند والمكابرة، يقولون عنا إننا قصيرو الذاكرة ونحترق مرات ومرات وها هى شبيهتى تحترق بنفس النار لكنها كالحديد تزيدها النيران صلابة..

أتيت باكرًا كعادتى واتخذت مكانى فوق زهور الجاردينيا التى تزين شرفتها وفى المقابل تجلس هى بدورها إلى مكتبها الأسود تخط نصيب الأمس من الكلمات والحكايا وأمامها فنجان قهوتها وترن فى البيت موسيقاها المفضلة لفيفالدى.. تكتب اليوم لأختها فى كندا عن الرجل الغريب الذى أجَّر الشقة المقابلة فى بنايتها الصغيرة، والذى منذ أتى من سبعة أشهر يدق أبوابها كل صباح يأتيها بالجرائد ثم يدقها بعد العصر ليشرب معها شايًا بالفانيليا، لم تكن تعرفه قبل مجيئه لكنه أصبح شرابها المفضل، ويدق الباب ثالثة قبل منتصف الليل بقليل فقط ليطمئن عليها ويلقى تحية “تصبحين على خير”..

قالت لى جدتى ذات مرة أن الفراشات الصغيرات حين يذهبن إلى المدرسة ويقرأن عن اللهب والنور والاحتراق، لا يَعين أنهن المقصودات، فيحترقن آلاف المرات.. جدتى نفسها احترقت آلاف المرات ولم تكن تعتبر، لكنها الحكمة كالموت تأتينا فى النهايات..

تذكرنى شبيهتى بكم المرات التى تزاوجتُ فيها وأخرجتُ للربيع ألوفًا من جنسى لم أتعرف عليهم بعد حين، وتذكرنى بكل مرة عشتُ فيها الوحدة بعد الزخم وفى كل مرة خرجت إلى الحدائق دون وجهة ودون هدف. هى تكتب كل يوم إلى أحد أبنائها أو إخوانها أو معارفها لكنها تكتب عنه للمرة الأولى.. جارها الجديد.. ربما لأنهم لم ينسوا بعد ذلك الحبيب الأخير الذى تحدَّت لأجله أبناءها واتفقا على الزواج ثم خضع هو لرفض أبنائه وهجرها، أو ذلك الآخر الذى تزوجته بالفعل ولم يعش معها أكثر من عامين ثم طلقها لأسباب لم يفصح عنها، أو ربما يتذكرون خطبتها لشاب يصغر عن أصغر أبنائها بعدة أشهر.

لم تبكِ من قبل أثناء كتابة خطاباتها لكنها الآن تفعل، لا لشىء إلا لأنها تقول الحقيقة، أرى كلامًا عن السن والوحدة والاحتياج والاهتمام والونس، وأنها لا تشتهى أكثر مما يقدمه الجار الجديد: ثلاث خبطات على الباب!

كنتُ أشعر اليوم ببعض الوهن وقد قررت الانصراف عن الشرفة مبكرًا لكنى عدلت عن ذلك لما أراه من حالها، تبكى بحرقة كما لم تفعل من قبل، يطرق جارها الباب فلم تضبط شعرها ولم تسرع إليه، لم تتناول يداها بثقلٍ متكرر برَّادَ الماء لتسقى الجاردينيا، لم تلثم فنجان قهوتها الذى أبردته نسمات الصباح، فقط تبكى وتكتب وتفسح لدموعها المجال لتبلل الوريقات وتغير ملامح الكلمات.. طِرتُ إليها وحلقت فوق شَعرها مرفرفة بجناحىّ لأبدل حالها، فأنا أعرف كم تؤمن هى بأثر الفراشة، يزداد شعورى بالوهن وتزداد هى نحيبًا كأنها تضع كل آلام الأيام بين السطور، تتوالى الطرقات على الباب.. يرتعش القلم بين يديها.. دار رأسى وتملكنى التعب.. عدتُ إلى جاردينيتى أحط جناحىّ فوقها.. تنتهى هى من الكتابة.. تمسح يداها عينيها.. تتعالى طرقات الباب.. تقوم ببطء إلى سريرها تتمدد فوقه بارتياح.. أنظر إليها من الشرفة، لم تشرب قهوتها ولم تسق الجاردينيا.. أغمض عيونى.. تغمض عيونها.