هل كانت إسرائيل حقًا تتوقع نصر الخامس من حزيران/ يونيو العام 1967الذي هو في منظورنا يعتبر “نكسة” بالمعنى اللطيف؟ ، لقد كانت تصريحات عبد الناصر بعد انتصاره على العدوان الثلاثي في حرب العام  1956والتي يعتبرها البعض ثورة مضادة، هي تصريحات القائد الواثق المتباهي بقوته والذي يمتلك القدرة على إلقاء إسرائيل في البحر، على الرغم من أن الواقع السياسي بتدخل روسيا وتهديدها بضرب باريس ولندن بالسلاح النووي، والمقاومة الشعبية هما من وقفا في المواجهة بصورتها الحقيقية لا الجيش.. لكن الجيش اعتاد أن يكون هو الواجهة الرسمية للدولة، لأنه الوحيد الذي يمتلك الدبابة والبندقية.. لم يعِ عبد الناصر ذلك، بل عاش في وهم الانتصار وصدقه.. فنصر 56 هو الانتصار الثالث بالنسبة لعبد الناصر بعد انتصاره الأول على جبهة الرئيس محمد نجيب “الديكتاتور الضاحك” وحسم الموقف لمصلحته، والانتصار الثاني عندما أعلن في ميدان المنشية تأميم قناة السويس كشركة مساهمة مصرية، لذلك لم يتبادر إلى ذهنه أبدًا فكرة الهزيمة، لاسيما أن صديقه المقرب الذي سلمه مقاليد الجيش كان جاهزًا باستمرار لخوض أي معركة “برقبتي يا ريس”.

لكنه وضع رقبة الجيش في قبضة إسرائيل هو ورئيسه الذي كان يضع في بطنه بطيخة صيفي بأن جيشه قادر على محو إسرائيل من الوجود.. وعندما سُئل  الجنرال “موردخاي هود” قائد القوات الجوية الإسرائيلية، كيف حقق هذا النصر؟ كان رده، لقد أنفقنا عصارة ستة عشر عامًا من الإعداد والتخطيط، وفى هذه السنوات كنا نعيش مع الخطة وننام مع الخطة، ونتغذى بالخطة التي هضمناها تمامًا. وكانت معلومات مخابراتنا عن تحركات طيران العدو ونشاطه، وعن أماكـن قواعده وعن التفاصيل الدقيقة حولها، وعن أماكن وجود طائراته وأجهزة الرادار والصواريخ، وكانت كل هذه المعلومات على درجة عالية من الامتياز، وعملت إدارة العمليات بكفاءة وتطعيم الخطة بكل ما هو جديد، وإبلاغ الطيار في الجو عن وجود أهداف جديدة، كل هذا لعب دورًا حيويًا في نجاح الخطة. كما كانت طريقة تنفيذ الطيارين للتعليمات هي الشرط الأساسي للنجاح .. وقد تدرب الطيارون على هذا النوع من الهجوم في صحراء النقب لمدة عدة أعوام طويلة… وأنه في الساعة 8.45 من صباح الاثنين 5 حزيران، كانت كفاءة الطيران %99 الإسرائيلي.
تلك العملية التي أطلق عليها الإسرائيليون العملية “موكيد” والتي تحطم فيها سلاح الطيران المصري بطائراته ومطاراته وممراته،  فكانت مفتاحًا لنصر إسرائيل في حرب الأيام الستة التي لم يحارب فيها الجيش، فتلك العملية استطاعت أن تكشف عبثية الإدارة المصرية والعقلية العسكرية التي أفرزتها خطابات عبد الناصر الرنانة التي كانت تتعلق بخيوط العنكبوت، فوضعتها أمام نفسها، لترى حجمها الطبيعي الذي كان من المفترض أن تراه بعد انتصار 56.. لقد أطاحت العملية “موكيد” بنظام عبد الناصر، ولكن رصيده الشعبي الذي حرص عليه منذ تنفيذ انقلاب تموز/ يوليو، وقف في ظهره ورفعه مرة أخرى بعد خطاب التنحي،  بدلا من أن يحاكمه باعتباره المسئول الأول والأخير عن الهزيمة .
حرص عبد الناصر على اكتساب الشرعية من الشعب، لتحويل الانقلاب العسكري الذي حصد ثمار الحركة الوطنية والكفاح المسلح ضد الإنجليز إلى ثورة شعبية، لأن الشعب هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تحمي حركة الانقلاب، لذلك تم الإعلان عن قانون الإصلاح الزراعي في العام 1953 ومجانية التعليم العام 1954 إذ أسند حقيبة التعليم لكمال الدين حسين، وركز اِهتمامه على الصناعة والعمال والاتحادات العمالية باعتبارهم قاعدة عريضة يمكن الاعتماد عليها في تأمين جبهة الحكم الداخلية، لذلك لم يسقط عبد الناصر على الرغم من أخطائه البوليسية والعسكرية الفادحة، لأنه استطاع أن يحافظ على هذا التوزان طيلة فترات حكمه، إذ كان يضع الشعب دائمًا نصب عينيه يخطب فيهم في الميادين، ويزور المدن والقرى النائية، ويعزف على الوتر العاطفي بكل مهارة.. فحمل الشعب عبد الناصر بعد صراعه مع محمد نجيب وحمل الشعب عبد الناصر في حرب 56 وحمل الشعب عبد الناصر بعد هزيمة 67 ولذلك سقط عبد الناصر واقفًا حتى العام 1970عندما حمله الشعب في أعظم جنازة في التاريخ إلى مثواه الأخير.


لقد اتيحت الفرصة للشعب بالقيام بثورة كانون الثاني/ يناير 2011 وكانت مطالب الثورة واضحة من أول يوم “تغيير – حرية- عدالة اجتماعية” لم يكن نظام مبارك يعي أن للشعب قوة تفوق قوة اندفاع الماء، وعلى الرغم من أن مبارك كان واحدًا من قادة حرب تشرين الأول/ أكتوبر، لكنه لم يتعلم الدرس جيدًا عندما انهار خط بارليف العظيم في لحظات، ولم يستطع الصمود أمام تلك القوة، لقد حرص حسني مبارك على أن يبني لنفسه سدًا منيعًا يفصله عن الشعب، معتمدًا في ذلك على ثلاث قواعد أساسية هي “الشرطة والجيش والحزب”، تلك القواعد التي اعتمد عليها الملك قبل العام 1945ولكنها سقطت منه تباعًا حتى تجرد منها نهائيًا، ووقف وحيدًا أمام الحركة الوطنية،  لاسيما بعد حريق القاهرة 26 كانون الثاني 1951، إذ كان يومها، هو يوم السقوط الفعلي للنظام  حتى كان انقلاب تموز/ يوليو الذي سبق انفجار الثورة الشعبية التي كان يتوقعها البعض آنذاك، لكن يوم الـ 25 من كانون الثاني 2011 كان الأمر مختلفًا، فجميع قواعد النظام سليمة، وفي قمة قوتها وتعمل بكل إخلاص على حمايته، مهما كلفها ذلك من ثمن..

لكن الشعب الذي عزله مبارك من حساباته طيلة ثلاثين عامًا استطاع أن يقلب تلك القواعد على أعقابها، فعبد الناصر الذي مات مهزومًا حفظ له الشعب مكانه المحترم بين صفحات التاريخ،  لأنه استطاع أن يبني لنفسه قاعدة عريضة من الشعب من خلال الالتحام به والنزول إليه والحرص على إشعاره الدائم بتغيرات الثورة، فأوجد بذلك الطبقة المتوسطة، أما مبارك الأمن والاستقرار والسلام وعودة الأرض والإنجازات لم يشعر الشعب معه بأي شيء، ولم تصل تلك الإنجازات إلى بيوت الشعب لاسيما في السنوات الأخيرة، فقتل الشعب بكل شراسة وغباء وتلاعب في تراكيبه الطبيعية، متناسيًا أنه لن يستطيع أن يقضي على الشعب كله ويبقى هو كما هو.

لذلك كانت نهايته بأسرع ما يمكن..لكن للجيش دائمًا القول الفصل، لأن انهيار الجيش يعني سقوط الدولة..فعلاقة الشعب بالجيش هي علاقة تكاملية، فلا قوة للجيش من دون الشعب، ولابد للشعب من قوة تحميه.. 
وتلك العلاقة هي علاقة تاريخية تحدث بالفطرة، ويبقى الكرسي هو محور الخلاف الدائم، فانتصار الميدان كان بإرادة الشعب الذي لم يعاصر حكما مدنيًا طوال حياته، ومن قام بالثورة لابد وأن يحكم، فقد عشنا حكمًا عسكريًا منذ العام 1952 كان الجيش يورثه لأبنائه، واحد تلو الآخر بموجب دساتير شكلية ومجالس مهمتها هي إضفاء رونق وجمال على الكرسي الذي يجلس عليه طائر الرخ.

لكن ذاكرة الشعب كانت مطوقة بجميل الجيش المتمثل في ثورة تموز/يوليو 1952لذلك عندما قامت انتفاضة الخبز في الـ 17 و18 كانون الثاني/ يناير1977، لم تقم لتسقط النظام العسكري المتمثل في الرئيس السادات، بل قامت من أجل أن يتراجع عن قراراته التعسفية، ومنها زيادة الأسعار، وانتهت الثورة بعدول السادات عن قراراته.. كذلك ثورة 25 كانون الثاني/ يناير لم تكن في بدايتها تهدف إلى إسقاط النظام، بل كانت الهتافات الأولى تنادي بالتغيير و تحقيق العدالة الاجتماعية والحرية وبطلان مجلسي الشعب والشورى، ولكن بعد سقوط الشهداء و ظهور مبارك بخطابه الساذج الذي برهن بالدليل القاطع على أنه لا يعرف شيئًا عن هذا الشعب، تحولت الهتافات إلى  “الشعب يريد إسقاط النظام.. يسقط يسقط حسني مبارك”.

 كانت هي المرة الأولى التي نسمع فيها تلك الهتافات بهذا الإصرار..فسقوط حسني مبارك، هو سقوط للحكم العسكري برمته، فالنظام العسكري سقط فعليًا بعد هزيمة تموز/ يوليو 1967 ولكن الشعب هو من أنقذه وأعاده للحياة مرة أخرى، وكانت حرب تشرين الأول/ أكتوبر المجيدة 1973هي بمثابة عودة الثقة، لكن حسني مبارك أصر أن يتوقف بذاكرة الشعب عندها، بل واختصرها في ضربته الجوية، والشعب قال كلمته عندما هتف بسقوطه، فما كان من الجيش إلا أن يقوم ببتر العضو الفاسد من بين صفوفه بتخليه عن حسني مبارك، والنزول إلى الشعب ليحمي الشرعية المتمثلة في الثورة ويلبي مطالبه التي يضغط بها كل يوم حتى وصلت إلى سقف محاكمة الرئيس، لذلك لم يشعر الشعب إلى الآن بالتغيير الملموس في الحياة الاقتصادية على الأقل، لأن الثورة أسقطت نظام حسني مبارك، لكنها لم تسقط المنظومة كاملة.