وجوه تتكرر لا تختلف ولا تتحور ولا حتى تستنسخ، بل هي وجوه واحدة لعملة فريدة لم تصك في أي ممالك العالم الا بمصر وحدها!

 عجرفة وفشخرة وانتفاخ، وكروش كبيرة طالت الأرض فتمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل.. نجدها تزحف كالديدان في كل ندوة تتمايل وتتبختر تفتح فمها وتخفضه، تهيج وتتشرذم، تصفع يدها المربعة على الطاولة وتقوم ولا تقعد، وفي النهاية هم لا يقرأون إلا العنوان، أو أن أعينهم لم تقع إلا على صورة الغلاف.

  يحفظون عن ظهر قلب كلمات فخمة جذلة ضخمة عظيمة وطويلة فارعة، وأصحاب الطرابيش يصفقون ويصرخون ويهللون، ويموت الكاتب القزم على باب التأويل «رمزية- إسقاط- سيكولوجية -ايدلوجية- برجوازية»، وكلمات أخرى تشبه البالوظة الحمراء التي تباع في ساحة العيد، وفي النهاية يخرج الفقي بعد أن يكون قد أنهى ليلته بنجاح ويبدأ لم الغلة من هنا وهناك ..

 «قطعة جاتوه حتة شيكولا مع كوب شاي بالحليب، وان كان هناك بوفيه مفتوح خير وبركة»!

  وفي النهاية تمتلئ بطنه حتى تكاد تنفجر، فيثقل عقله ويهمد جسده، وتسقط صلعته في الصحن أمامه، لحظات ولا تسمع منه الا شخير يعلو ويعلو…

 ماذا تقرأون بعد؟ ماذا تنتقدون بعد؟هل من مجيب؟! فمتى شيعت جنازة الناقد المصري في مصر المحروسة؟ فماذا تنتقدون بعد يا أهل الحياة؟ اباحية… لا يضر، متاجرة باسم مصر… لا يضر، سخرية تافهة…لا يضر، قضايا شاذة… هي ابتكار وجرأة وخروج عن العادي، مواضيع فرقعة… السوق يحتاج ذلك… وفي النهاية لا عزاء للكاتب المحترم، وكأنه أصبح نملة لا يراها أحد، بل تتحطم تحت أقدام الأبدان الفارغة.

  قال توفيق الحكيم ذات يوم «الإبداع طائر له جناحان؛ النقد والابتكار»، ولكن يبدو ان توفيق الحكيم كان يقصد بهذا الطائر طائر الرخ، أو العنقاء، أو حتى السلعوة علماً بان السلعوة لا تطير، ولكن الابداع الذي يتكلم عنه الحكيم هو إبداع من نوع آخر، دفن مع هذا الجيل وسكن القبور، واستبدل بشيء مشوه لا اسم له ولا شكل ولا لون ولا رائحة ولا أي شيء…

 فقط هو أدب العلاقات والمصالح الشخصية، تمتلك شبكة علاقات إذا سيصعد عملك للسماء ولا يهبط بل يحلق في الأسواق، والمكتبات، وتكتب الصحف، وتنشر الأخبار، والندوات وحفلات التوقيع، والصور والطراطير والبالونات والشموع والتورتة، والمسابقات وجوائز الدولة الفخمة، وسلامي للكاتب المحترم، الذي يسكن بيته محبطاً، لا حول ولا قوة ويترك عمله يسبح في مدارات السماء دون يد تتلقفه، أو تذكره بكلمة يراد بها حق، أو باطل، وفي غياب المنهج العلمي أو ربما موته، قفزت مناهج أخرى مستحدثة عظيمة، لها من الشأن ما رفع، ومن الفائدة ما استعظم؛ كمنهج بنت جميلة، أو هدية ثمينة، أو مظروف معطر محشو بالنقود، أو مصلحة متبادلة تعود بالمنفعة..

 

 وظهرت مع تلك المناهج فئة خرجت من باطن الأرض وجانبها لم تقرأ كتاباً نقدياً واحداً مدى حياتها، فقط أطلقوا على أنفسم نقادا بقوة النبوت، وأصبح لهم ما أصبح من صيت وذيوع وكلمة مسموعة، وفي النهاية خواء، فقاقيع تطير في الهواء وتنفجر بعيداً، لكنهم في نهاية المطاف يتربعون على قلوبنا، ويكتمون على أنفاسنا، لأنهم يروجون لبضاعة مضمونة، بادئها قرف، ونهايتها تفاهة…

إلا ما رحم ربي، ولكن ما رحمهم الله من النقاد أهدرت دماؤهم، ودخلوا أقفاص المحاكم والصراعات الأدبية بدعوى التقليدية والابتذال، والركاكة، والمباشرة، فان كنت ناقداً حقيقياً، تمتلك عقلاً ذهبياً وسليقة سليمة، فيا ويلك ويا سواد ليلك، يقتلونك بحقهم المزعوم، وليبراليتهم الملونة الجميلة، التي تلتقطك بمجرد الاقتراب منها وتعانقك بقوة كثعبان الأناكوندا، حضناً عميقاً تتكسر معه عظامك وتتداخل ضلوعك، وتتهشم ويخدر جسدك، ثم تلتهمك لقمة سائغة، لتهضمك في معدتها، وتتلوى في أمعائها العفنة، لتخرج في النهاية انسان آخر تشبههم تماماً، ولا تشذ عنهم، لست مطلياً بالقار أجرب، بل تسير في دمائك روحهم، وتصبح منهم، أو تقف على ناصية بيتك بعربة كبدة اسكندراني، ولكن يبقى بصيص النور الذي يتسلل من زاوية ضيقة جداً ليرسل البشارة لأصحاب العقول العامرة بالخير، وما ينفع الناس.