الموجوعة..

الولادة صعبة، أم تتوجع، الألم يضربها بشدة فتصرخ، أب يلف كالمجنون ما بين حجرات بيته الثلاث، نساء تملأ المنزل. الموجوعة مازالت “عروس” وتلك بطنها الأولى ودائماً ما تكون “صعبة”.. هنا أم “الزوج” وأم “الزوجة” وخالتها “آمنة” وخالتها “نفيسة” وعمتها التي لا تحبها الموجوعة “أم الخير” تتشاءم منها ويتشاءم منها الزوج ولكنهما لا يقدرا أن يمنعاها من الحضور، الألم مازال يضرب بطن الموجوعة، الألم زاد عن حده الطبيعي، الألم بدا كالمجنون ينهش جسدها ككلب، وهي ضعيفة وما بقى لها من صحة ينسحب في بطء، والزوج والأم والحماة والخالة “نفيسة” والخالة “آمنة” والعمة “أم الخير” وقفت إلى هذا الحد قدرتهم على الحل، فقالت الأم:

- هات حكيم يا ابني من البندر.. البنت بتموت.

رغم صعوبة ما قالت، ولكنها بالفعل الحقيقة، البنت تموت، “أم الخير” حزينة وخائفة، تعلم الست أنهم يتشاءمون من وجودها، وألم الفتاة الموجوعة يؤلمها هي، تتمنى أن تقوم البنت من رقدتها، تتمنى أن يخرج ما في بطنها ويريحها، تتمنى أن تنتهي تلك المعركة مع الحظ السيئ، تتمنى وأمنياتها توقفت هنا، عند تلك اللحظة التي صرخ فيها الوليد عندما سقط من بطن أمه، بكت وكانت طفلة، قطعت الجدة حبلها السّري، واحتضنت الصغيرة ثم صوتت، لطمت، أعلنت بذلك عن “موت” الموجوعة، وميلاد الصغيرة، ماتت الموجوعة وماتت معها “أم الخير” خرجت الجنازتان في وقت واحد، ومن بيت واحد، أعلنت القرية الصغيرة الخوف من هذا الوليد الذي قتل أمه، وقتل “أم الخير” نذير الشؤم وكانت مصيبة الأب مصيبتين؛ موت زوجة، وشؤم ابنة. خاف الرجل على حياة ابنته، قرر أن يبعدها عن مصيرها المحتوم فسماها “حياة”.

الصانع..

دارت الأيام فدورت جسد البنت، خرج الصدر كالرمان، وعلت المؤخرة وترجرجت، واستقام الظهر، الشعر كان هو الذهب، العين هي خضرة الربيع، جميلة “حياة” بل أجمل بنات القرية، سعادة الأب بجمال “حياة” تعدى جمالها، يحب كثيراً النظر إليها، يشعر بأنها من صنعه هو، هو من دوّرها ولوّن شعرها وعينها، هو من أعطاها الجمال الأخاذ، هو وحده، هي ملكه، ولن يأخذها منه إلا “الموت” فكان..

لن تموت يا أب.. لن تموت.. الحلم يدفعني دفعاً نحو الجنون، رأيته معها، تتوجع كما أراها دائماً، سألتني عن حالي أجبت.. سألتني عنه قلت:

 مليش غيره في الدنيا.-

لم تسمعني.. لم تحاول أن تسمعني، قالت:

- المكتوب أنكتب.. والنصيب أتنصب.. وملناش بعد الحياة غير الحياة.. الموت هو السبيل.. وهو النجاة.

ابعدي يا أم.. اهربي.. غوري.. ليس لي غيره.. أنا من صنعه.. وهو الذي صنعني.. أنتِ لا أعرفك، لن أراكي إلا موجوعة وتتألمين.. لا أعرفك.. غوري وكفى.. اذهبي إلى جحيمك وموتك واتركيه.. اتركيه لي.. اتركيه لأعيش.. اتركيه.

غارت الأم الموجوعة، أو هكذا حلمت “حياة” مشت وتركتها، ركبت جناحها وصعدت، صحت “حياة” من نومتها مفزوعة، خائفة، ترتعش، جرت إلى والدها، كان نائماً، قبلته فصحا.. سألها عن سبب دمعها الذي غرق الحشيش الأخضر، فقالت:

 - مفيش يا بوي.. عيني بس مطروفة.

- اقعدي يا “حياة” جاري هنا.. اقعدي.

تألم السرير لجلستها فأظهر أنيناً خافتاً، ربما كان حزناً، ربما كان غضباً، ربما.. فلم يسأله الأب ولكنه سأل فتاته مجدداً عما فيها فلم تُجِب، بكت ثم بكت وبكت ووسط نحيبها المتواصل قال:

- حلمت بالموجوعة يا بوي.. حلمت بيها النهاردة.

- خبر اسود.. وخبرتك عن مين المرة دي..؟.

- عنك أنت يا.. بوي.. جات تاخدك.. ها تهملني لوحدي.. يا صانع “حياة”.

بكت، وبكى، واحتضنها، واحتضنته، هكذا هو “الموت” بعد الحياة، هكذا هي “حياة” خصتها السماء بالموت، تأتيها الموجوعة وتخبرها بمن سيموت، تراها تأتي لتخطفه، تراها تأتي لتبكيه، ثم.. يموت من رأت، يموت بعدها بثلاثين يوماً بالتمام والكمال، رأت من قبل الجدة “خضرة” فماتت، والجد “أبو الكبير” فمات، والخالة “آمنة” فماتت، كانت فقط تحكي للأب، تحكي للصانع فيرجوها أن يظل هذا سراً، وظل سراً، حتى ذلك اليوم النحس، الشؤم، الموجوعة تركت العالم كله وأتت فقط للصانع للخالق للأب الذي من دونه “حياة” قد تعيش ولكنها ستصبح من “الموتى” الموجوعة لم تراعي وحدتي.. الموجوعة لم تراعي ألمي على والدي.. أكرهها تلك الموجوعة.. أود أن أقتلها مرتين بل ثلاثة.. بل مليون.. سأقتلها مليون مرة إذا ما أخذت مني صانعي.. والدي.. أبي كل حياتي.. ثلاثون يوماً.. يا خيبتك يا “حياة”.. ثلاثون يوماً وتتوحدين مع حزنك وألمك وسرك الذي سينكشف يوماً.. أنا “الموت” ولست الحياة.. وتلك الموجوعة تقتلني في كل مرة تقتل فيها أحد “الأموات”. ثلاثون يوما يا “موجوعة” زيديهم يوماً آخر.. زيديهم عشرة.. زيديهم ألفاً إنه أبي يا “موجوعة”.. خالقي يا موجوعة.. غوري بعيداً واتركينا، اتركيه لي وابعدي.. هي الحرب إذن.. ثلاثون يوماً بقت له في الحياة.. وحياة مازالت شابة ومليحة بل هي القمر نفسه، ولابد وأن تتزوج، نعم ستتزوج هذا الشهر، أخرج بها اليوم وبكرة، وبعد بكرة، أخرج بها يومياً حتى يراها من يتزوجها، حتى تتزوج “حياة” بعدها لا يهم الموت في بعدها عنيّ وها أنا أموت، ثلاثون يوماً سيكون لحياة حياة أخرى، سيكون لها زوج، وبيت، وطفلٌ جميلٌ مثلها، ستتركها “الموجوعة” تعيش لأنها أمها، كانت أمها، ستتركها

مؤكداً، ستتركها ولن تجلب لها الموت، ستترك “حياة” لتعيش، أتركي “حياة” يا موجوعة.

ثلاثون يوما..ً

تزينت “حياة” لبست فستانها الفستقي المزين بالورود الحمراء، وضعت على شعرها الذهبي طرحة شيفون زرقاء أوراق تلفها أوراق الشجر الخضراء كعينها، خرجت من بيتها كانت المرة الأولى لخروجها فالوالد كان يخشى عليها “الخروج” كان يحتفظ بها كالكنز الذي يخشى عليه اللصوص، خرجت كالشمس التي أنارت ليلاً معتماً قد طال، خرجت فأنارت قلوب من رأوها، وما هي إلا ساعات من خروجها حتى اصطف الخطاب صفوفاً أمام الدار، كان من بينهم “رحيم” ابن الحاج “حافظ” عرض خمسون جنيهاً مهراً، ومائتي جرام من الذهب، وبيتاً لها وحدها ترعى فيه البقر والفروج والبط والإوز، ستكون ملكة متوجة للبيت، وسأسمي بيتها “بيت الحياة” هي ملكة وتستحق، وهي الحياة ولابد أن تكون الحياة لها خادمة، سألها الأب عن رأيها فيما استمعت فأجابت:

   – الأمر لك.. أنت الصانع.

رغم كثرة الخطاب، وافق الأب على “رحيم” ولد الحاج “حافظ” رحيم طيب ملامحه مليحة، وصغير السن، وسيتمم الزواج قبل رحيل الثلاثون يوماً، وافق الأب، وبعد أسبوع انتقلت “حياة” من بيت الوالد إلى بيت الزوج، شعر الأب بالحسرة، ولكن الموت آت وحياة ستصبح وحيدة من بعده، كان لابد من زواجها، كان لابد من رفيق وزوج، رحيم طيب وسيتحملها، نعم فليتحملها ويحمل معها تلك “الموجوعة” وأمواتها الأحياء، الثلاثون يوماً يجرون، اليوم عدى منهم عشرة وعشرة ولم يتبقى إلا عشرة، سيتزوج الأب، ستغضب “حياة” لن تغضب لزواج الوالد ولكنها ستغضب لتلك الزوجة “الأرملة” لماذا يا أيها الصانع..؟ تلك أنانية والرب لن يرضى عنك، وموجوعة لن ترضى عنك، وحياة لن ترضى عنك. تزوج الأب في يومين، وظل ينهل من الحياة ما استطاع، لو كان للسرير صوت لصرخ من شدة الألم، لو كان للسرير يد لقذف من فوقه وبصق عليهما، أتعباني وأنا سريرٌ من أخشاب، كادت أخشابي أن تتفكك، وكاد القطن أن ينحل، الرجل لا يهدأ، كان عطشاً فارتوى، كان جائعاً فأكل حتى شعرت أنا بالتخمة، يا رجل يكفي هذا، لن تحتمل صحتك كل هذا العناد، لقد كبرت ومن تحتك مازالت صبية، ستحتمل وتحتمل وأنت من ستنهي حياتك بيديك، يكفي هذا يا رجل، يكفي هذا، ضجرت ولم أعد أحتمل، عرقك وعرقها اختلطا فوقي، جسدك وجسدها اختلطا فوقي، روح وروحها افترقا فوقي، تماماً عند اليوم الثلاثين، كان الرجل يضرب بفأسه الأرض أرضه الحلال، وفجأة سكت الرجل عن الدق بمسماره فسألته المرأة عن سكوته فلم يجب، سأله السرير عما أسكته فلم يجب، سألته حياة عما به فلم يجب ، سكت الرجل عند اليوم الثلاثين، خرجت روحه أثناء إعلانه عن حياته، أثناء إعلانه عن وجوده، أثناء تحديه لحياة وللموجوعة، سكت الرجل. انتهت قصته، وسكت السرير، بعدما عادت الزوجة الأرملة إلى بيت والدها محملة بشؤم زوج رحل وكان مقدراً، بعار لم ترتكبه، بالموت التي هي بريئة منه.

ثلاثون..ثم ثلاثون وثلاثون..

مات الأب في اليوم الثلاثون، حزنت “حياة” حزن العمر كله، حزن أم لم ترها وأب كان لها “الحياة” حزنت حزن المذنبة التي أذنبت بما لا ذنب لها فيه، حزنت “حياة” ونسيت بحزنها ابن الأكابر “رحيم” نسته وأهملته، ابن الأكابر “رحيم” كاسمه، كريم كعائلته، شالها من حزنها ووضعها كتاج يتزين به في قلبه، حزنها اختبأ مع الأيام، ظل مختبئاً خلف أحزان قديمة تارة، وتارة أخرى خلف مشاغل الحياة، تحلب بقرتها بنفسها، تأمر الخادمة أن تلم الروث، تعمل منه “جّلة” وتعمل من الحليب جبن، تملأ ثلاجتها التي كانت الأولى في القرية، تملأها بالجبن والحليب واللحوم، انشغلت “حياة” وتناستها الموجوعة، نسيتها فجأة ونسيها الموت، وفرح “رحيم” بكنزه الذي ظل يكبر ويكبر أمام عينيه، ملأت حياة البيت وأصبح بالفعل بيتاً للحياة يملأ جنباته الفقراء، يصطفون.. يأخذون نفحات السيدة “حياة” ملكة هذا البيت الكريمة وزوجها الرحيم، ظلا الكريمان يملآن القرية بالخير، ظلت القرية تشكر لهما ذلك الفضل، وظلت السماء تبخل عليهما بما أرادا “لله الأمر من قبل ومن بعد” كانت مقولته كلما مرت سنة دون خلفة دون ولد يكبره ويكبر لأجله، دون ولد يحمل الاسم والكرم وجمال الأم، ولكن.. “لله الأمر من قبل ومن بعد” مرت سنون كانت ثلاث، بعد الزواج وموت الأب، لم ييأس ابن الأكرمين، لم يبخل كعادته، ظل صابراً متمنياً أن يكرمه الله بما أراد، لم أعصك يوماً يا رب، تزوجت صغيراً أبعدت نفسي عن معصية “محرومة” الخادمة، كانت تريدني، وكنت صغيراً أريدها، ليلتها كان سفر أمي وأبي للمولد، مرضت أنا فجأة، مغص يفتك بمعدتي، السخونة جعلت جبهتي البيضاء حمراء بلون الدم، قررت المكوث بالبيت، وقررت أمي أيضاً المكوث جواري، فخرجت هنا “محرومة” وقالت:

- روحي انتي يا ستي.. “رحيم” في عيني لغاية ما ترجعوا.

وافقتها أمي بعد مشاورة أبي، الولد مريض يا حاج ولازم أكون معاه، قالتها أمي، فأجاب أبي:

- يا حاجة الولد هايكون زي الفل.. ومحرومة شاطرة وهاتعرف تطيبه.

- أخاف عليه منها.

 - يا حاجة “محرومة” بنت أصول ومتربية في بيتنا من صغرها.. إن بعض الظن إثم.. يا حاجة بيت ربنا.

كنت أكذب، ذهبا هُمَا، وكنت أكذب، زارا سيدنا الحسين، وكنت أكذب، بكيا وتضرعا عند المقام، وكنت أكذب، اشتريا لي جلباب, وطاقية, ومصلية، وكنت أكذب، نعم كنت أكذب، لم أكن مريضاً، ولم تحمر جبهتي، كنت في البيت لأكون مع “محرومة” لأروي أرضها التي بارت، ليذوق عنقودي من الجنة التي لم يرَها من قبل، لأمرح في حديقة المانجو وأرتوي من حليبها، كذبت يا رب.. نعم كذبت.. ولكني تبت وسألت أبي عن الزواج، فقال عني مازالت صغيراً، فقلت أنا مصمم وأريد الزواج، فقال كما تريد، تزوجت أجمل نساء القرية، تزوجت من “حياة” وبدأت حياتي الجديدة، لِمَ لا تسامحني يا رب أنا تائب وسمعت الشيخ يقول: “من تاب من الذنب كمن لا ذنب له” تبت يا ربّ وأنت تقبل التوبة، اقبلني يا ربّ وأعطني الولد.. أريد الولد يا ربّ.. “حياة” جميلة وتستحق أن تخّلد، وأنا “رحيم” يا ربّ هذا إسمي وتلك صفتي، سأذبح له البقرة وسأشتري له بقرتين وسأبني له مسجداً.. الولد يا ربّ.. الولد.

موت أب.. وأم

عادت الموجوعة.. بعد أن نسيتها “حياة” عادت.. دون سابق إنذار عادت.. كلص عادت.. كبومة عادت.. عادت لتضرب قلبها المضروب، عادت لتوجع قلبها الموجوع، عادت لترهق منامها أكثر فأكثر، عادت.. في الليل وبعد أن أشبعت “رحيم” من الطعام ومنها، في الليل حيث كل شيء ميت جاء الموت، في ميتتها الصغرى رأت الموت، الأب “حافظ” رأته مع الموجوعة، كانت معه وكان معها، مازالت تتوجع كما هي، وحافظ الأب معها يداويها، سألتها الموجوعة عن صحتها فأجابت:

- حرام يا أمي.. أبوي “حافظ” طيب.. أبوي “حافظ” حنين.. هايحزن “رحيم” يا حزني أنا.. يا مصيبتي أنا.. يا ريتك ما جيتي يا موجوعة.. يا ريتني ما شوفتك يا موجوعة.. أبوي “حافظ” خلاص هايسبني.. يا حزن قلبك يا “رحيم” يا حزن قلبك يا “أم” غوري بقى يا موجوعة.. غوري واتركيني لحالي.. غوري ولا تعودي أبداً يا موجوعة.

- المكتوب أنكتب.. والنصيب أتنصب.. وملناش بعد الحياة غير الحياة.. الموت هو السبيل.. وهو النجاة.

من حزن.. إلى حزن يا “حياة” مكتوب عليكِ من ميلادك يا بنت الأصول، قومي من نومك، أحكي لرحيم، قولي له أبوك راح يموت، قولي له أبوي راح يموت، قولي واحكي يا بنت الناس الطيبين، قومي مع زقزقة العصافير، قومي شوفي زوجك الذي عاد من صلاة الفجر، رحيم متحيراً من نومك الذي طال، رحيم لا يعلم يا حزينة، رحيم لا يعلم يا مسكينة، قومي وانفضي عنك حزنك وشاركيه، قومي وافشي له سرك، قومي يا “حياة” النوم لن يكون هو الهرب والسبيل، المكتوب خلاص أنكتب، قومي واصرخي بأن هذا هو المكتوب وأنتِ لا تتحملين ما كُتب، قومي وانفضي غبار يأسك.. “رحيم” بدلال يوقظك، يسألك عن ليلتك الكحلية.. يزغزغك في بطن رجلك، هل تضحكين كما كنتِ تفعلين دائماً..؟.. الضحك لم يمت يا محزونة، اضحكي يا محزونة وانفضي خوفك.. هيا انهضي.. لملمي ملابسك.. ضعيهم في الحقيبة، وقولي لرحيم:

- هاروح عند بيت أبوي “حافظ”.. وحشني يا “رحيم”.. وحشني.

سيفرح “رحيم”.. سيقبلك بشهوة.. سيسألك الإفطار أولاً.. قومي فطريه، أعملي له البيض الذي يحبه، اسحقيه في الزبد الفلاحي، أخرجي له الجبن من الثلاجة، أطبخي له طبق “الفول” الذي تضعين عليه “الفلفل” و”الطماطم” ثم تباهي وقولي:

- الفول.. دا محدش بيعرف في الناحية كلها.. يعمل زيه.

اضحكي في وجه “رحيم”.. رحيم طيب يا حزينة، رحيم لا يستحق هذا الهم منذ الصباح، لديه حزنٌ مُخَبَّأٌ في كتاب القدر فلا تزيديه الآن، اضحكي في وجهه يا امرأة، أرقصي له يا امرأة، فطريه يا امرأة، قولي له هيا نذهب لبيت أبوي.. هو سعيد الآن، خذيه لوالده ليشبع منه وتشبعي، هيا تحركا، الحنطور يتحرك، عجلاته تصدر دبيباً مخيفاً على الأرض، حصاناه يجريان في سعادة فهم لا يعلمان، البيت يقترب ربما كان يتحرك هو الآخر ليقترب، هي مرسلة من الموت، مرسلة من القدر بقدر، الصباح مازال يحبو، والشاب والشابة يركبان الحنطور والحصانان يدبان ويجريان، وحافظ في جلسته مع الزوجة “أمل” يحكي عن ألم بدأ يشعر به في جنب رأسه، صداع يا “أمل”.. صداع يفتك برأسي لا أعرف له سبباً، صداع سيقتلني يا امرأة، صداع يمتلكني ويملكني ويزيح عني الحياة، مرضت يا امرأة، أصبحت لا أصلح، صداع فتاك وحش يأكل دون رحمة أو شفقة، يضربني ولا أضربه، يسبني ولا أقدر على سبه، غول نعم غول، غضب.. ربما كان غضب ولكن غضب مِن مَن.. ليه الغضب..؟ أنا لم أفعل حرام.. تزوجت وهذا حقي.. المرأة كبرت وأنا مازالت شاباً.. هل كبرت أنا فجأة..؟.. الصداع يفتك بي.. ضعفت يا أمل فجأة.. ضعفت وراحت قوتي.. فشلت ليلة أمس مع الجديدة.. سأطلقها لعلني أرتاح.. سأطلقها يا أمل حتى لا تغضبي.. حتى تعود صحتي كما راحت، دقات الباب تدق في رأسي، من القادم في ذلك الصباح..؟ أيكون “رحيم” وزوجته “حياة”..؟ أحتاج إليه يا ربّ مؤكداً هو فمن سيأتي غيره.. فتحت أمل الباب وقبلت الزائرة والزائر.. وحكت للزائر عن زواج الأب ومرضه.. كانت تحكي وتبكي وتمسح دمعها.. كان يسمع ويبكي ويمسح دمعه.. قال:

- ليه يتجوز يا أمي..؟ وليه يمرض..؟ وليه تبكي يا أمي..؟

 فراغة عين يا ولدي.. هاتحّمله ومش هاسيبه يا ولدي.. أبوك طيب وابن أصول.-

الحزن لم يتوقف يا “رحيم” فكن صلباً.. تلك مجرد بداية يا رجل.. كن رجلاً وتحمل، كن رجلاً وقف مع أمك وزوجك كن قوياً يا رجل.. الأب راحل راحل وأنت ستصبح رجلاً للبيتين، زوجة والدك “حامل” يا ولد، كن رجلاً وابن أصول والدك خلاص “مات” وتبقى ابنه خذه.. ربيه.. اعتبره ابنك الذي لم تنجبه.. أمك لم تحتمل دلع تلك المرأة الصغيرة فرحلت في هدوء.. في هدوء جاءت الموجوعة لزوجك، وفي هدوء بكت على أم قد رحلت، وفي هدوء صرت بلا أم ولا أب أيها الشاب، أخذت زوجتك ورحلت من بيت أبيك الذي أصبح من الآن بيتاً لتلك الزوجة الصغيرة اللعوب، المرأة مازالت شابة، والطفل معها جميل، أخاك هو يا ولد، نعم أخاك فلماذا تشك في نسبه.. هل لكثرة كلام أهل البلدة عن فلان الغجري الذي رأوه مع زوجة أبيك أكثر من مرة؟.. هل لشعر الولد الأصفر وعينيه الملونتين..؟ قالت لك عيب.. عيب يا ابن الأصول.. قالت لك.. هذا ابن أبيك انظر إلى وجهه ووجهك.. أنظر إلى شعره وشعرك.. أنظر إلى نفسك ستجده داخله.. أعتذر لي فوراً.. اعتذر لروح أبيك الهائمة.. اعتذر واتركني ألملم نفسي وأرحل عن داركم.. اتركني يا ابن الأكابر واترك ابني لي.. هو ملكي وملك أبيك.. مات أبوك فعادت لي الملكية، لملمت ملابسها.. خرجت باكية وأنت تنظر، فقط تنظر يا “رحيم”.. أين رحمتك ذهبت؟.. أين ذهب عقلك يا ابن المدارس؟ انسقت كالبقرة يا فتى وأنت سيد ابن سيد، انسقت وكرهت وغضبت وظلمت وأنت العاقل ابن العاقلين.. هو الشيطان.. هيا استعيذ وتوضأ وصلي لعل الله يغفر لك.. رحلت زوجة الأب، وبقي الغضب رغم الصلاة.. وبقي الألم رغم الصلاة، وبقيت أحلام الموتى تطارد “حياة”.

الموت يحيط بكِ يا.. حياة

سرك خرج من قلبك إلى لسانك.. فلا تلومي إلا نفسك، حكيت له يا “حياة”.. عرف “موجوعة” منك.. خاف منك “رحيم” تشاءم.. هرب.. فر بجلده من أحلامك.. ترك بيته ليصبح بيتك.. ترك ماله ليصبح مالك.. خاف منك يا امرأة.. خاف من اقتراب الحلم، خاف من اقتراب القدر، بل خاف من اقترابك أنت، بكيت يا امرأة، قبَّلتي قدمه قبَّلتي رأسه، قُلتِ ليس لي ذنب في هذا.. لم يصدق.. خاف.. هرب.. تركك في وحدتك وقدرك تضربين الخدين.. تولولين على حظك القليل، هرب وترك حياته ودنياه، رحل عنه الكرم والرحمة، اغضبي يا “حياة” أخرجي كل صباح للبحث عنه، احكي لأهل القرية عن هروبه، احكي لهم و بَرِّئي شرفك الذي بدأ الكلاب ينهشوا فيه، قولي أني بريئة، أني شريفة، أني فقط أحلم، اصرخي يا “حياة” هاتي التراب وغطي به شعرك الذهبي، اخلعي حذائك وامشي في البلد حافية، أنكتب عليكِ أن تكوني أرملة فهل تمانعين..؟ هو القدر لا أكثر ولا أقل، الحياة لابد وأن تستمر يا “حياة”، فلتستمر الحياة إذن، البقر احلبيه، والجبن اصنعيه، والخير وزعيه يا بركة “القرية” ولا تحكي لمخلوق قط عن سرك، كفى ما حدث يا جميلة، كفى ما حدث يا أصيلة.. كفى ما حدث يا حزينة، هيا أشعلي الخير في البيت وتناسي أحلام “موجوعة” وموتاها، وتناسي وحدتك الجبرية، وتناسي قلقك على الغائب، فقط اعملي.. واعملي وكوني كالرجال، أنتِ من الآن رجلٌ يا “حياة”.

عندما طار السر من البئر

كان يوماً عادياً.. من أيامك وكانت الشمس مشرقة وساخنة، أنتِ مازلتِ تعملين، حضرت “أم محمد” خبطت على باب بيتك، فتحتي الباب سعيدة ومنتشية، منذ زمن لم يأتِ لكِ ضيف، كلهن زوار الله لا زوارها هي، كلهن لا يجرؤن على دخول البيت، هي السيدة وهن محتاجات ودائماً المحتاج لا ينظر إلى سيده، فتحتي الباب يا “حياة” أجلستيها في الصالون، سألتيها عن حاجتها، قلتي لها رقبتي يا “خالة”، سألتيها مرةً أخرى عما تطلب، لم تجاوب، خبيثة “أم محمد” فقط سألتك عن الموجوعة، عن أمك يا “حياة”.. عن أحلامك يا “حياة”.. عن الأموات التي قتلوا يا “حياة”.. زادت همومك همَّيْن، وجعلت قلبك يحترق.. خبيثة “أم محمد”.. قلتي لها: من أين علمت يا امرأة..؟! لم تنكري.. لم تحاولي حتى أن تنكري، هماً كان وانزاح، أجابت المرأة بما أحزنك، أجابت بما صدمك، أجابت بما أسعدك، أهو “رحيم” عاد “رحيم” ولم يعد إليه عقله، جننته “الموجوعة” عاد وترك زينته هناك، يا ليتك ما عدت يا “رحيم”.. يا زين الشباب يا “رحيم”.. يا ابن الأصول أين عقلك راح، هل سرقته الموجوعة..؟ لماذا يا أم..؟ اهربي وابتعدي حرام عليكِ يا أم حرام، أكملت المرأة:..

 - الراجل داير على البيوت يا ستي يقول.. حياة تقتل.. حياة تحلم.. حياة هي الموت.. قتلت أبوي وأمي في المنام.. يمشي بعكاز زينة الشباب.. شعره الأصفر منكوش يا عيني.. عيناه انطفأ بريقهما.. يبكي دون سبب.. يضحك دون سبب.. الشاب عيني عليه أتجن يا ستي.. وانتي السبب.. أمك السبب.. أحلامك السبب يا شؤم.. يا بومة.

كركب الحزن يا ست الدار، الأب مات مرتين، والأم ماتت مرتين، والزوج بعد موته عقله راح، يا موجوعة العمر يا “حياة” نارك لا تنطفئ أبداً يا “حياة” هيا اخرجي إلى الشوارع، ابحثي عنه، ابحثي عن رجلك وعزوتك، لميه من الشوارع ليسكن داخل روحك المعذبة، لميه واجعلي منه تاجاً كما جعلك، اخرجي واتركي زينتك كلها ببيتك لا وقت للتزين اليوم، ابحثي ستجديه، سيصرخ حين يلقاكِ، سيجري بعيداً عنك، سيهلل باسمك، سيغني لاسمك، سيرقص ويبكي ويضحك ويبكي يغني ويبكي، وأنتِ تشاهدين، والشارع يشاهد، والأعداء يشاهدون، قرية كاملة حمّلتك المسئولية، قرية كاملة رمت عليكِ بذنبها، قرية كاملة نسيت خيرك الذي يغطيهم، هيا اصرخي، أعلني بنفسك عن سرك، قولي أن فلان وفلان وفلانة سيموتون بعد عشرة أيام، قولي أن فلانة ستموت غداً، قولي أن فلان سيموت عند اكتمال القمر، ارمي عليهم أقدارهم، اخلصي من همك وسرك، لا تتألمي لأجلهم، لا تبكي لهم، خذي زوجك إن رضي وامضي، وإن لم يرضَ اتركيه لقدره، أنتِ لا تصنعين الأقدار يا “حياة” أنتِ فقط تحلمين بها.

الموت يصنع “حياة“..!

تحجر القلب، واسود الشعر الذهبي، وراح بريق العينين، ماتت “حياة” و ربما أحبت الموت، بيتها أصبح قبلة للزائرين، يأتون حجيجاً بالنذور، تتلقاها هي أو من ينوب عنها، قلبها لا ينبض إلا غلّاً، عينها لا ترى إلا الموت، تحلم لفلان أو لفلانة، تقول:

- الولد هايموت.. رأيته في الحلم.. عشرون يوماً.. اشبعي بيه يا مرا.

تخرج المرأة من بيتها “تولول”.. تصرخ.. تلطم الخدين.. تتغطى بالتراب، والطين.. يا حزني.. ولدي ها يروح.. لا طبيب ينفع ولا شيخ.. أخذته الحياة مني.. أخذته ولساه صغار.. تمشي كما يمشي غيرها، تبقى “حياة” تحلم وتنام وتلتقي زائريها، تأخذ منهم النذور وتبشرهم، “الموت مرحلة مقدر ومكتوب” وليه نزعل مادام مكتوب..؟! أنا بس بنقل القدر للمقدور والمقدورة، أشيل عنهم مرارة الانتظار، طبيبة أنا تنقل آلام المرض وحدها.. أنا “الحياة” الثانية، أنا “الحياة” الأخيرة، حقي أن أكون “سيده” وحق الموجوعة أن تكون رسول، يا مبعد الذنب والكرب ابعد عني كربي.. يا رافع السماء والأرض أطل لي عمري.. يا جبار ورحيم ارحم أمواتي ورد لي عقل زوجي.. تدعي “حياة” دعائها اليومي.. ثم تتدثر بما لديها من أغطية وتنام.. لتحلم.. وتحلم ثم تحلم.. وعندما تفيق من ميتتها تكتب من رأت في دفتر أسود.. ويأتي النهار.. ويجيء الزوار من كل فج عميق.. كُلٌ يحمل نذوره، و كلٌ يخشى ظهور اسمه في المفكرة السوداء، النذور يعتبروها قرابين للمرأة لتنساه وتنسى من معه، تغير الحال بسببها، أهمل الرجال العمل، وانقسموا ما بين مسجد وكنيسة، واختفت النساء عن الأنظار واتجهن للصلاة وللتبرك بالأموات الصالحين، قل العمل، بارت الأرض، جاعت البهائم، القرية أصبحت دار عبادة كبير.. يبكي العابد الزاهد في صلاته، يبيع كل يوم جزءاً من بيته، تشتريه “حياة” ثمن بخس، لا وقت للعمل الموت قادم ومقدر، لا وقت للنيك فالموت قادم ومقدر، لا وقت إلا للعبادة، قل الخلف، بارت بطون النساء، قل الزواج، بل ندر، زاد الحجيج من كل القرى المجاورة، ذات صيتك يا “حياة” فطار في كل اتجاه، زاد زوارك، وزادت معك الفلوس، والأطيان، والبقر، زادت نذورك يا “حياة”.. قد زادت.

رحيم

تخيلتني جننت تلك “الموت” المسمى “حياة”.. قتلت أبي، ومن بعده أمي، ثم تبكي وتقول: “لقد حلمت” سقطت أحلامك يا “حياة”، سقطت تلك “الموجوعة”، سقط جمالك وعيناكِ الخضر، ومؤخرتك الطرية اللينة، هربت.. نعم هربت.. ولماذا لا أهرب.؟ وكيف لا أهرب.؟ والموت يلاحقني فيها.. في عينها الخضراء يلاحقني.. في شعرها، وخصرها، في لسانها الذي أود أن أحشه، خفت منها، ومن سريري، تلك الفرشة التي تقابل عليها الأموات، ليست فرشتي.. تلك الفرشة التي تنازع “عزرائيل” شأنه فيحاكيها ويكلمها ويعطي لها سره، ليست فرشتي.. أعوذ بالله منك ومن عزرائيلك يا حياة..  هربت من قدرها وأقدارها، هربت منها.. نعم هربت، وتحسبني مجنوناً “غبية” فقرية أنتِ يا “حياة” وغبية، أنا لست مجنوناً وكل ما في الأمر أني تركت نفسي لطبيعتي تزينني، شعري أعلم أنه طول وطاش وهرب من سكونه، ملابسي أصبحت رثة وكيف لا وهذا كله تكتيك، غبية لا تفهم، قاتلة لا قلب لها، هربت يا حياة وعدت، عدت مجنوناً في عيونهم وعينيك الخضروان، جئتِ إليّ قلتي أرجع معي عُدّ إلى بيتك وتخيلتني مجنوناً وسأعود معك إلى “الموت” غبية، وفقرية.. ومجنونة نعم أنتِ مجنونة يا “حياة” ولن أعود.. ولن يعود يا “حياة” سيدور في القرية يهذي، يذكر اسمك دائماً ويصحبه بوصفك بالشيطانة ومندوبة عزرائيل.. سيدور الشاب على كل بيت يحذرهم من وجودك، يحفزهم على قتلك، لا يسمعونه، يغلقون أبوابهم في وجهه، لا يمل الشاب ولا يتراجع، يحاول، ويحاول، ثم يحاول أن يبعدهم عنك، أن يعيدهم إلى الحياة يا “حياة” نسيت أهل القرية الحياة وأصبحتِ أنتِ “الموت” وبموتك ربما تعاد إليهم الحياة، هكذا فكر المجنون، هكذا قرر المجنون، هكذا قتلك المجنون، هل تذكرتي الآن “الموجوعة” عندما أتت في أحلامك ولم تجلب معها أحد، خفت منها يا “حياة”.. ارتعبتِ قمتي من نومتك فزعة، قولها كما هو “المكتوب أنكتب.. والنصيب أتنصب.. وملناش بعد الحياة غير الحياة.. الموت هو السبيل.. وهو النجاة” تلفين في البيت كالمجنونة، تتساءلين صحتي زينة، ومش بشكي بمرض، ليه أموت..؟!.. ما المكتوب خلاص أنكتب يا حزينة، دخل الشاب من الشباك، كنتِ قد منعتي هذا اليوم الزيارات، كنتِ وحيدة يا “حياة”، وحيدة، وفقرية، وغبية، ومجنونة، خبط الشباك بقدمه فتألم وأصدر فرقعة في الليل فأفزعك من نومتك، حسبتيه الريح، ولم يكن، كان هو “رحيم” وقد انتزعت منه الرحمة، سعدتي بوجوده، جريتي نحوه، كان نظيفاً ولامعاً، كان بنفس وسامته القديمة، خلع عنه الجلف والقذارة، حلق شعره وسبسبه، لبس جلباباً أبيضاً نظيف، كان وسيماً ونظرته حانية، تحسبيه هكذا ولم يكن، أخرج سكينه وذراعك يلتف حول عنقه، أخرج سكينه وشفاهك تدغدغ شفتيه، أخرج سكينه وعيناك تتملى من وجهه المليح، أخرج سكينه ولسانك يقول له “أوحشتني”، أخرج سكينه ونغزه في ظهرك، تألمتِ يا “حياة”.. قلتي “لماذا”..؟، لم يرد عليكِ ولكن جاءت الموجوعة إليكِ احتضنتك وبكت ثم قالت:

“المكتوب أنكتب.. والنصيب أتنصب.. وملناش بعد الحياة غير الحياة.. الموت هو السبيل.. وهو النجاة”

 تمت

21/مارس/2013