اللغة من منظور علم النفس التطوري

اللغة هي قدرة ذات أحجام مذهلة : ( إذ بمجرد عمل ضوضاء من خلال افواهنا، يمكننا توليد تراكيب دقيقة من الأفكار التي تبرز في اذهان بعضنا بعضاً) اللغة هي موضوع هائل التعقيد ، ولايمكن لموضوع موجز أن يوفيه حقه . ساقتصر في هذا الموضوع على تركيز أهتمامي على موضوعين يشغلان اهتمامي مركزيا بالنسبة لباحث لغوي ومهتم بعلم النفس التطوري (1) هل اللغة هي تكيف (2) واي مشكلات تكيفية إذا وجدت ، تطورت اللغة كي تحلها ؟

هل اللغة تكيف أم انها منتج ثانوي ؟

كان هناك طرفان في هذا السجال . على أحد الطرفين يقف نعوم تشومسكي ، عالم اللسان الشهر ، وغاي غولد عالم الإحاثة الراحل . لقد جادلا بأن اللغة ليست تكيفاً على الإطلاق ، وإنما هي بالاحرى نتاج ثانوي أو اثر جانبي للنمو الهائل للدماغ البشري .

يقر تشومسكي وغولج بأن نمو الدماغ البشري ذانه قد نتج عن الانتقاء الطبيعي . تتمثل حجتهم في أنه بعد ان وصل الدماغ الى حجمه وتعقيده الراهنين ، برزت اللغة تلقائياً وببساطة بمثابة واحدة من العديد من الاثار الجانبية . اقترحا انخ حين تضع معاً البلايين من الاعصاب في رزمة ضمن الحيز الصغير الذي تغلفه الجمجمة ، ستتجسد اللغة ببساطة . والأمر اشبه ما يكون بالحرارة المتولدة عن مصباح القراءة ؛فأنت لا تستطيع ان تبني مصباحاً مصمماً لبث الضوء بدون ان يولد مية معينة من الحرارة بمثابة منتج ثانوي . اللغة بالنسبة للدماغ البشري الكبير هي كالحرارة بالنسبة لمصباح القراءة اي منتج ناشىء ولكنه ليس مركزياً بالنسبة لوظيفته او غايته .

إذا كان هذا التفسير يبدو واضحاً في حالة المصباح إلا أنه غامض نوعاً ما في حالة اللغة ، وذلك لأن القوانين الفيزيائية التي تولد الحرارة كمنتج ثانوي معروفة تماماً ، إلا انه لم يتم بعد تفصيل القوانين الفيزيائية الخاصة بالتقارب الشديد لرزمة الأعصاب المضغوطة التي أتاحت بروز اللغة . في الحقيقة يجد البعض ان حجة تشومسكي وغولد باطنية صوفية بعض الشيء . يبدو أن تشومسكي وزملاءه قد لطفوا مؤخراً موقفهم هذا كي يتيحوا مجالاً لإمكانية ان تكون اللغة تكيفاً متطوراً ، حيث اقترحوا أن اللغة البشرية يمكن ان تكون قد تم توجيهها بفعل ضغوط انتقائية خاصة ، فريدة بماضينا التطوري ، أو كأحد مفاعيل (منتج ثانوي ) أنواع أخرى من التنظيم العصبي .

قاد عالم النفس التطوري ستيفن بنكر الطرف المقابل من هذا المدى المفهومي لتوصيل المعلومات ، يجادل بنكر بأن البنية العميقة لقواعد اللغة فائقة الجودة في تصميمها لخدمة وظيفة الاتصال ، بحيث لايعقل ان تكون مجرد منتج ثانوي عارض لأدمغة كبيرة . تتضمن هذه القواعدد عناصر كونية عبر اللغات : أي الفئات المعجمية الكبرى من مثل الأسماء ، الافعال ، النعوت ، وحروف الجر . أنها تتضمن قواعد تحكم بنية الجمل كما تتضمن قواعداً للترتيب التسلسلي الذي يحدد أي كلمات يتعين ان تأتي قبل وبعد ضمن جملة معينة كي تعبر عن معنى مضبوط .

تحتوي كل اللغات على لواحق وبوادى تشير الى التوزيع الزمني للحدث ( في الماضي ، الحاضر أو المستقبل) وعلى العديد من المكونات الأخرى الجوهرية والكونية .

يشير بنكر إلى أن الأطفال يصبحون متحدثين بطلاقة بجمل معقدة قواعديّاً في مرحلة مبكرة من الحياة ، في سن الثالثة عادة ، وبدون أي تعليم رسمي أو تدريس .إنهم يلتزمون بقواعد لغوية خفية فعلاً لا تظهر بجلاء في بيئاتهم . وفي ما يتجاوز ذلك ، ترتبط اللغة بمناطق نوعية من الدماغ- منطقة فيرنيك ومنطقة بروكا ويؤدي الاذى اللاحق بهاتين المنطقتين إلى إعاقة اللغة المحكمية .يبدو المجرى الصوتي لدى البشر ، على النقيض من الرئيسات الأخرى مصمماً خصيصاً لإصدار العديد من الأصوات التي تحتاجها اللغة على سبيل المثال حيث تقع الحنجرة أسفل البلعوم . وأخيراً فإن إدراكنا السمعي ،أي آلياتنا لسماع الأصوات يبدي تخصصا دقيقاً مكملاً يتيح لنا فك شيفرة اصوات الكلام الصادرة عن البشر الآخرين .يقترح بنكر ، أنه عندما تجمع كل هذه النقاط معاً فإنها تشير بقوة إلى ان اللغة هي تكيف ، تماما على غرار التحديد المكاني صوتياً لدى الخفافيش أو مجسات الاستشعار لدى الحشرات ، او الابصار المجسم لدى القردة . تبدي اللغة تعقيدات تصميم كونية لتوصيل المعلومات ، ويتمثل التفسير الوحيد المعروف لاصول البنى العضوية المعقدة في التطور من خلال الانتقاء الطبيعي . يتمسك بنكر بالقول إن اللغة هي (غريزة) بمعنى أن الناس يعرفون كيف يتكلمون بالمعنى ذاته تقريباً الذي تعرف فيه العنكبوت كيف تنسج شِباكها ……. فاللغة هي تكيف لتوصيل المعلومات .

أي مشكلات تكيفية تطورت اللغة كي تحلها ؟

تتمثل النظرية السائدة حول وظيفة اللغة في كونها قد تطورت لتيسير الاتصال اي تبادل المعلومات بين الافراد . يمكن لتبادل المعلومات أن يساعد في تنوع لا محدود من المهمات تقريباً: تحذير الاصدقاء والعائلة من الخطر ، اعلام الحلفاء حول موقع التوت البري الناضج ، تنسيق ائتلاف بغية الصيد او الحرب ، توفير تعليمات لبناء الملاجىء ، الأدوات ، أو الاسلحة ، والعديد من الأشياء الاخرى . الا انه خلال العقد المنصرم تم اقتراح ثلاث نظريات متنافسة حول وظيفة اللغة ، وتتضمن كلها وظائف اجتماعية .

اولها فرضية الاقاويل الاجتماعية (دونبار ، 1996) . تطورت اللغة تبعاً لهذه الفرضية ، لتيسير التلاحم بين مجموعات كبيرة من البشر . يجادل عالم التطور روبن دونبار بأن اللغة قد تطورت كي ترتب الشبكات المعقدة من ائتمانه على سر ، من يمكن ان يكون صديقا جيدا او شريكاً في ائتلاف ، أي التحالفات تبدي علائم على التمزق ومن يتمتع بسمعة القيام باي عمل تجاه من يجادل دونبار بأن اللغة هي شكل من أشكال (التهئية الاجتماعية) وحيث إن حجم الجماعة قد ازداد فلقد اصبح من المستحيل ماديّاً تكريس الوقت الضروري لرعاية حلفاء المرء ماديّاً والعناية بهم ، كما تقوم الشمبانزي بذلك. تطورت اللغة لتعزيز التماسك الاجتماعي ضمن الجماعات الكبيرة من خلال الاقاويل بمعناها الأوسع – اي تبادل المعلومات حول من هو فاعل ماذا لمن ؟.

فرضية العقد الاجتماعي : تمثل فكرة اخرى حول اصل اللغة ووظائفها (ديباكون ، 1997) تبعاً لهذه الفرضية ، اصبحت مشكلات الاقتران أكثر إشكالية حين برز اصطياد الطرائد الكبيرة . تعين على الرجال ترك قريناتهم وحدهن خلال خروجهن إلى الصيد ، مما يهدد بالخيانة والتعرض للاستغلال . تطورت اللغة ،تبعاً لهذه الفكرة ، لتيسير عقود زواج صريحة .أمكن للرجال والنساء التعهد علناً بالتزاماتهم الاقترانية ، معلنين لبعضهم بعضاً ولكل الاطراف الاخرى في الجماعة بأن قرينهم معصوم عن الآخرين . تجابه هذه الفرضية صعوبات جدية : تفشل في تفسير كيف تتشكل الجماعات الكبيرة المتماسكة في الأساس ، كما تفشل في تفسير لماذا تبدو أنواع اخرى انها حلّت مشكلات الاقتران هذه بدون اللجوء الى اللغة ، كما تفشل في تفسير لماذا يشيع فشل عقود الزواج .

سُميت فرضية ثالثة بفرضية شهرزاد على غرار البطلة الرئيسية في ألف ليلة وليلة (مليلر ، 2000) أمتعت شهرزاد الملك ، كي تتجنب التعرض للقتل ،بقصص مسلية بحيث يقرر كل صباح عدم قتلها ، تتمثل الحجة هنا في ان الدماغ البشري الكبير هو أساساً اشبه ما يكون بذيل طاووس –اي عضو جنسي منتقى تطور للتدليل على اللياقة الاعلى للاقران الممكنين . فمن خلال إبهار الأقران الممكنين من خلال الفكاهة ، النكتة ، والقصص الغريبة وسحر الكلمة ، يحوز أولئك الذين يتمتعون بمهارات لغوية أعلى على أفضلية في الاقتران على منافسيهم المتلعثمين ، القاصرين عن التعبير . وكما أشار بنكر وبلوم (1990) كون زعماء القبائل هم غالباً متحدثين موهوبين وجد مزواجيين لهو حافز رائع لاي خيال لا يستطيع ان يتصور كيف ان المهارات اللغوية كان بإمكانها تحقيق فارق دارويني. تصادف فرضية الانتقاء الجنسي حول أصل اللغة عدداً من المشكلات تبدي التكيفات المنتقاة جنسيّاً نموذجيّاً فروقاً جنسية ملفتة حيث لدى الرجال والنساء قدرات لغوية متساوية تقريباً. تبرز التكيفات المنتقاة جنسيّاً نموذجيّاً عند البلوغ اي حين يدخل الافراد في تنافس على الاقتران ، بينما تبرز اللغة غيب مرحلة مبكرة من الحياة، حيث تبلغ درجة عالية من التطور في سن الثالثة.

مع أن هذه الفرضيات تناقش أحياناً وكأنها متنافسة او متعارضة ، الا أنه من الممكن تماماً ان تكون اللغة قد تطورت لحل عدة أنواع مختلفة من مشكلات التكيف ، ايّاً كان الدافع البدئي لبروزها . تستعمل اللغة حقيقة ، وتبدو مصممة جيداً لتبادل المعلومات حول العالم الفيزيقي ، كما الاجتماعي في الآن عينه ، وبالتالي لايمكن صرف النظر عن النظرية السائدة القائلة بتوصيل المعلومات الا انه منذ تطور اللغة لايوجد مبرر للاعتقاد بأنه على الانتقاء تحديد استخدامها في وظيفتها الأصلية فقط ، بل كان بإمكانها ان تحرز المزيد من التطور ، من خلال استخدامهافي التلاحم الاجتماعي ، مراقبة المخادعين ، مغازلة الأقران ، تحرير عقود الزواج ، وإقامة معاهدات صلح مع الجماعات المجاورة . كما كان بإمكانها أن تتطور كذلك للتأثير في الآخرين والتلاعب بهم – وهو ما سُمي (الذكاء الميكافيللي ) لقد تم تجريبيّاً على سبيل المثال ، توثيق استخدام الناس للغة والأقاويل روتينيّاً للتلاعب بالسمعة الاجتماعية ، من مثل الحط من قدر منافسيهم ، في خدمة التنافس على الاقتران .

موجز القول ، مع أن الصيغ المبكرة شددت على التواصل او تبادل المعلومات بمثابة الوظيفة المتطورة للغة ، فإنه من المرجح ان اللغة أحرزت المزيد من التطور لاحقاً ، او اختيرت لحل طائفة من المشكلات التكيفية الاجتماعية .

بتصرف عن كتاب علم النفس التطوري ترجمة الدكتور مصطفى حجازي