عندما وصلنى خبر وفاة الدكتور نصر حامد أبو زيد، بكيت! لم أبكِ منذ أن توفيت والدتى رحمهما الله! كنت أتوقع هذا الخبر، ولكن مع ذلك شكل صدمة حقيقية لى!

لقد شكل الدكتور نصر حامد أبو زيد بالنسبة لى “الثورة الشخصية” على الموروث! جعلنى أرى دينى وكل الكتب، بشكل مختلف. لقد أوجد هذا الرجل فى الإيمان، بأن النص خلق للإنسان ولم يخلق الإنسان للنص! قبلها كنت أحيا الأزمة مع هذا النص، أدافع مثلما يدافع كل من يعلقون ضد ما أكتب عندما أقول لهم بأن ينظروا فيما هو أبعد من هذا النص،.. إلى روح هذا النص! إلى المعنى فيه، ومواكبة العصر به!

لقد انتشلتنى آراء الدكتور أبو زيد، من حالة من التطرف! كنت مثل الكثيرين، ممن مضوا خلف من كفره، ثم وعندما تعرض زعيم “مُكفريه” الدكتور عبد الصبور شاهين للهجوم، على خلفية كتابه “أبى آدم”، كان على أن أتوقف: لأرى ما السبب؟ لأننى شعرت أنها دائرة، كلنا ستسقط فيها حالما عبرنا عن آرائنا! يومها قرأت مصادر دراسات الدكتور نصر لأجد أن كتب السيرة تؤيد ما ذهب إليه هذا العبقرى، الذى أعاد قراءة النصوص، ليُحررها من مكامنها! فهمت وقتها لماذا لا تريد لنا “الوهابية” المستوردة والوهابية المحلية المدعمة من الخارج، ألا نعتد بتاريخ الإسلام منذ أن نشأ وحتى اليوم! إنهم يريدون تغييبنا، لأن الأموال التى تأتيهم من الخليج مُفرطة الكثرة!

وهنا يستوجب على أن أقول حقيقة معلوماتية مهمة، هى أن عبد الناصر عندما خرج منتهجاً حرباً “لفظية” ضروس ضد السعودية فى أواخر الخمسينات، لم يستطع أن يواكبها الملك سعود بن عبد العزيز وقتذاك، ذهب الأخير إلى أمريكا شاكياً، فاقترح عليه مدير وكالة المخابرات الأمريكية آلان دالاس، أن يحارب عبد الناصر من خلال “القومية الإسلامية” التى يمكنها أن تقضى على “القومية العربية”، وتُزلزل كيانها! وبدأت السعودية فى استضافة الإخوان المسلمين نكايةً فى عبد الناصر وتكسيراً لعظام الأمة، ولذا جاء صرف المال على أنشطة الإخوان وكل ما من شأنه أن يغير ثقافة مصر بأكملها، حتى لا “يستجرى”، أن يقف فى وجه السعودية مرة أخرى! أى أن الإخوان المسلمين والسلفيين، ما هم إلا صناعة أمريكية، ليهدموا ثقافة هذا البلد ولا أظن أن آلان دالاس، كان شيخاً وهابياً!!

فكان المال، الذى “صُب” عليهم، صباً، وكأنه برميل من النفط اللانهائى! ومن أجل المال، كان يجب محو تاريخ الإسلام وتشويه العلمانية، وتشويه كل من يفكر من وحى السيرة ويجدد الدين، كما جدده يوماً الخليفة عمر بن الخطاب، عندما “عطل” حدود، لم تكن لتتماشى مع ظرف من ظروف الأمة! وحتى لا نستقى من عمر بن الخطاب وأمثاله، رضى الله عنهم، كانت الخطوة الثانية، بأن يفرق، هؤلاء الشيوخ، عُملاء الوهابية، بين عقول الماضى وعقول الحاضر، ويقولوا بأن هؤلاء “الصحابة” كانوا مختلفين عنا نحن! ثم كانت الخطوة الثالثة، بأن “قدسوا” رجال الدين المعاصرين، ليخلقوا “كهنوت” إسلامياً، ما أنزل الله به من سلطان، وحتى يكون للشيوخ اليد الدينية العُليا و”يخطفوا” الدين من قلوب المؤمنين ويقولوا، إن على “الدارسين” فقط الحديث فى الشأن الدينى، مخالفين آيات الله ومزايدين عليه عز وجل، فى أن الدين للناس أجمعين! ومع وجود الكهنوت، أصبح الناس يسألون عن أشياء، إذا تُبد لهم تسؤهم، بإفراط فى التنازل عن العقل، لأن الكهنوت عمل بالموازاة مع الحُكام، فى جعلنا مغيبين عن العقل والمنطق، وأصبح يملك الدين وحده، دون السماح لأى شخص بأن يتكلم فى شأن دينه ودُنياه، ومن يتكلم يتم تكفيره ليرتدع غيره!

ووفقاً، لرؤى الدكتور نصر، فإن القرآن حواراته عقلانية، ويقول هذا “الكهنوت الإسلامى” بأنه يؤمن بتلك العقلانية، بينما لا يؤمن بها لنفسه أو لمن دونه، وبالتالى، يخلق هذا الكهنوت تناقضاً، بين فهمه للنص وفهمه للحياة، وبالتالى، فإن ما يتكلم به، إنما يكون فقط تباهى بالنصوص، وليس بما تنص عليه من فحوى! ويُكمل الدكتور، بأن الله جادل الشيطان، وكان الشيطان يرد عليه، وفى النهاية يقول أعضاء الكهنوت لكل واحد منا: “لا تجادل”.. فى تغييب أحمق بعيد عن النص وروحه، وكأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه!

قال الدكتور نصر أيضاً، إن “الناس مرعوبة من كلمة العلمانية، ومش فاهمة أن فصل الدين عن الدولة لا يعنى فصل الدين عن المجتمع، .. هذا الكلام أنا قلته وتعبت فيه!.. لا تستطيع قوة أن تفصل الدين عن المجتمع! واللى حصل فى أوروبا مش صحيح، إن الدين انفصل عن المجتمع! الناس بتاخد مقياس أن الناس ما عادتش تروح الكنيسة!، لأن المعركة الكبيرة كانت ضد الكنيسة! لكن الناس متدينون! يعنى مرواح الكنيسة وعدم مرواح الكنيسة ما هواش علامة التدين! التدين ظاهرة ثقافية وحضارية!.. المشكلة أنك لما تتكلم مع عالم علمانى فى أوروبا عن القدس.. يقوم يقولك، بس القدس دى حاجة فى الكتاب المقدس!.. فبالرغم من كونه علمانياً، فثقافته الدينية تتحكم فى مواقفه السياسية!”.

روى لى صديق، عن واقعة كان مثلى فيها حيال الدكتور نصر فى البدايات، عندما ذاع صيت خلاف الدكتور نصر فى أواسط التسعينيات، على خلفية رؤاه التنويرية فى النصوص الدينية، وحينما وقفت ضده قوى الرجعية، .. رأى صديقى هذا مثلما رأيت، وتتبُعاً للعقول المنغلقة، بأن الدكتور نصر مرتد.. ووقتها رفض الدكتور نصر النطق بالشهادتين فى مصر أثناء المعركة، للتدليل على إيمانه الإسلامى! إلا أن صديقى، ذهب إلى أول ندوة للدكتور فى هولندا، وكان ذاهباً بأفكار مُسبقة، للرد فقط على الدكتور بعد انتهاء ندوته، مُكفراً إياه! ولكنه فوجئ بالدكتور يبدأ الندوة، بمقولة “لا إله إلا الله، محمداً رسول الله” وأكد، أنه ينطق بالشهادتين فى أول ندوة له، فى أوروبا، حتى يبتعد عنه من يظنون أنه يحارب الإسلام، ويعرف الجميع، إنما هو عالم، “يساهم” فى تحرير النصوص! وحينها قام كل من كان يعتقد خطأً بأن الدكتور نصر أبو زيد، كان يحارب الدين وبقى الأكاديميون من طلبة العلم ومن رأى أنه كان يعمل على التجديد من أجل حياة المؤمنين!

إن وفاة الدكتور نصر اليوم، هى مناسبة لبعث رسالة قوية لكل المصريين على اختلاف دياناتهم، بالاختيار ما بين التجديد وتحرير النصوص أو المضى وفقاً لعبادة النص، خارج إطار الزمن ليستمر النفط “المسكوب” على شيوخ التغييب أو العطايا الأجنبية لمن دونهم والسلطة فى إفساد العقول! إن كل من يريد لمصر الخير، سيمضى خلف طريق الدكتور نصر حامد أبو زيد، فى طريق التجديد، محارباً مُغيبى المصريين، من أجل ثمن قليل يمنعون به العلم عن العقول ويعملون عُملاء، غير مباشرين، لوكالة المخابرات الأمريكية! وليتذكر الجميع، أن الدكتور نصر حامد أبوزيد، لم يكن فقط مُسلم النظرة، وإنما كان مصرى بل وإنسانى النظرة بالأساس!

وأخيراً، أستلهم من كلمات أغنية للمطرب المصرى الأصيل، مدحت صالح، فى وداع العبقرى الإنسان الدكتور نصر حامد أبو زيد:

النور مكانه فى القلوب
احضن خيوط شمس الغروب
يا تكون قد الحياة
يا تعيش وحيد وسط الدروب

اليأس ضعف وخوف جبان
لكن الأمل يفتح بيبان
يا تكون قد الحياة
يا تعيش وحيد وسط الدروب

المس خضار الشجر
حس بضياء القمر
انقش قلوب على الحجر
على شىء ما تندمشى
يمّك قوام عديه
امشى الطريق امشيه
العمر إيه يرويه غير قلب مايخافشى.