أتوبيس رقم 15

بدأت القصة هكذا.. استيقظ في السادسة صباحاً.. فطر في السادسة والنصف.. وإلى عمله ذهب في السابعة.. وصل في نفس ذات الوقت الثامنة.. ثم.. في العمل انكب وعمل ثم عمل حتى انتهي الموعد.. في الثانية بعد الظهر تماماً.. أغلق دفتره.. وجري ليلحق بأتوبيس 15 المتجه لمدينة نصر.. يجري هكذا كل يوم ويلهث.. وكل يوم يلحقه في موعده.. وصل البيت في الثالثة عصراً.. أكل في الثالثة والربع.. ثم نام القيلولة.. نام.. ثم استيقظ.. نظر إلى ساعته.. وجدها متوقفة.. نظر وزاد في النظرة.. طالت النظرة أكثر فأكثر.. فلما لم يجد الساعات متراصة أمامه في وقفتها المهيبة.. ابتسم.. ثم نام.

انفصال

ثار الجسد على الروح وقررا الانفصال.. وكان.. طلب الجسد من الروح الرحيل.. لكونه صاحب الأرض ومنها.. وافقت الروح سعيدة.. وبدأت في رحلتها المقدسة.. تدريجياً ومن أصغر أصابع القدم.. بدأت في الصعود.. كانت تمشي برقة وعذوبة كما لو كانت ترقص رقصتها الأخيرة.. ظلت ترتفع وترتفع في رحلتها تلك.. تجمع معها أشياءها المهملة هنا وهناك.. الجسد سعيداً بانتهاء تلك التوأمة.. والروح أيضاً سعيدة.. ترقص أثناء رحلتها.. ويصمت الجسد.. تطير أثناء رحلتها الخالدة.. ويصمت الجسد.. تغني فلا يخرج عن غناها صوت.. ولا ينطق الجسد.. انتهت الرحلة.. وحدث الانفصال.. ثم حاول الجسد أن يتحرك.. فشل.. وبكى دون صوت.

نظرة

توقفت الإشارة الآن.. وتوقف معها المشهد عند هذا الحد.. الطفل مازال في وقفته المقدسة ينظر.. وأب وأم داخل السيارة.. وطفل يلعب في خصلات شعر أمه.. الأم تسأل زوجها عن الساعة.. تقول:

- لقد تأخرنا.. ألم يئن لتلك الإشارة أن تتحرك..؟!

الزوج ينظر في ساعته.. علامات القلق على وجهه تظهر.. الطفل مازال يلعب في خصلات الأم.. الإشارة تحركت.. السيارة بدورها ببطء تحركت.. الأم قلقة على ميعادها.. والأب يخنقه الزحام والزن.. والطفل يلعب في خصلات أمه والأم تنظر في ساعتها.. والمشهد توقف الآن.. عند تلك النظرة التي لم يشعر بها أحد.. كانت نظرة من الولد “محمد” بائع الفل في الإشارة.

يوم القيامة

قررت الشمس التخلي عن كل مناصبها وأعمالها.. ثم تبعتها الريح.. والجبال والبحار.. وبالليل لم يخرج القمر ولا النجوم.. حالة من الغضبة والثورة.. الليل أصبح لا يرضى عن وجوده ليلاً.. ولا النهار يرضيه استيقاظه كل يوم صباحاً.. واستيقظ الناس في هذا اليوم المشئوم فلم يجدوا النهار.. ولم يجدوا حتى ضوء القمر أو النجوم.. وعندما حاولوا التنفس صعب عليهم لم يجدوا أوكسجين يملأ رئاتهم.. فزع البشر.. وجروا نحو البحار والأنهار لعل المياه ترويهم.. فلم يجدوها.. صرخوا وقالوا:

- يوم القيامة.

قالوها وامتلأت قاعات الكنائس وساحات المساجد والمعابد بالمصلين..  وبدأ الناس في صراعهم مع نسمة الهواء الغير موجودة.. وقطرة المياه النادرة.. والضياء الذي ضل طريقه وتاه.. كالوحوش تماماً.. انتشر القتل بين البشر.. فالدماء تروي بلا شك.. وظل المشايخ والقساوسة يصرخون (الأهوال قادمة).. والأهوال لا تحتاج أصلاً القدوم فقد انتشرت جثث البشر في كل طريق.. وقتل الأب لبنيه.. أو الأخ لأخيه.. أصبح من الأمور المعتادة.. حتى.. انتهت تلك الساعات التي لا تعرف فيها صبح من ليل.. وفي النهار انتهت الغضبة وعادت الشمس وصباحها إلى الظهور.. ففرح الناس ودُفن من في الشوارع في القبور.. وامتلأت قاعات الكنائس وساحات المساجد والمعابد بالحاضرين للدعاء والاستغفار..حتى نسوا وعادوا لحياتهم الأولى.. ولم يبقىمن تلك الذكرى سوى طعم الدماء الذي ظل في الحلوق.

خرج عن النص

يقال إن الكاتب قد ترك قصته ورحل، كان الأبطال فيها متراصين في جمل فوق السطور، الصراع كان على أشده، حزن، غضب، سعادة، ورقص، ثم عديد.. مشاعر تراصت في الجمل ما بين الأبطال، وكان بينهم ذلك الجالس هناك في نهاية السطر الخامس من الجملة السابعة والخمسين بالقصة، أسمه كان “عسران” قصته تتلخص في اسمه، حب لم يكتمل، وأم ماتت بفقرها، وفقر ظل يضربه مع كل جملة كتبها الكاتب، “عسران” وهذا اسمه لم يرض.. “عسران” وهذا اسمه قرر الهروب، “عسران” وهذا اسمه لملم كلماته وجمله وأحداث كان قد خطهم الكاتب، ورحل.. رحل تماماً ككاتب النص الذي ترك قصته مفتوحة، وفي السطر الخامس من الجملة السابعة والخمسين عرف سكان القصة أن “عسران” لم يعد بينهم فوق السطور، وقيل أنه انتحر.