تعرضنا فى المقالة السابقة الى الحق الاول من حقوق الانسان وهو الديمقراطية وحق التداول السلمى للسلطة وانعكاساته فى الفكر الدينى ، وفى هذه الحلقة ستناول الحق الثانى من حقوق الانسان لنرى ايضا راى الدين فيه .

- حرية العقيدة

سنتحدث ان آيات فترة الاستضعاف التى يحتج بها الاصلاحيون ونرى هل كانت حقا تكفل الحرية المطلقة للعقيدة ام لا ؟ ، وذلك حسب تفسير السلف الصالح الذى لايخرج عنه احد من المفسرين المحدثين .
** يقول القرآن :
( قل الله اعبد مخلصاً له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه . ” و لنقرأ باقى الآية (15) حتى لانكون كالقائل ” ويل للمصلين ”
” قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15 ) هُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُون )ِ
- تفسير بن كثير
- ( قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ) وهذا أيضا تهديد وتبروء منهم على سبيل التهكم والتهديد كقوله: ( ذق إنك أنت العزيز الكريم )الدخان:49. و كقوله: ( كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ) المرسلات:46، وكقوله ( فاعبدوا ما شئتم من دونه …)
- تفسيرالقرطبى
( فاعبدوه ما شئتم من دونه ) أمر تهديد ووعيد وتوبيخ، كقوله تعالى: ( اعملوا ما شئتم )
- تفسير البغوى
( قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ) أمر توبيخ وتهديد، كقوله: ( اعملوا ما شئتم) فصلت40
- تفسير الالوسى
(فاعبدوا ما شئتم ) أن تعبدوه ( من دونه ) عز وجل ، وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كي يحل بهم العقاب ( قل إن الخاسرين ) أي الكاملين في الخسران وهو إضاعة ما بهم وإتلاف ما لا بد منه لجمعهم أعاظم أنواع الخسران
- تفسير البحر المحيط
( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) . والمراد بهذا الأمر الوارد على وجه التخيير المبالغة في الخذلان والتخلية . انتهى . وقال غيره : ( فاعبدوا ما شئتم ) : صيغة أمر على جهة التهديد لقوله : ( قل تمتع بكفرك )
- تفسيرالرازى
ولا شبهة في أن قوله : ( فاعبدوا ما شئتم من دونه ) ليس أمرا بل المراد منه الزجر ، كأنه يقول لما بلغ البيان في وجوب رعاية التوحيد إلى الغاية القصوى فبعد ذلك أنتم أعرف بأنفسكم ، انتهى .

من كل ماسبق نرى ان كل المفسرين على ان الامر للتهديد والتوبيخ والزجر ولم يفسر احد الايه على انها للتخيير وحرية العقيدة ….!!

** يقول القرآن :
( قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
ونقول ايضا.. اكملوا الاية
( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا )
- تفسير الطبرى
وليس هذا بإطلاق من الله بالكفر لمن شاء، والإيمان لمن أراد، وإنما هو تهديد ووعيد.
- تفسير بن كثير
( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: ( إِنَّا أَعْتَدْنَا ) أي: أرصدنا ِ( للظَّالِمِينَ ) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ( نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) أي: سورها.
- تفسيرالقرطبى
وليس هذا بترخيص وتخيير بين الايمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة.

ومن خلال تلك التفسيرات يتضح ايضا انها ليس حرية عقيدة ولكنها من باب التهديد والوعيد …. فاين حرية العقيدة ؟

** يقول القرآن :
( لكم دينكم ولى دين ) . وايضا نقرأ السورة من اولها ( قل يأايها الكافرون ) وعلى نفس منوال الآيتين السابقتين ، فهى ليست تخييرا ولكنها وصما بالكفر لمن لايؤمن بالاسلام .

اذن فحتى ايات مكة التى يتذرعون ان بها حرية عقيدة بقتطاع جزء من الايه ونزعه عن سياقها ، ولكن المفسرون القدامى يفسرونها ف سياقها الصحيح دون اجتزاء .

ثم نأتى الى رؤية المؤسسات الدينية لحرية العقيدة فى كل من السعودية ( الراعية الاولى للدين) ومصر ( الراعية الاولى للتدين )  :

ــ بمناسبة ماقيل عن اسلام ” كاميليا شحاته ” زوجة القس تداروس سمعان كاهن كنيسة دير مواس والتى اثارت ازمة بين رجال الدين الاسلامى والكنيسة المصرية نظرا لاحتجازها داخل الكنيسة . تطالعنا صحيفة المصرى اليوم بعددها الصادر 9/9/2010 بكلمة فضيلة الدكتور على جمعة مفتى الديار الاسلامية خلال الامسية الرمضانية التى نظمها المجلس المصرى للشئون الخارجية يوم 7/9/2010 : ( نؤمن بحرية العقيدة . واذا كان ولد او بنت اعتنق الاسلام فلايجوز من الناحية الدينية والاسلامية والانسانية ان نكرههما على تغيير عقيدتيهما ، فهذا امر بينهما وبين الله ، اما اذا كانت هناك جهة معينة تكره الناس فنحن ضدها ، لان هذا يعتبر اكراها ) انتهى

ونلاحظ فى هذا التصريح انه يتحدث عن حرية العقيدة للمسيحى الذى يعتنق الاسلام ، فلايصح من الناحية الدينية والاسلامية والانسانية …. !! مدينا بطريقة غير مباشرة احتجازها بالكنيسة ، فهى اختارت الاسلام وهذا حقها فى حرية العقيدة …!! ولكن فضيلته لم يقل لنا : ماذا عن حرية العقيدة للمسلم الذى يعتنق المسيحية …؟؟ حيث يبدو ان حرية العقيدة فى اتجاه واحد ” ” one way ” ” من المسيحية الى الاسلام فقط ….!!”

ــ ومنذ عدة سنوات تطالعنا مجلة روزا اليوسف المصرية بعددها رقم 3871 بما اطلق عليها وقتها ” الفتوى القنبلة ” وتبدأ بالديباجة : ( مراعا للظروف الصعبة والشديدة التى يمر بها العالم الاسلامى ، وحركات التشويه المنظمة ضد الاسلام ، واتهامه بأنه يحرض على الارهاب ومصادرة الحريات) فقد اجتمع بعض مشاهير رجال الازهر فى اجتماع طارئ لهم حول هذا الشأن برائاسة الدكتور ( عبد المعطى بيومى ) بلجنة العقيدة والفلسفة التابعة لمجمع البحوث الاسلامية بالازهر وانتهى الى اصدار توصية بعنوان ( حد الردة فى ضوء العقيدة الاسلامية) تقول :

( اذا ارتد المسلم وفارق الجماعة فإن أمره متروك لولى الأمر .. فإن كانت ردته لاتمثل خطرا على المجتمع .. له أن يستتيبه مدى الحياة دون أن يكون جزاءوه القتل ، أما إذا كانت ردته خطرا على الأمن العام وأصول المجتمع يحق لولى الأمر قتله ) بمعنى أنه استبدل الاستتابة ثلاثة ايام ثم القتل ، بالاستتابة مدى الحياة دون القتل . وطبيعى فى هذه الحالة للمتهم ان يكون مسجونا ويحضر كل حين الى القاضى ليسأله : هل رجعت الى الاسلام ، فاذا استمر يعود الى محبسه حتى يستتاب مرة اخرى .. وهاكذا ..!! يعنى اما قتيل .. واما سجين مدى الحياه !!، وحتى لايتهم اعضاء اللجنة بانكار معلوم من الدين بالضرورة والخروج بتشريع جديد لم يقوله قدامى الفقهاء ، فقد اوضحوا ان الامام النخعى رأى ان المرتد يستتاب ابدا ، ولهذا أخذوا بهذا الرأى .

ويعن لنا سؤال ــ لماذا قال الامام النخعى فى زمانه إن المرتد يستتاب أبدا ، وهو قول جديد فى زمانه عمن سبقوه الذين قالوا بالاستتابه ثلاثة ايام فقط ثم القتل ، ولم يخف من تهمة إنكار ماهو معلوم من الدين بالضرورة …؟! وهل عقمت النساء ان تلد نخعيا جديدا يقول إن حرية العقيدة مكفولة للجميع حيث ان الدين ( اى دين) لايحتاج الى منافقين …!!

ويلاحظ ان اجتماع اللجنة لم يكن رغبة وارادة وانمـــــــا (مراعا للظروف الصعبة والشديدة التى يمر بها العالم الاسلامى ، وحركات التشويه المنظمة ضد الاسلام ، واتهامه بأنه يحرض على الارهاب ومصادرة الحريات ) ، ورغم هذا فان الدكتور رأفت عثمان ( احد اعضاء اللجنة ) عارض هذا الرأى .

ــ ومع فتوى شيخ الوهابية الاشهر ومفتيها فى مملكة آل سعود والغنى عن التعريف سماحة (….!!) الشيخ عبدالعزيز بن باز تخرس كل السنة الليبراليين المتأسلمين فى موضوع حرية العقيدة وذلك ردا على سؤال : هل الاسلام يقر حرية العقيدة ؟ فاذا كان يقر ذلك فلماذا يحارب الارتداد والوثنية والإلحاد ؟ الجواب :

الحمد لله ” الإسلام لا يقر حرية العقيدة . الإسلام يأمر بالعقيدة الصالحة ويلزم بها ويفرضها على الناس ، ولا يجعلها حرة يختار الإنسان ما شاء من الأديان ، فالقول بأن الإسلام يجيز حرية العقيدة هذا غلط . ”
وبعد الاستشهاد بالآيات المدنية ( الناسخة لايات حرية الاعتقاد ) والاحاديث النبوية واشهرها على الاطلاق ( من بدل دينوه فأقتلوه ) ينتهى الى : ” فمن بدل دينه دين الإسلام بالكفر يجب أن يقتل إذا لم يتب ، فبهذا يعلم أنه ليس للمسلم حرية أن يترك الحق وأن يأخذ بالباطل أبداً ، بل يلزمه الاستقامة على الحق ويلزمه ترك الباطل ، وعليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، وينصح لله ويدعو إلى الله عز وجل ، وأن يحذر ما حرم الله عليه ، وأن يدعو الناس إلى ترك ما حرم الله عليهم ، كل هذا أمر مفترض حسب الطاقة ” انتهى .

راجع نص الفتوى على الرابط : http://www.islam-qa.com/ar/ref/129141

هذا عن المسلم إذا ارتد . فماذا عن المقولة الشائعة إن الاسلام لم يجبر أحدا على اعتناقة من مواطنى الدول المفتوحة ( المحتلة … !!) ؟؟

نحن نعلم أن النص القرآنى ارتبط بالواقع الذى انتجه ارتباطا وثيقا – وان كان رجال الدين لايوافقون على العلاقة الجدلية بين النص والواقع متوهمين الوجود الازلى فى اللوح المحفوظ ولكنهم فى النهاية يضعون علم ” اسباب النزول ” ضمن علوم القرآن – ولذا نرى ان قرآن بدايات الدعوة يختلف عن نهاياتها ، فبدءا من ( انذر عشيرتك الاولين ) وانتهاءا بسورة التوبة ” براءة ” رحلة امتدت لاكثر من اثنين وعشرين عاما تفاعل فيها النص مع الواقع .

وكان الواقع الذى انتج سورة ( التوبة ) وهى من أواخر سور القرأن ، هوفرض الهيمنة النهائية على شبه الجزيرة العربية بعد فتح مكه وتوافد زعماء القبائل للاقرار بهذا الواقع واعلانهم الاسلام ، وان بقت مايطلق علية بـ ” جيوب المقاومه ” فجاءت سورة التوبة تعبيرا عن الانتصار والتبروء من العهود بين دولة الرسول وتلك القبائل بعد تحديد الموعد الزمنى …. ونقرأ :  ( برََاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ *فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .)

وبعد نقد العهود ، طبيعى أن يمنعوا من أداء مناسك الحج على عقيدتهم الجاهلية ، وطبيعى نتيجة لهذا ان يتأثر موسم الحج اقتصاديا ، وهذا مانراه فى الجزء الاول من الآية 28 بنفس السورة :  ( يا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ….. )

وقبل ان يثار التساؤل عن تعويض عائدات الحج تمضى الآية : ( ….. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) –

ومن اين يأتى التعويض ؟

تطالعنا الاية التالية مباشرة : (قاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ومع الآية 123 من نفس السورة يتأكد الامـــــــرالقرآنى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )

إذن احتلال الدول المحيطة لم يكن أبدا هدفا لنشر الإسلام, ولكنها الجزية وهم صاغرون لتعويض عدم حج المشركين – وليغنهم الله من فضله – ولهذا لم نقرأ فى التاريخ الاسلامى كله ان قام المسلمين الاوائل بعمليات تبشير واقناع بالدين قبل احتلال الاوطان، بل كانمت الجزية … ولاشئ غير الجزية … !!

اما الذين يرددون ( الاسلام او الجزية او الحرب ) فهذا كان لقبائل الجزيرة العربية ، ولكن الامر مختلف مع دول الجوار كما اوضحنا . فلم نقرأ ان عمرو بن العاص عندما جاء لاحتلال مصر احضر معه المصحف ( فلم يكن قد كتب بعد ) او اتى معه باحكام الفقه الاسلامى او احاديث الرسول ( فلم تكن قد ظهرت للوجود بعد ) وكذا فى كل الدول المحيطة ( عهد امان نظير دفع الجزية ) ، حتى ان من يسلم من الموالى – مواطنى الدول المحتله الذين اصبحوا موالى للسادة العرب …!! – فكان يدفع الجزية ايضا حتى جاء الخليفة عمر بن عبدالعزيز بعدها بسبعين عاما ليلغى الجزية على من اسلم من الموالى ويحمل الفرق على من لم يسلم حتى لاتتأثر خزائن عاصمة الخلافة ، وتطالعنا كتب التاريخ الاسلامى بالقول المعروف : فى عصر عثمان عم الرخاء وبيعت الجارية بوزنها ذهبا ..!! ولم يسأل اى منا نفسة – من اين هذا الذهب فى جزيرة القحط ، وماهى وظيفة هذه الجارية التى تساوى وزنها ذهبا ، وهل كان هذا الرخاء فى كافة الدول المحتله او المفتوحة ام انه كان فى عاصمة الخلافة فقط .

ويطالعنا ايضا من يقول : فى عهد عمر بن عبدالعزيز عم الرخاء حتى رعى الذئب مع الشاه ، وكان منادى بيت المال ينادى – الا من محتاج – فلايجد ، وان كانت هذه من شطحات الثقافة الشفاهية ، فان احدنا لم يسأل ايضا – وماذا كانت احوال الدول المحيطة المحتله ..؟؟

اما من يقول ان الجزية كانت بديلا للزكاه ، فهذا قول متهافت فالزكاه كانت لها انصبه معروفة ولم يكن يتم التفتيش على بيوت المسلمين لحصر الذهب والفضة والريالات والدنانير. فقد كانت تدفع اختياريا وبدون ( صاغرون ) .

ومن يقول انها كانت بديل الحماية فهو ايضا قول متهافت من محتل جاء بدلا من محتل آخر . ومن يقول إنها كانت لعدم الاشتراك فى الحروب ، فلم يسمح لأى من أبناء الدول المحتله بالمشاركة فى جيوش السادة العرب الا إذا كانوا خدما للسادة وللخيول .

ويخبرنا التاريخ الاسلامى بما يسمى بـ” العهدة العمرية ” التى كانت بين مسيحى بيت المقدس والشام والخليفة عمر بن الخطاب ويطنطنون بما تحملة من كفالة حرية العقيدة متناسين ان الهدف كان الجزية وليس نشر الاسلام ، ومتناسين ماحملته باقى بنود تلك المعاهدة من شروط لايتفق اى منها الان مع المواثيق الدولية ولامستوى الرقى الحضارى الذى وصل اليه الانسان بداية من منتصف القرن العشرين وحتى الان .

ولنقرأ بعضا من نصوص هذه العهدة ، فبعد التأمين ودفع الجزية تأتى شروط الصغار ( وهم صاغرون) فنقرأ : (وأن يوقّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنّوا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً، ولا يتقلّدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم ) انتهى

ــ فهل هذه هى حرية العقيدة سواء للمسلم او لغير المسلمين ؟؟؟