الأمن مستتب…

جنودُها يَقِظُون طوال الليل، يُنَفِّذون الأوامر الموَجَّهة إليهم بمنع التقاء أجفانها، وإذا حاول أحد جفنيها أن يغافل صفَّ الرموش السوداء ليحتضن صاحبه نَبَّهَها صفُّ رموشها برعشة مفاجئة تنتفض على أثرها فيعود كل جفن إلى مكانه مستسلمًا.

قضت ليلتها تناقش نفسَها حول مقابلة ذلك الرجل، وبعد وقت لا تدرك ماهيته قررت الذهاب، فتحت دولاب ملابسها بفتور يغاير عادتها المتأنقة وارتدت أول ما وقعت عليه يداها، وفى طريقها كانت خطواتها تضرب الأرضَ وذرات التراب كأنها خطوات طفل كسول فى أول أيامه بالمدرسة، “هل تذكرين ذلك الطريق الذى طالما قطعناه؟” قالت إحدى قدميها، فعاجلتها الأخرى: “بالطبع أذكره، ولكن هل توافقين على السير هنا دون قدميه؟”…

لم تكمل الاستماع لبقية حديث قدميها حيث انشغلت بسجن دمعة تداعب عينيها؛ فإذا سمحت لدمعة واحدة باختراق حصن رموشها المنيع، فإن النهر الثائر بعينيها سيفيض محطمًا ذلك الحصن.

وصلت إلى بوابات النادى الذى حددته مكانًا للموعد، إنها ليست أكثر من جلسة تعارف ثم يتقدم طالبًا يدها للزواج، رحبت بها ألْسِنَةُ عاملى الأمن عند البوابات بينما كانت أعينهم تسألها عنه، فهى لم تعتد دخول النادى بمفردها، كانت يداها دائمًا مستندة إلى يديه، جلست إلى المنضدة المفضلة لديها، وفى غضون ثوانٍ قليلة كان عريسها الجديد واقفًا أمامها فأذنت له بالجلوس، وبمجرد جلوسه انضم إليهما وبدون استئذان جليسٌ ثالث، رَحَّبت به دموع عينيها واشتبكت مع عينيه فى حوار صامت لا يدركه غيرهما، أذناها لم تكن تسمع غير دقات قلبها المتعالية، وترن فيهما كلمات الحب التى طالما ردداها فى هذا المكان..

حتى صرخات خلافاتهما بدت فى هذه اللحظة أعذب من سيمفونيات الغزل التى يثرثر بها ذلك الدخيل. طال صمتها حتى شعر الضيف بمدى إهمالها له، واعتبر ذلك ردًا على طلبه، هَمَّ بالانصراف ولم تشعر إلا بوقع أقدامه المبتعدة عن المنضدة، نظرت إليه وهو يغادر البوابة ثم عادت عيناها لعينى حبيبها حتى يعودا اثنين فقط على المنضدة، ولكنها وجدت الكرسى فارغًا إلا من أشعة الشمس الحمراء التى أحمرت خجلاً وإشفاقًا عليها، تلفتت حولها فوجدته هو الآخر يغادر البوابة مُلَوِّحًا لها بيديه كما تَعَوَّد، مُهْدِيًا إليها نظرة حانية، واعدًا إياها بالعودة إليها فى كل مرة تحاول الحياة بدونه، وفى كل لقاء يجمعها بآخر.