أخلاقنا مصدرها العقل وليس الدين

كيف تتعارض الأديان مع الإخلاق؟

بقلم

إسماعيل حسني

أوضحنا في المقالة السابقة أن شق الطريق إلى المستقبل يتطلب توفر منظومة من القيم الأخلاقية والإجتماعية تستطيع انتزاع رواسب الماضي من نفس الإنسان، وتوجيه دفته نحو المستقبل، وتزويده بما يستلزمه التقدم من أدوات.

والحقيقة أننا منذ أن توقفت عقارب الساعة في بلادنا عن الدوران بانتصار الحنابلة والقضاء على مختلف المدارس الفكرية ذات النزعة العقلية في أواخر العصر العباسي الثاني، توقف عطاؤنا الحضاري، ودخلنا مرحلة الجمود المعرفي والأخلاقي الذي قادنا إلى عصور الإنحطاط المملوكية والعثمانية، التي زادت تراكماتها من تراجعنا في كافة المجالات.

ولقد كادت حركة الإحياء العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تنجح في تجديد منظومتنا الأخلاقية وتحديثها من خلال التفاعل مع معطيات العصر والتلاقح الحضاري مع الشعوب المتقدمة، لولا ما تعرضنا له في العقود الستة الماضية من تشوهات أيديولوجية حادة، تارة تحت راية الإشتراكية، وتارة أخرى تحت راية الأسلمة، مما قضى على إنجازات حركة الإحياء وأعادنا إلى المربع رقم واحد، حيث نعيش في القرن الواحد والعشرين بأخلاق القرن الثاني عشر.

فعلى الرغم من أن وظيفة الدين الأساسية هي تنظيم العلاقة التعبدية بين الإنسان وربه، إلا أن الأيديولوجية الإسلامية في سعيها للسلطة، وكما تفعل سائر الأيديولوجيات، قد أضافت إلى الدين وظائف كثيرة لا تتفق معرفيا مع طبيعته حتى تستطيع احتكار العلم والمعرفة في جميع مجالات الحياة باسم الدين، فاعتبرت أن الدين هو المصدر الوحيد لأخلاق المسلم، وقامت باختزال مبادئ الأخلاق فيما ورد في القرآن والسنة من مواعظ وأوامر ونواهي، وحيث أن هذه الأوامر والنواهي في زعم هؤلاء تبقى صالحة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، فلم تعد أخلاق المسلم كأخلاق بقية البشر نسبية وقابلة للتجديد والتطور بل كتب عليها الثبات والجمود إلى الأبد.

ولقد روج الإسلام السياسي لهذا الإحتكار الأيديولوجي المتعسف للأخلاق، فيقول يوسف القرضاوي في كتابه “الخصائص العامة للإسلام”: “إن الأخلاق في الإسلام لم تدع جانبا من جوانب الحياة الإنسانية: روحية أو جسمية، دينية أو دنيوية، عقلية أو عاطفية، فردية أو اجتماعية، إلا رسمت له المنهج الأمثل للسلوك الرفيع. فما فرقه الناس في مجال الأخلاق باسم الدين وباسم الفلسفة، وباسم العرف أو المجتمع، قد ضمه القانون الأخلاقي في الإسلام وزاد عليه”.

هكذا تم اعتساف تماهيا لامعرفيا بين الدين والأخلاق، وأصبح كل ما يرتضيه الدين فضيلة، وكل ما لا يرتضيه رزيلة، أو بمعنى أدق أصبح كل ما كان يرتضيه الدين منذ 1400 عام فضيلة يجب أو يمكن الأخذ بها في عصرنا هذا، وكل ما كان لا يرتضيه حينئذ رزيلة يجب نبذها، مما ألحق أبلغ الضرر بكل من الدين والأخلاق في آن واحد.

فالأخلاق كائن حي، يخرج من رحم العلاقات الإنتاجية والإجتماعية في المجتمع بالتفاعل بين الخبرة الإنسانية المتراكمة والظروف الموضوعية المتطورة للواقع المعاش، وبالتالي فهي تخضع لما تخضع له كافة الكائنات الحية من أحكام وقوانين، وأهمها النشوء والتطور والنسبية والتفاعل مع البيئة والتقادم، فهي ليست قوالب سابقة التجهيز هبطت على الإنسان من السماء لتبقى ثابتة عبر الزمان. فمع ارتقاء الإنسان من مرحلة الحياة في قطيع مثل الحيوانات إلى مرحلة الأسرة ثم العشيرة ثم الدولة، ومع تطوره من عصر الصيد إلى العصر الرعوي ثم الزراعي فالصناعي وأخيرا المعلوماتي، كان دائما بواسطة عقله القادر على التمييز بين القبيح والحسن يقوم بوضع قواعد الأخلاق وتطويرها كي تواكب متطلبات كل مرحلة، مما يتلقفه رجال الدين في كل حين ويصبغونه بالصبغة الدينية المناسبة من حلال وحرام. فمنذ مائة عام كان من العار على الفتاة أن تخرج من بيتها، وأن تتعلم، وأن تختلط بطلاب ومدرسين من الذكور، ناهيك أن تعمل وتتوظف، وكان رجال الدين يؤيدون هذا الخلق بنصوص دينية مؤكدة، مما أبطئ مسيرة الأمة لعقود طويلة، ولكن بعد أن فرضت التطورات الإجتماعية نفسها، وخرجت المرأة للدراسة والعمل، تغيرت أخلاقنا، ولم نعد نرى في هذا الخروج عارا، وابتلع رجال الدين النصوص القديمة بعد معارضة قوية لا يزال بعضهم متمسكا بها حتى يومنا هذا، وأظهروا نصوصا أخرى تتماشى مع هذه التطورات.

إن عقل الإنسان هو الذي قاد الإنسانية عبر العصور، وهو الذي استطاع أن يخرج بها من ضيق الهمجية والبدائية إلى سعة المدنية والحضارة، فهو بما لديه من ملكات لم نستطع حتى اليوم توظيف خمسة بالمائة منها قادر على استشراف المستقبل، وتحديد الغايات والوسائل، وتزويد الإنسان بكل ما يلزمه من قيم وخلق ومهارات للتكيف مع الواقع المتغير، ومواجهة التحديات، وتحقيق الإنجازات، وإصلاح الأخطاء التي قد يقع فيها خلال مسيرته، إلا أن هذا العقل لا يعمل وهو مكبل بالأغلال، ولا يعمل وفق الأهواء والمصالح والأيديولوجيات.

إن الأديان ولاشك تدعو للكثير من مكارم الأخلاق، مما يضيق المجال هنا عن تفصيله، إلا أنها تتضمن أيضا الكثير من التعاليم التي كانت مقبولة في عصور قديمة ولم يعد ممكنا قبولها اليوم، والمشكلة أن هذه التعاليم تنطق بها نصوص لا يمكن محوها من الكتب المقدسة، ولا يعترف الكهنوت في أي دين بتاريخية هذه النصوص وتقادمها، بل يقوم بمغالبة عقول أتباعه مؤكدا صلاحية هذه التعاليم لكل العصور حتى لا يضعف إدعاءه بصلاحية كل ما في هذه الكتب لكل زمان ومكان. من هنا نسمع من يؤكد أن ضرب النساء معجزة قرآنية، ومن يؤيد نكاح الإطفال ويعترض على وضع حد أدنى لسن الزواج، ومن يوصي المرأة بإرضاع زملائها في العمل، ناهيك عما يمارس من دجل وشعوذة باسم الدين، من تفسير أحلام، إلى الإستشفاء بزيت الكهنة والعلاج بالقرآن، إلى علاج السحر والحسد، إلى إخراج الجن والعفاريت، وغير ذلك من الأمثلة التي تدمي العقول ويضيق المجال هنا عن حصرها، والتي تلقي بالمجتمع كله في أتون الخرافة، وتقضي على منظوم قيمه الأخلاقية والعلمية. لهذا فإن اعتبار الدين دستورا وحيدا للأخلاق يؤدي إلى نتائج كارثية، ومفاسد اجتماعية لا حصر لها، نراها تتفشى اليوم في مجتمعنا، ولا يستطيع أحد إنكارها.

فإذ يدعو العقل لاحترام الإنسان لأنه إنسان، وبصرف النظر عن لونه وعرقه ودينه، نرى أكبر الأديان كاليهودية والمسيحية والإسلام والهندوسية وهي تحمي نفسها بتكفير من لا يتبعها، فإنها تنظر إلى غير أتباعها بدونية فجة، وتنعتهم بأدنى الأوصاف في نصوص تؤدى بها الصلوات، فهم نجس، وقردة، وخنازير، وأنعام، وشياطين، وأولاد أفاعي، وكلاب، وسراق، ولصوص، وأغبياء، مما ينعكس بالتأكيد في نظرة الأتباع لغيرهم من البشر، ويولد الكثير من مشاعر الكراهية التي تتطور في أماكن كثيرة إلى صدامات مسلحة.

وإذا يرى العقل أن المساواة بين البشر فضيلة، تغرس الأديان في نفوس أتباعها شعورا زائفا بالأفضلية، فاليهود شعب الله المختار، والمسيحيون أبناء الرب، والمسلمون خير أمة أخرجت للناس، والهندوس أنصاف آلهة لأنهم خلقوا من جسد الإله راما ذات نفسه، ومن ثم فهذه الأديان تنكر المساواة بين الناس، سواء بين أتباعها وغيرهم، أو بين الرجال والنساء، بل وتذهب إلى حد المطالبة بأن تنعكس هذه اللامساواة اللاإنسانية في قوانين تنظيم وإدارة المجتمعات.

وإذ يدعو العقل أن تكون المحبة أساس التواصل بين البشر جميعا، تجعل الأديان هذه المحبة قاصرة  فقط على العلاقة بين أتباعها، على قاعدة الولاء والبراء المطبقة في كل هذه الأديان على اختلاف مصطلحاتها، وتأمر ببغض الآخر الذي هو دائما وحتما من أهل السعير، كما تمنع التواصل الإجتماعي الطبيعي بين الناس حين تقف حائلا دون تصاهر أتباع الديانات المختلفة، أو حين تحرم أتباعها من حق الطلاق وترغمهم على الإلتزام رغم إراداتهم بعلاقات أسرية فقدت أسس إستمرارها مما يؤدي إلي نتائج أخلاقية خطيرة.

وإذ يرى العقل أن قتل الإنسان أسوأ الشرور على الإطلاق، نرى هذه الأديان تبرر قتل الإنسان لأخيه الإنسان، فتبيح في أحوال كثيرة دماء وأعراض وأموال أتباع الديانات الأخرى، ليس لارتكابهم مخالفة يجرمها القانون المدني، بل لمجرد عدم إيمانهم بهذا الدين أو ذاك، أو انتقادهم لبعض ما جاء في أحد الكتب المقدسة، أو لمجرد رغبة أحدهم في تغيير دينه.

كثير من الجرائم يهتز لها الضمير الإنساني بينما يباركها الضمير الديني، فالشيخ الفاني الذي ينكح بأمواله فتاة في مقتبل العمر ليتمتع بها لبضعة أسابيع ثم يتركها بعد ذلك لمصير أسود غالبا ما ينتهي في سوق البغاء، والذي يعث في أعراض الناس مزواجا مطلاقا، والذي يلقي بامرأة أطعمته زهرة شبابها في الطريق دون أن يؤمن لها حياة كريمة من أجل الزواج بفتاة أصغر منها، والذين يجنون الأموال من تشغيل أطفال لم يبلغوا الحلم، والذين يكتفون بإخراج الصدقات ويتهربون من دفع الضرائب، والذين يخفون السلع للمضاربة على أسعارها، والذين يقومون بتشويه الأعضاء التناسلية للمرأة فيما يعرف بالختان، كل أولئك المجرمون وغيرهم تجاهلوا ما يستحسنه العقل، وما يستقبحه، واتخذوا من الدين مرجعا وحيدا للأخلاق، فوجدوا في نصوصه العتيقة ما يسول لهم ارتكاب جرائمهم، أو لم يجدوا نصوصا تزجرهم عن ارتكابها باعتبار أن الأصل في الأشياء الإباحة،  فزلوا وسقطوا وسقط المجتمع كله في إثرهم.

ولكن ألا يشكل الدين رادعا يحمي الفرد والمجتمع من الكثير من الأمراض والآفات الأخلاقية التي تعصف بالمجتمعات البشرية كما نسمع دائما في البرامج التليفزيونية، وكما نقرأ في توصيات الكثير من الندوات والمؤتمرات؟ هذا ما سوف نحاول مناقشته في الإسبوع القادم.