عندما كنا صغار، كنا نرى العالم من منظور إما الخير أو الشر، دون ما بينهما. كان العالم بسيطاً لنا أو كما عبر الفنان عادل إمام في مسرحية “شاهد ما شافش حاجة”: يا أبيض يا أسود! هذا شرير وهذا خير! وكانت التمثليات أو الأفلام الدينية القديمة، تأتي لنا بالأشرار، وقد تضخمت حواجبهم وأسودت وجوههم، حتى أنني أتذكر، تلك الأعمال الدرامية “التاريخية”، التي كانت تأتي بالكافر، وقد ظهر وكأنه الشر كله، ثم تظهر وسامته، عندما يؤمن ليصبح من الأخيار! وهو بالطبع أمر ساذج للغاية، ولكنها كانت طفولة “إعلامية” متوازية مع طفولتنا الذهنية، عكس ما أصبحنا عليه من نضوج عندما كبرنا وقرأنا وعشنا العالم على إختلاف ألوان الطيف الإنساني فيه!

وعندما كنت أُدرس لطلابي في الجامعة، وفي إطار رغبتي لنقل النضج الفكري لهم، كنت أرسم “مربع” على السبورة، ثم أضع نقطتين، على ضلعين متقابلين له. كل نقطة، تمثل إنسان، بينما يمثل المربع، بناء أسمنتي كبير! ثم أرسم على ظلع من الضلعين، المتواجهين، “باب” أمام شخص منهما! ثم أسأل: ماذا يرى هذا الشخص؟ فيجيبون: أنه يرى برج أسمنتي به مدخل، يمثله الباب! فأقول لهم: لو أن هذا الشخص الذي أمامه الباب، كلم الشخص الآخر بالهاتف الجوال وقال له، أوصف لي البناء، كما تراه أمامك، فماذا عساه أن يقول؟ فيجيبون: أنه سيقول أنه يرى بناء أسمنتي، لونه كذا ويسكت! فأقول لهم: فكيف سيرد الآخر الذي يواجه الباب: فيقولون: سيقول، ألم تنسى شيئاً؟ هناك أيضاً باب! فأقول لهم: ولكن وقتها سيصر الآخر، أنه لا يوجد باب هناك! وسينطلقون في خلاف، حول ما إذا كان الباب موجوداً أم لا، وكلاهما على صواب! أليس كذلك؟ فيجيبون بنعم!

وتلك هي الإشكالية التي نواجهها في مجتمعنا! كلُ منا، يرى جانب من هذا البناء، أو المربع ولا يراه كله! كلُ يحكم من الجانب الذي يراه! كلُ يرى “الحدوتة”، بشكل مختلف! كلنا على صواب، ولكن كلُ منا يملك جزء من القصة أو جزء من الحقيقة! ولكي، نرى القصة كاملة، ونمتلكها جميعاً معاً، يجب أن يسمع بعضنا بعض، وباحترام الإختلاف، دون عنف لفظي أو صوت عالي! إنما حياتنا مكونة من مُربعات كثيرة، مثل هذا المُربع، الذي يمثل في حد ذاته موضوع، وتمثل مجموعة المربعات اللانهائية، مواضيع جمة، يهتم بها البشر!

كنت قديماً، وعندما أسمع أي شئ، أصدقه، واليوم بت أتحقق مما أسمع، حتى لو كان محدثي، من أفضل من عرفت من الناس عقلاً وخُلقاً! لما؟ لأنني أملك عقلاً يستطيع أن يميز، ولأن مُحدثي، برغم كل ما يملك من مميزات، في النهاية، إنسان، يُخطئ ويصيب! إنه بشر، لديه الضعف الإنساني الأساسي الذي يتواجد في كل البشر! إنه يملك جزء من الرؤية، ويرى جانب من هذا المربع، بينما أرى أنا جانب آخر!

لقد كبرنا ونحن حافظون لأمور أساسية، لأنها عُرضت علينا بأسلوب معين، ولو أنها عُرضت علينا بشكل آخر، لإختلفت النظرة. فمثلاً الأرض، كروية، ونجد أن أوروبا شمالها وأفريقيا جنوبها، في منتصف الكرة الأرضية، ولكن، لو أننا رسمنا خريطة العالم وأمريكا الشمالية والجنوبية في المنتصف، وبقية القارات حولها، لما إختلف الأمر في الكرة الأرضية كحقائق جغرافية الدول، ولكن لإختلفت رؤيتنا نحن للأماكن، وسيكون الشرق غرباً والغرب شرقاً، وفقاً للخريطة المرسومة أمامنا، وليس وفقاً للواقع العلمي المعترف به! كما أننا لو قلبنا الكرة الأرضية (على الخريطة) ليصبح الشمال جنوب والجنوب شمال، لوجدنا نحن في الشمال ولوجدت أوروبا في الجنوب، لأن الأرض كروية وتدور! أليس كذلك؟

ربما تبدو تلك الأفكار مجنونة، غاية الجنون، ولكنها لا تغير من الحقائق قيد أنملة! إنها فقط، تؤكد، على أن للعالم جوانب متعددة، يمكن أن نراه من خلالها، لو أننا إقتنعنا بالرأي والرأي الآخر، وطبيعية الإختلاف، وفقاً لرؤية كلً منا! فلنؤمن إذاً يثقافة المربع التي سقتها للقارئ في البداية، ولطلابي القُدامى، الذين أتمنى، أن يكونوا اليوم يعملون في عالمنا، وهم يؤمنون بها، حتى لا يروا العالم مُبسطاً، وكأن من حاجبه سميك، كافر أو شرير، ومن يبتسم مؤمن أو خير، أو بتلك البساطة ينظرون! بل وحتى لا يروا العالم كله، في ظل مؤمن وكافر، ولكن متعدد الجوانب، ويستقوا الفكر والمعرفة، من كل مكان، بعيداً عن المسلمات الساذجة والطفولة المتجردة من تعدد حقائق الكون وآراءه!