يطوح ذراعه الأيسر بقوة وسريعا بشكل متكرر، كأنما يحاول التأكد من أنها لا تزال جزءا  ثابتا من جسده…

يطوح الهواء بشكل أسرع النصف الخالي من كم جلبابه الأيمن.في عينيه شرود دائم، وعلى وجهه ارتسمت ملامح أسى قديم كأنه جاء  إلى الدنيا به.خطواته بطيئة، تبدو لمن يراقبه كأنها غير محددة الوجهة أو الهدف.يتحاشي الاختلاط  كثيرا بالناس، ويكتفي بهمهمة خفيضة إن بادره أحدهم السلام.

اسمه علي، والاسم الأكثر شيوعا له هو “علي العاجز” نظرا لذلك البتر في ذراعه. قصة بتر ذراع علي تبدو كأسطورة خرافية، وعلى عهدة رواة ثقاة حدث الأمر كما يلي:

كان علي في شرخ شبابه حينما فتحت له طاقة القدر، نحو ثراء واسع لا حدود له، ولكنها لحظه العثر أو طمعه الزائد انتهت بمأساة. كلمة طاقة القدر تطلق على كل من هبط عليه ثراء مفاجىء ودونما جهد ملحوظ أو سبب منطقي، طاقات القدر في هذه البلدة الجنوبية ، المحدد فيها مكانة وقدر كل إنسان منذ مولده تقريبا ، كانت محددة بمصدرين لا ثالث لهما، وهما إما العثور على كنز أثري “لقيطة” أو شحنة “حشيش” تنقل صاحبها من أسفل السلم الاقتصادي لقمته في أقصر وقت ممكن.

كانت الكنوز الأثرية، أو “اللقيطة” شائعة  فعلا، حيث كانت تلك البلدة ترقد على ركام عدة مدن أثرية من العصرين الفرعوني والروماني. وكثيرا ما تتناثر روايات أن فلانا وأثناء حفر أساس منزله وجد جرة من الفخار مملوءة بالعملات الذهبية أو الفضية، أو على تمثال فرعوني أوخلافه.

حد البلدة الشرقي هو منطقة أثرية مترامية الأطراف، وتشكل حيزا فاصل بينها وبين أقرب قريتين لها من الجنوب الشرقي والشمالي الشرقي.  في هذا الفضاء الواسع تتناثر بقايا سبعة وعشرين معبدا فرعونيا، ومعبدين رومانيين والأثر الوحيد القائم دونما ضرر هو للإله مين، إله التكاثر في مصر القديمة.

بين هذا الواقع القائم، ومساحة من الخيال والغرابة جرت وقائع مأساة علي العاجز. في ليلة كان بدرها مكتملا كان يمر وحيدا في شارع “درب السلاح”، وهو شارع ترابي واسع يفصل البلدة عما يجاورها جنوبا، ويمتد شرقا حتى حدود المنطقة الأثرية، والتي كان يطلق عليها اسم محلي لا يعرف مصدره ولا من أي لغة جاء ، وهو كلمة “الدفادف”.

أثناء سيره  تزحزح جحر كبير عن موضعه ، كاشفا عن سرداب يتلألأ ضوءا يكاد يخطف الأبصار. مع تحرك الحجر سمع علي صوتا يناديه : أدخل, بتردد وخوف وفضول انزلق علي لداخل السرداب.بدا له طويلا كأن لا نهاية له. في مدخل السرداب سلمه شبح لم يتبين ملامحه “كيلة”- وهي ماعون خشبي تكال به الغلال، وتتسع لما يزن عشرة كيلوجرامات من الحبوب. وقال له اجمع ما شئت من كنوز هي خالصة لك، واشترط عليه أنه لا يتجاوز أجل ساعة في مهمته ، وأن لا يزيد ما يحمله ولو جراما واحدا عن حافة الكيلة.  مضي علي مبهورا لاهث الأنفاس ينتقي ويجمع ما يروق له من خيرات ما كانت لتدور بعقله. يده تجمع ، وفي عقله تدور حسابات لا تتوقف عن البيوت التي سيشيدها والأراضي التي سيشتريها. في هذه البلدة، القيمة الأعلى للأرض، “الأطيان” مهما بلغ الثراء فمظاهره يجب ان تتجلى للناظرين بيونا وأطيانا. بل دار في عقله  المسلوب أمام تلك الكنوز، كم امرأة سيتزوج. إنه على وشك توديع الفقر وإلى الأبد. سيعيش في رغد يفوق أثرى  أثرياء البلدة. يمضي الوقت وعلي يركض في السرداب الطويل، يريد أن يكون كل ما به من كنوز ملكا له.

نسى وسط زحام أفكاره الأجل المضروب، يناديه حارس الكنز “أسرع”. علي  لا يسمع، هو الآن يرى ويحسب فقط. أسرع ، مرة أخرى يصيح حارس الكنز. علي يسمع رنين المعدن الأصفر فقط ، ويأخذ بريقه عينيه وعقله معا. صرخة ثالثة قوية وحاسمة من الحارس يسترد معها علي جزءا من وعيه، ويركض بكيلته المملوءة نحو فتحة السرداب.  يلمح بما بقي في عينيه من قدرة على الرؤية أن الفتحة تضيق شئيا فشيئا، يركض بكل قوته مثقلا بحمله ، ينجح في الوصول لبداية ممر السرداب، كان الحجر يتحرك ببطء عائدا لحالته التي كان عليها، علي يحاول الصعود للخروج، أسند كيلته الذهبية على حافة جدار قرب الفتحة، يتمكن من الخروج بصعوبة قبل أن يغلق السرداب تماما ، يمد علي يده اليمني محاولا التقاط الكيلة من حيث وضعها ، يمسك بحافتها، ويمسك الحجر الثقيل على ذراعه  ، ينازع علي بكل ما أوتي من قوة لتخليص ذراعه ، وكنزه الموعود، لا جدوي…

يطبق الحجر على الذراع تماما، سقطت الكيلة بما تحمل من كنوز لقاع السرداب ومعها ما اقتطعته من جسد علي، ليمضي بقية عمره بلا ذراع ، وبلا أمل تقريبا في “طاقة قدر” أخرى لا لتجعله ثريا، ولكن لترد له ما ضاع منه.

**ملحوظة من الكاتب: نعتذر لذوي الاحتياجات الخاصة عن استخدام لفظة “العاجز” التي فرضتها ظروف النص