حادي بادي كرنب

أمشي من السكة دي ولا دي

أمشي وألاقي المايله اعدلها

ولا إذا مالت أنا أكملها

ولا أرجع و بظهري أديلها

و كأنها مافاتتش قصادي

أمشي من السكة  دي ولا دي

زبادي كرنب حادي بادي

 

أسافر تاني الكويت ولا مسافرش؟

 أسافر لا مسافرش..أسافر ..لا مسافرش..

القرار صعب خصوصا إن حال البلد ميشجعش على حاجة خالص، لكن كان عندي حنين جامد جدًا لمصر وفي النهاية راجع راجع.. بس وجوه الناس مالها كده تحس إن سهم الله نازل عليها.. خصوصا في المترو لأن ده أكتر مكان بيكون فيه مواجهه بين الناس وبعضها وبتكون الوجوه قريبة أوي من بعضها.. فكل واحد شايل همه على كتافه وواخده معاه من محطة لمحطة نازل طالع.. مفيش حتى ابتسامة..او نظرة تفاؤل..بس كنت تقريبا واخد القرار إني هستقر هنا واللي يسري على أهل البلد يسري عليا..هو أنا يعني على راسي ريشة..كمان أنا راجل كاتب يعني لازم أعيش المعاناة وانطحن واتمرمط أمال هكتب بشوكة وسكينة مثلا؟..

كنت بسأل نفسي معقول الحكومة قدرت تعمل كده في الناس..في 80 مليون بني آدم.. في شعب كامل؟؟ وليه الناس ساكته وراضية كده ؟ قلت لنفسي طيب ما انا راضي بلقب وافد وساكت عشان لقمة العيش.. وروح يا مصري وتعالى يا مصري.. وفي المصالح الحكومية شباك للوافد اللي بيجي يتزرع من الساعة 7 الصبح وشباك للكويتي الي بيجي على الساعة 11 الضهر شبعان نوم ويخلص مصلحته قبلنا كمان.. وكأن الوافد ده من مبطلات الوضوء مثلا.. او إنه حاجة كده ماشية على الأرض ملهاش لازمة.. ده غير العلاج الي لا يصرف إلا للكويتي فقط وكاننا مش بني آدمين و في المطار شباك للوافد وشباك لدول مجلس التعاون الخليجي،  حتى وانت سايق العربية لازم توسع الطريق للكويتي مش بلدهم..وبصراحة عندهم حق إذا كانت حكومتنا بتعتبرنا حيوانات هم باه هيعتبرونا بني آدمين ليه .. بجد مكنتش متخيل إن كلمة مصري هتصبح في يوم من الايام حاجة كده زي شتيمة..او كلمة مقززة للدرجة دي ..ياااااه.. احنا كنا رخاص أوي بجد..وكاننا عبيد اشترونا من الزنجبار وباعتنا حكومتنا لهم بتراب الفلوس.. ورغم كده مستحملين لان فيه شبح اسمه بطالة منتظرنا في بلدنا.. لكن كان لازم أشتري نفسي وارجع وأدوق الظلم مع الناس لأن الظلم يمكن يكون أهون من العنصرية.. بس برده كنت لسه متردد..او خايف من المجهول لكن كنت متفائل لان الشعب كله كان الظلم والهم والقهر مجمعه..يعني كلنا في الهوا سوا.

قلت أنزل مصر أحتفل بكتابي الجديد يعني تغيير جو واهي حاجة الواحد يفرح بيها شوية و في نفس الوقت أجس النبض وأشوف الجو عامل ايه..هل ممكن اعيش فعلا في مصر واستحمل الحياة فيها ولا أفضل زي ما انا في الكويت أحمل لقب وافد مصري..هو صعب علينا يعني نعيش في بلدنا زي الناس ونعمل زي الناس ونمشي وننام زي الناس وناكل ونتعالج زي الناس.. حتى ده كتير علينا يا ناس؟؟ للحظات بحس إن بلدنا دي زي المريخ مقومات الحياة فيها مجرد وهم.. رغم إن الخير فيها بسم الله ما شاء الله..بس مفيش حد عارف بيروح فين..أو عارفين ومطنشين..عادي يعني هو كان حد سال الملك خوفو جاب ميزانية الهرم الاكبر منين؟؟ ولا كان بيصرف معاشات للعمال ولا لا؟ ولا حتى بيصرف تعويضات للمصابين ؟ والراجل مات وأخد سر اللعبة معاه..وكل الي بيموت منهم بياخد السر معاه..

بعد ما خلصت الاحتفال بكتابي الجديد في مكتبة البلد في ميدان التحرير نزلت اتمشى مع الصديق إسلام جاويش وكان معاه اتنين شباب من حركة 6 إبريل واحد فيهم كان حاطط شال فلسطين على أكتافه..افتكاسات يعني.. اتمشينا لشارع عدلي كنت جعان موت.. فطبعا من غير ما افكر أعلنت الخبر..أنا جعان يا جماعة..فإسلام قاللي فيه محل مكرونة عجيب جنب قهوة البورصة اسمه مكرونة السعادة.. ده لازم تاكل فيه..لان أي حد بعد ما بياكل فيه بيخرج بعدها ويحس انه سعيد فعلا..يعني يمكن إيحاء أو لأننا فعلا بندور على السعادة حتى ولو في طبق مكرونة السعادة ..شدني الاسم بصراحة غير إن التجربة أثارتني فعلا .. مكرونة السعادة..اسم له وقع غريب زي كل المصريين الي بجد مش بيحبوا في حياتهم نكد ودايما تلاقيهم بيخلقوا لنفسهم السعادة في أي مكان ومن أي حتة..بس واضح ان الحكومة كانت متقلاها عليهم حبتين لدرجة إنها كانت بتحارب حتى أحلامهم في السعادة..

زمان كان كل حاجة لها طعم..الأكل كان له طعم..الشوارع والبيوت..شهر رمضان والعيد..طلعة الصبحية والأعدة مع الأصحاب بليل على القهوة..كنت بشوف الدنيا واسعة وكل الأماكن بتساعني..أما كنت بستخبى من أبويا ورا الباب أو تحت السرير كان تحت السرير ده بيكون واسع اوي كانه عالم تاني جميل ولذيذ بجد لدرجة اني كنت بستحلاها و أفضل نايم تحته بالساعة والساعتين..كان كل ركن في البيت كبير أوي والشوارع تحس إنها بتضحكلك.. وكل زقاق في الحارة بيطبطب عليك..مكناش بنحس بغربة أبدا..كنا بنحس إن البلد دي بتاعتنا بجد..لكن دلوأتي كل شيء بأه ضيق وبيضيق وبيخنق وبيخنقنا معاه يوم بعد يوم لأن الهم كبرنا اوي ومخلاش في البلد دي أي حاجة على مقاسنا..بقينا حاسين إن البلد دي مش بتاعتنا..عشان كده رحنا ندور على طعم السعادة في محل صغير لمجرد إن اسمه مكرونة السعادة أهي حاجة بنتشعلق فيها عشان نحس ولو دقايق بطعم بلدنا إلي نسيناه..

 المحل كان صغير أوي يعني يا دوب ممر ضيق مرصوص فيه كام ترابيزة وكراسي ونصبة طبيخ وحوض لغسيل الايدين، مش عارف ليه حسيت إن الجرسون فعلا سعيد و كمان الصنايعي الي واقف على النصبة نفس الشيء، مبتسمين جدا يمكن عشان اسم المحل فصعب عليهم إنهم ينضموا لطابور المكتئبين ولا هم مكتئبين فعلا لكنهم اتعودا على الابتسام، طلبنا كل واحد طبق حجم وسط..وأديها شطة وصلصة …

الغريب بقى إن مع أول معلقة حصلنا تحول ..كنا بنبتسم بشكل غريب كأننا اول مرة نشوف كنا بنشرب من دورق المية النحاس إلي شكه مش لطيف خالص وكاننا بنشرب من دورق دهب..نفسنا كانت مفتوحة بجد ولأول مرة من يوم ما سافرت اشعر بطعم الاكل يمكن البساطة لها عامل كبير في ده او لاننا فعلا كنا محتاجين نبتسم .. وفجأة اتحول الابتسام لضحك أما طلبت من الجرسون مناديل كلنكس بعد ما غسلت إيدي في الحوض.. ولاقيت واحد من الي اتنين أصدقاء إسلام الي معانا بيقولي.. يا راجل دا أنت متحسش إنك أكلت في مكرونة السعادة إلا إذا مسحت في هدومك بعد ما تغسل إيدك.. هنا مفيش كلينكس يا باشا..

خرجنا للشارع فحسيت إني باتنفس وسعيد وفرحان ومزاجي في السحاب وكنت حاسس بتفاؤل مش عارف ليه مع إن مفيش أي شيء يقول إن فيه يبشر أبداً.. الدنيا كلها بايظة بمعنى كلمة بايظة.. شباب بنات وولاد مرميين على القهاوي..أسعار نار والناس مش لاقية تاكل بمعنى كلمة مش لاقية تاكل..وحكومة حدث ولا حرج..رئيس وزراء جاي من الاسكيمو ووزراء بلطجية و أعضاء مجلس شعبنصهم معاتيه والنص التاني بلاليص وطبعا ريحة التزوير فايحة، وسيرة أحمد عز وجمال مبارك وزكريا عزمي وقبلهم حسني على كل لسان..الناس عماله تدعي عليهم على أبواب كل الأولية..وبتحسبن عليهم ليل نهار.. كان كل شيء بيقولي مترجعش ..أوعى ترجع وتسيب هناك وتيجي تعيش في الدمار ده إذا كان هناك غربة فالحياة هنا انتحار، متحسبهاش بقلبك واحسبها ولو مرة واحدة في حياتك بعقلك..قاوم مشاعرك وذكرياتك..عارف إن الغربة تربة بس مصر كلها اتحولت لتربة كبيرة..الله يجازيه إللي كان السبب..ينتقم منه رب السموات والأرض ويورينا فيه يوم يا قادر يا كريم يا رب..

قعدنا  على القهوة وبعد ما القهوجي ناولني مبسم الشيشة وبدأت أشد حسيت إن الناس الي حولينا كلها بتكلم في السياسة..كل الترابيزات اتحولت لموائد مسديرة، على شمالي جماعة عمالين ينتفوا في فروة جمال,على يميني جماعة عمالين يقطعوا في فروة حسني، وورايا ناس بيتكلموا في اقتصاد البلد، أما أدمنا فجماعة بيتخانقوا بسبب ماتش الكورة الي لسه خالص من لحظات..

استغربت جدا وقلت هو الشعب كله بقدرة قادر اتحول لمحللين سياسين واقتصاديين و رياضيين كده عيني عينك يعني مش خايفيين من المخبر ابو بلطو أصفر وخرزانة وجورنال مخروق وشنب يقف عليه صقرين، البلد دي طول عمرها كده عايشه في تناقض عجيب يعني واحد يسمي محله مكرونة السعادة والناس نسيت يعني أيه سعادة، وواحد تلاقيه عمال يتكلم في السياسة و الجشع و فساد الحكومة وهو في الأساس موظف مرتشي وفاسد، ده غير بأه الي عمال يتكلم في الاقتصاد والموازنة العامة ويعد يفتي بنظريات واقتراحات وهو عاطل وبياخد مصروفه من أبوه.. لكن تحول الشعب كله لخبراء سياسة على القهوة وفي الميكروباص و في التاكسي وكل الناس بتكلم وبتشتكي وكل يوم نسمع عن اعتصام هنا لا إضراب هناك ومظاهرة مش عارف فين ده كله مؤشر قوي إن فيه حالة من الوعي لكن مش شايفنها أو مش مصدقينها لأن بطولاتنا وقفت عند الضربة الجوية بعد كده مفيش بح ولا حاجة..يعني تقريبا احنا جيل معملش اي حاجة للبلد دي يتحكى عنها او يسجلها التاريخ..

انضم للقعدة محامي ضحايا عبارة السلام الأستاذ أسعد هيكل وكان معاه مسودة كتابه ليلة باردة الي بيحكي فيه عن سيناريو غرق العبارة عن قرب بحكم أنه عاش مع أهل الضحايا وحضر محاكمة المتهمين..أقصد محاكمة القفص الفاضي الي مفروض يكون فيه متهمين  ..لأن طبعا الأحكام كانت غيابية، كان بيشرح لإسلام تصوره للغلاف عشان اسلام يصممه وطبعا أخدنا الكلام عن الحادثة و رجع لأذهانا لحظات الظلم والقهر الي عشناها في الأيام دي الي غرق فيها اكتر من  1400 مواطن مصري  ومفيش مسئول واحد من الحكومة استقال او تم اقالته لان الريس كان مشغول بكاس الامم الأفريقية.. ونشوفه بعدها بيسخر من الحادث وبيضحك ويكركر في  زياراته لبيت في الصعيد لما سأل صاحب البيت أنت بتعدي الجنب التاني من النيل ازاي فرد عليه وقاله بالعبارة..فحسني رد وقاله بمنتهى السخافة: أوعي تكون عبارة من الي بيغرقوا..أيه ده؟ ايه الاستخفاف والبهالة دي؟ الناس دي فكرانا ايه شوية حجارة؟ وصل بينا الحال إن الشعب شايف إن  حكومته هي العدو الأول والحكومة شايفه إن الشعب  صداع لازم تتخلص منه..طبعا المحامي أسعد هيكل أعد يسرد لنا أحداث مؤلمة عن أهالي الضحايا وتصنيف الحادثة انها جنحة وعن ممدوح اسماعيل الي خرج من مصر بعلم الحكومة.. وعن ربان السفينة الي ابنه رفض يعمل تحليل DNAلمطابقته بالجثث عشان يعرف جثة أبوه وان فيه احتمال ان القبطان عايش، وعن الناجين المخطوفين.. وعن مخالفات الأمن والسلامة.. وعن إشارات الاستغاثة الي محدش عبرها لانهم كانوا مشغولين بماتش الكورة طبعا..لالا دي مش حكومة دي عصابة رسمي..

كنا مندمجين معاه واحنا بنسمعه بيتكلم عن المصايب دي كلها لكن فجأة وقعت عيني على بنت جميلة جايه ناحيتنا من بعيد.. محجبة ولابسه كويس و معلقة شنطة حريمي شيك  على كتفها الشمال، وماسكه في إيدها اليمين مجموعة جرايد.. ولما قربت مننا لاقيتها بتسألنا (المصري اليوم؟) فاستوعبت فورا إنها بتبيع جرايد..لكن الصورة المحفورة في دماغي لبياع الجرايد أو بياعة الجرايد غير كده خالص.. يعني تلاقيه لابس جلابية أو بيجامة أو قميص وبنطلون متواضعين وبيكون شكله مختلف خالص عن النموذج الي قدامي ده..

طلبت منها جورنال وسألتها عن اسمها فقالت لي إن اسمها سارة.. واتفاجئت لما سألتها عن مؤهلها فعرفت أنها جامعية..يا نهار أسود! معقول ده؟ وصل بينا الحال لكده إن بناتنا تخرج الساعة 11 بليل تبيع جرايد عشان لقمة العيش؟..

شوية ولاقيت بنت تانية نفس الهيئة بتبيع شنط صغيرة فيها أدوات مكتبية..لاحظت إن الموضوع بالنسبة للجماعة إلي قاعدين معايا عادي جدا لدرجة إنهم معلقوش حتى وكأن المشهد ده بالنسبة لهم طبيعي ومش شيء شاذ لأنه بيتكرر أدامهم كل يوم ..في اللحظة دي بالذات قررت أرجع أعيش في البلد دي تاني..حتى لو هبيع جرايد زي سارة..لازم أشارك الناس دي آلامها..حتى لو أكلت مليون مرة من مكرونة السعادة..فأحيانا الألم والقهر بيكون ليه لذة وطعم جميل بيعطيك نوع من الرضا لمجرد إنك مع الناس..حاسس نفس أحاسيسهم وبتمر بنفس ظروفهم..سمعت إن أكتر وقت الشعوب بتكون قريبة من بعض وبتخاف على بعض هو وقت الأزمات.. سواء حرب..أو كارثة طبيعية.. أو ظلم .. وإحنا مرينا بكل الأزمات دي من حروب وزلازل وسيول وظلم بالكوم .. كان لازم أرجع تاني.. ورغم إني عارف  إني  هنضم لشريحة عاطل وهعيش فرق مادي رهيب إلا إني حاسس إني مش هندم.. وكل ما اتزنق أو هحس بإحباط.. فالعلاج معروف.. مكرونة السعادة..

——-

** من كتاب الثورة 255 لكاتب المقال

**الرابط الأصلي للصورة: 

www.amazon.com/dp/B006PJJ3NU?tag=francoismichelou&camp=211493&creative=379997&linkCode=op1&creativeASIN=B006PJJ3NU&adid=0VY7P6EBT5HTYJYYJXXM&&ref-refURL=http://fxcuisine.com/Default.asp?language=2&Display=98&resolution=high