في اللحظات الحالكة ألجأ لكتاب “المثالي” لفيزياء الصف الثالث الثانوي! فقد احتفظ هذا الكتاب بقيمة رمزية في نفسي تفوق ماعداه من كتب..

بعد تجاوزي المرحلة الثانوية احتفظت بهذا الكتاب دون غيره، وخبأته في منطقة ما من أدغال شقتنا لا تصل لها يدا الجن الأزرق، خوفا من أن تبيعه أمي لأول بائع روبابيكيا يمر أمام بيتنا ظنا منها أنه كتاب لم يعد لنا به حاجة .

 كنت أمسك هذا السفر العظيم بيدين وجلتين، أتشمم رائحة حبر الطباعة على أوراقه بينما تعروني نفضة لو رآها الرائي لظن أن بي مسا…تستثير الرائحة بداخلي حماسي القديم للمذاكرة..للإنجاز..للشعور بالواجب..للإحساس بأن هناك ثمة مسؤوليات ينبغي إتمامها على أكمل وجه…

أترك كتب كلية الآداب التي تخرجت منها، وأقلب بين صفحات المثالي، ففي كل باب وفصل ذكرى ومنزل…الرموز اللاتينية..تراص الأرقام جوار بعضها البعض بصورة مثيرة للدهشة..التشابه بين الرقمين 6 و9..حاصل الضرب والقسمة على الآلة الحاسبة حين ينبيء عن رقم صحيح يرجح بصورة كبيرة أن الإجابة صحيحة..

اليقين الداخلي أن لكل مسألة حل..لو لم أعرفه في أول مرة ففي الثانية أو الثالثة أو العاشرة.. سأعرفه حتما..حتى لو نظرت في فصل الإجابات..لكني أضمن أني سأعرفه..سأعرفه!

التحدي..تحدي ذاكرتي وتحدي قدرتي على الفهم..فهم شيء لم أعد بحاجة لفهمه مرة أخرى..فلا اتقان قوانين الفيزياء الكهربية سيزيد مرتبي، ولا براعتي في حل مسائل الكثافة واللزوجة ستجعل الحياة أكثر سعادة..لكنه تحد من نوع خاص يذكرني بالأيام التي كنت فيها أكثر إخلاصا لمشروعي..مشروع ليس له ملامح محددة لكنه مدفوع بإخلاص شهدت به علىّ عدول الدمع والسقم”
“كان الهروب_خلسة_ لهذا الكتاب شفائي من كل وجيعة، ففي كل مسألة تحل أمل، وفي كل استذكار استدعاء لليقين القديم_ ياالله على اليقين القديم_ يدغدغ الحواس وينعش الروح…

اليوم أحتاج (المثالي) بشدة..أتخوف من البحث عنه داخل الأدغال فتصدمني حقيقة أن يدي الجن الأزرق طالته..أو أن أمي باعته لبائع الروبابيكيا…صدقني يا زكريا أنا أحتاج للمثالي جدا..وأنت يا يحيى..صدقاني أحتاجه بشدة..يحتاجه طفلي كي يغفو مرتاحا

ألست تتمنى أن أجده أنت أيضا؟!