نقطة لا بد منها: هذه المقالة تنقسم لثلاثة أجزاء، نشرها د. كانازاوا بشكل منفصل رغم الاتصال الواضح في أفكارها، ففضّلت أن أنشرها وحدة واحدة، لتسهل مطالعتها وتتضح معانيها.

لماذا الليبراليون أكثر ذكاء من المحافظين؟

http://www.psychologytoday.com/node/39868

هارييت هايس: أنا لا أعرف حتى ما هما الجانبان في الحروب الثقافية.

مات آلبي: حسناً، جانبك يكره جانبي لانكم تعتقدون أننا تعتقد أنكم أغبياء، ويكره جانبي جانبكم لأننا نعتقد أنكم أغبياء.

ستوديو 60 على قطاع الغروب، يوم نيفادا، الجزء الأول.

من الصعب تعريف مدرسة كاملة من الفكر السياسي بشكل دقيق، ولكن يمكن لأحد أن يعرّف بشكل معقول ماهية الليبرالية (في مقابل المحافظة) في الولايات المتحدة المعاصرة بوصفها: الاهتمام الحقيقي برفاه الآخرين غير المرتبطين وراثياً، والاستعداد للمساهمة بنسب أكبر من الموارد الخاصة لأجل رفاهية أولئك الآخرين. في سياق الحديث السياسي والاقتصادي، عادة ما تترجم هذه الرغبة في دفع نسب أعلى من دخل الفرد في الضرائب تجاه الحكومة وبرامجها للرعاية الاجتماعية. عادة ما يدعم الليبراليون برامج الرعاية الاجتماعية هذه وزيادة الضرائب لتمويلها، والمحافظون يعارضونهم كالعادة.

وفقاً لهذا التعريف، فالليبرالية جديدة تطورياً. فالبشر (ككل الأنواع الأخرى) مصممون تطورياً ليكونوا إيثاريين تجاه أقاربهم الوراثيين، أصدقائهم وحلفائهم، وأعضاء من الديم (مجموعة من الأفراد تتزاوج فيما بينها) خاصتهم أو جماعتهم العرقية. وليسوا مصممين ليكونوا إيثاريين تجاه عدد غير محدد من الغرباء من غير المحتمل أن يُلاقَوا أو يُتفاعل معهم. وهذا يعود إلى حد كبير لأن أسلافنا عاشوا في مجموعة صغيرة من 50-150 فرداً متعلقين وراثياً، والمدن الكبيرة والدول مع الآلاف والملايين من الناس هي بنفسها جديدة تطورياً.

إن التفحص للخلاصة ذات الـ10 مجلدات “موسوعة الثقافات العالمية”، التي تصف جميع الثقافات البشرية المعروفة للإناسة anthropology (أكثر من 1500) بقدر كبير من التفصيل، وكذلك الإثنوغرافيات الأولية الموسعة عن المجتمعات التقليدية، يكشف أن الليبرالية كما عرّفت أعلاه غير موجودة في هذه الثقافات التقليدية. في حين أن تقاسم الموارد، وخصوصا الطعام، شائع جداً بل وإلزامي أحيناً بين قبائل الصيد والقطف، وفي حين أن التجارة مع القبائل المجاورة غالبا ما تحصل، لا يوجد أي دليل على أن الناس في جماعات الصيد والقطف المعاصرة تتقاسم الموارد بحرية مع أفراد القبائل الأخرى.

لأن جميع أفراد قبيلة الصيد والقطف هم أقارب وراثياً أو على الأقل أصدقاء وحلفاء للحياة، فتقاسم الموارد فيما بينهم ليس مؤهلاً للتعبير عن الليبرالية كما عرّفت أعلاه. نظراً لعدم وجودها في قبائل الصيد والقطف المعاصرة، والتي كثيراً ما تستخدم كنظير في العصر الحديث لحياة أسلافنا، قد يكون من المعقول أن نستنتج أن تقاسم الموارد مع غرباء لم يلتقهم أحد أو لا يحتمل أن يلتقيهم — أي الليبرالية — ليس جزءا من حياة أجدادنا. إذن فقد تكون الليبرالية، بالتالي، جديدة تطورياً، والفـرضيـة تتنبأ بأن الأفراد الأكثر ذكاء هم أكثر احتمالاً من الأفراد الأقل ذكاء لتبني الليبرالية كقيمة.

إن تحليل عينات تمثيلية واسعة، من كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يؤكد هذا التوقع. ففي كلا البلدين، الأطفال الأكثر ذكاء هم أرجح أن يكبروا كليبراليين من الأطفال الأقل ذكاء. على سبيل المثال، ضمن العينة الأمريكية، أولئك الذين يعتبرون أنفسهم “ليبراليين جداً” في البلوغ المبكر لديهم معدل لنسبة الذكاء في الطفولة: 106.4، في حين أن أولئك الذين يعتبرون أنفسهم “محافظين جداً” في البلوغ المبكر لديهم معدل لنسبة الذكاء في الطفولة: 94.8.

رغم أن الدراسات السابقة تبين أن النساء أكثر ليبرالية من الرجال، والسود أكثر ليبرالية من البيض، فإن تأثير الذكاء في مرحلة الطفولة في الفكر السياسي لدى الكبار هو ضِعْف تأثير الجنس أو العرق. لذلك يبدو أن، كما تتوقع الفرضية، الأفراد الأكثر ذكاء أكثر احتمالاً لتبني قيم الليبرالية من الأفراد الأقل ذكاء، ربما لأن الليبرالية جديدة تطورياً والمحافظة مألوفة تطورياً.

إن الوسيلة الرئيسة التي يساهم بها مواطنو الديمقراطيات الرأسمالية بمواردهم الخاصة من أجل رفاهية الآخرين غير المرتبطين وراثياً، هي دفع الضرائب إلى الحكومة من أجل برامجها للرعاية الاجتماعية. وحقيقة أن المحافظين يعطون  مالاً أكثر للجمعيات الخيرية من الليبراليين لا تتعارض مع التنبؤ من الفرضية؛ بل في الواقع تؤيده. إذ يمكن للأفراد عادة اختيار وتحديد المستفيدين من التبرعات الخيرية. على سبيل المثال ، يمكن أن يختاروا إعطاء المال لضحايا زلزال هايتي، لأنهم يريدون مساعدتهم، لا إعطاء المال لضحايا زلزال تشيلي، لأنهم لا يريدون مساعدتهم. وفي المقابل، فإن المواطنين لا يملكون أي سيطرة على من ينتفع من المال الذي يدفعونه في الضرائب. لا يستطيعون فردياً أن يختاروا دفع الضرائب لتمويل الرعاية الصحية، لأنهم يريدون لمساعدة كبار السن من البيض، وليس AFDC، لأنهم لا يريدون لمساعدة أمهات وحيدات فقيرات من السود. قد يكون هذا على وجه التحديد سبب اختيار المحافظين تقديم المزيد من الأموال للجمعيات الخيرية الفردية التي يختارونها فردياً في حين معارضتهم لفرض ضرائب أعلى.

وبالمناسبة، هذا الاستنتاج يجسد واحدة من الشكاوى المستمرة بين المحافظين. فكثيرا ما يشكو المحافظون من أن الليبراليين يسيطرون على وسائل الإعلام أو الاستعراض أو الأكاديميا أو بعض المؤسسات الاجتماعية الأخرى. والفـرضيـة تفسر لماذا المحافظون محقون في شكاواهم. فالليبراليون بالفعل يحكمون وسائل الإعلام، أو الاستعراض، أو الأكاديميا، بين مؤسسات أخرى، لأنه، بصرف النظر عن عدد قليل من مجالات الحياة (مثل العمل) حيث تسود الظروف التعويضية، تكون لليبراليين السيطرة على جميع المؤسسات. إنهم يسيطرون على المؤسسات لأن الليبراليين هم في المتوسط أكثر ذكاء من المحافظين، وبالتالي هم أكثر احتمالاً للوصول إلى أعلى مركز في أي مجال من المجالات (الجديدة تطورياً) للحياة العصرية.

إذا كان الليبراليون أكثر ذكاء من المحافظين، فلماذا الليبراليون بلهاء جداً؟

http://www.psychologytoday.com/node/39873

رغم اتفاقه مع تنبؤ الفـرضيـة، فالاستنتاج في إدراجي السابق أن الليبراليين في المتوسط أكثر ذكاء من المحافظين قد لا يتوافق مع معظم الملاحظات والخبرات اليومية لعموم الناس. فإذا كانوا أكثر ذكاء، لماذا الليبراليون — وخاصة أولئك في هوليود والأكاديميا — لديهم احتمال أكبر بكثير من المحافظين لقول وفعل أشياء غبية، واعتناق عقائد مريبة وأفكار تتجاوز المصداقية؟

قد يكون لدى بروس ج. تشارلتون، أستاذ الطب النظري في جامعة باكنغهام ورئيس تحرير “فرضيات طبية”، تفسيرٌ لذلك. في مقاله الافتتاحي لعدد ديسمبر 2009 من “فرضيات طبية”، يشير تشارلتون إلى أن الليبراليين وأذكياء آخرين قد يكونون “لمّاحين بلهاء”، يطبقون التفكير المنطقي المجرد بشكل غير صحيح في المجالات الاجتماعية والبين-شخصية. وكما شرحتُ في إدراج سابق، فالذكاء العام — القدرة على التفكير والتعقل — من المرجح أنه تطور كآلية نفسية محددة بالمجال تطورت لحل المشاكل الجديدة تطورياً، في حين أن لجميع المشاكل المألوفة تطورياً هناك آليات نفسية متطورة أخرى تخصصت لحلها. تم تجهيز الجميع تطويريا — ذكياً أم لا — بالقدرة على حل هذه المشاكل المألوفة تطورياً في المجالات الاجتماعية والبين-شخصية كالتزاوج، تربية الأطفال، التبادل الاجتماعي، والعلاقات الشخصية، وغيرها من الآليات النفسية المتطورة. يشير تشارلتون إلى أن جُماع كل الآليات النفسية المتطورة الأخرى (باستثناء الذكاء العام) يمثل ما نسميه عادة “الحس السليم.” الجميع يمتلك الحس السليم. ولكن لدى الأذكياء ميل للإفراط في تطبيق قدراتهم للتحليل والتفكير المنطقي المستمدة من الذكاء العام بشكل غير صحيح على هذه المجالات المألوفة تطورياً ونتيجة لذلك يخربون الأمور. بعبارة أخرى، الليبراليين والأذكياء الآخرون ينقصهم الحس السليم، وذلك لأن ذكاءهم العام يتجاوزه. فهم يفكرون في الحالات التي يفترض أن يشعروها. في المجالات المألوفة تطورياً مثل العلاقات الشخصية، عادة ما يؤدي الشعور إلى الحلول الصحيحة في حين أن التفكير لا يؤدي.

شخصياً لا يروق لي مصطلح تشارلتون “لمّاحون بلهاء” — فأنا لا أحب الاستخدام البريطاني لكل من كلمتي: “لمّاح” و “أبله”. ولكني، مع ذلك، أتفق تماماً مع تحليله فنياً. فكما يشير تشارلتون، الحس السليم مألوف تطويريا بشكل واضح. لم يمكن لأسلافنا أن يعيشوا يوماً واحداً في بيئتهم المعادية، المليئة بالحيوانات المفترسة والأعداء لو لم يملكوا الحس السليم الفعّال. وهذا هو السبب في أنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة البشرية المتطورة في شكل آليات نفسية تطورت في المجالات الاجتماعية والشخصية. لأن الحس السليم مألوف تطويريا، وبالتالي هو طبيعي، فإن الفـرضيـة تتنبأ بأن الناس الأكثر ذكاء قد يكونون أقل احتمالاً إلى اللجوء إليها. ويمكن أن يكونوا أكثر ميلا إلى اللجوء إلى أفكار جديدة تطويريا، لا تنتمي للحسّ السليم، وغبية لحلّ المشاكل في المجالات المألوفة تطويريا.

بالمناسبة، هذا هو السبب في أنني لا أستخدم أبداً كلمات مثل “فطين” و “لمّاح” كمرادفات لـ “ذكي”. وبالمثل، لا أستخدم أبداً كلمات مثل “أهبل” و “أبله” كمرادفات لـ “غبي”. فـ “الذكي” لديه معنى علمي محدد — الذي يمتلك مستويات أعلى من الذكاء العام — في حين أن “فطين” و “أبله” لها علاقة أكبر مع الحس السليم منها مع الذكاء. من وجهة نظري، فالناس الأكثر ذكاء مثل الليبراليين من الأرجح أن يكونوا “بلهاء” (يفتقرون إلى الحس السليم)، في حين أن الناس الأقل ذكاء مثل المحافظين من الأرجح أن يكونوا “فطّناً”.

ومرة أخرى، مات ستون وتري باركر — مبدعا “ساوث بارك” — يصيبونها تماماً. ففي حلقة “Go God GO XII“، يقول الفرد الحكيم (الزعيم المسن لثعالب الماء الملحدة)، مشيراً إلى ريتشارد دوكينز:

“لعل دوكينز العظيم لم يكن بتلك الحكمة. أوه، لقد كان ذكياً، ولكن بعض من ثعالب الماء الأكثر ذكاء التي عرفتُ كانت تخلو تماماً من الحس السليم. “

ما كان لشخصي اللعين أن يقولها بشكل أفضل.


تكملة حول الليبراليين الأذكياء البلهاء

http://www.psychologytoday.com/node/40598

قد تكون هناك أسباب أخرى وراء تبني أناس أذكياء كالليبراليين لأفكار غبية.

في إدراجي السابق، ناقشت فكرة بروس ج. تشارلتون عن “لمّاحين بلهاء”. يقترح تشارلتون أن الأشخاص الأذكياء لديهم ميل للإفراط في تطبيق قدراتهم المنطقية والتحليلية (التي يوفرها ذكاءهم الأعلى) بشكل غير لائق على المجالات الاجتماعية والشخصية، حيث الشعور، لا التفكير، هو عادة ما يؤدي إلى الحلول الصحيحة. فالأذكياء ينقصهم الحس السليم، لأن الحس السليم مألوف تطويريا، والفـرضيـة تشير إلى أن الأشخاص الأذكياء بالتالي هم أقل عرضة إلى اللجوء إلى الحس السليم المألوف تطويريا، الذي من شأنه أن يؤدي إلى حلول صحيحة لمعظم المشاكل في المجالات الاجتماعية والشخصية.

والآن، قارئ منتظم لمدونتي، السيد مادس أندرسن، يقدم تفسيراً آخر محتملاً لكون أناس أذكياء كالليبراليين يتبنون أفكاراً غبية. لدى السيد أندرسن اقتراحان رائعان، وكلاهما يستفيد من “مبدأ الإعاقة“، الذي اقترح لأول مرة من قبل الأحيائي الإسرائيلي “آموص زهافي“.

المثال الرئيسي للإعاقة هو ذيل الطاووس. فالذيل الطويل المفصل المزخرف للطاووس ليس له أي قيمة تكيفية، وهو لا تخدم أي غرض مفيد ملموس، من شأنه أن يساعد الطاووس في البقاء على قيد الحياة. في الواقع ، إنه فقط يضر فرص بقائها. الطاووس ذوات الذيول الأطول الأكثر تفصيلا هي أسهل للمفترسات في الصيد والقتل، من الطواويس الرفيقة ذات الذيول الأقصر والأبسط. فهي إذن ليست سوى تكاليف بلا منافع. ولكن، وفقاً لزاهافي، هذه بالضبط هي النقطة. فذكور الطواويس يعلنون للإناث: “انظرن، أنا مناسب وراثياً ويمكنني أن أركض بسرعة حتى أتمكن من الهرب من المفترسات، مع هذا الشيء الضخم المتدلي من مؤخرتي! الرفاق الآخرون ليسوا مناسبين والسبب الوحيد الذي يمكّنهم من التهرب من المفترسات هو أن ذيولهم أقصر. ولن يكونوا قادرين على التهرب من الحيوانات المفترسة لو كانت ذيولهم بطول ذيلي! إذن، جينات من تريدن لذريتكن أن يحملوا؟ ” وإناث الطاووس بالفعل يفضلن التزاوج مع ذكور الطاووس ذوي الذيول الأطول والأكثر تفصيلاً وتناظراً، والتي يكون الحفاظ عليها مكلفة للغاية بيولوجياً، وذلك لكي يكون لذريتهم الذكور أيضا ذيول أنيقة طويلة مفصلة، تجتذب الإناث من جيلهم.

نفس الفكرة يلتقطها التعبير “أقاتل مع ذراع واحدة مقيدة خلف ظهري.” فأي مقاتل يمكنه أن يكسب معركة مع ذراع واحدة مقيدة خلف ظهره، من الطبيعي أن يكون أقوى وراثياً وأكثر ملاءمة من أي شخص يحتاج لكلتا يديه للقتال. يقترح زاهافي وأحيائيون آخرون أن العديد من الصفات التي قد توحي بالعبثية ذيول الطاووس الطويلة قد تكون تطورت كعوائق، أو إشارات صادقة إلى اللياقة البدنية والجينية للشركاء المحتملين. ولذلك فهي منتقاة جنسياً (إذ تزيد من النجاح التكاثري لحاملها)، على الرغم من أنها غير منتقاة طبيعياً (لا تزيد من فرص البقاء لحاملها).

أفكار السيد أندرسن تستثمر مبدأ الإعاقة لزهافي. فأولاً، يشير السيد أندرسون إلى أن الأفراد أكثر ذكاء يميلون إلى تبني الأفكار المعقدة عبثياً كإشارة صادقة لذكائهم الأعلى. فلأن الحس السليم مألوف تطويريا، وجميع البشر مجهزون بالحس السليم ، فإنه بحكم التعريف هو الحل الأبسط والأسهل المتاح لهم. أما الناس الأكثر ذكاء فيرفضون الحل “التبسيطي” الذي يقدمه الحس السليم، ويتبنون بدلاً منه أفكاراً معقدة بدون داعٍ لمجرد أن ذكاءهم يسمح لهم بالتمتع بهذه الأفكار المعقدة، حتى عندما تكون غير صحيحة أو غير مفيدة في حل المشكلة الحاضرة.

وقد لاحظ العديد من المراقبين أن هذا بالفعل هو ما يحدث في الأوساط الأكاديمية. ففي مجالات مثل النقد الأدبي، تفتقر إلى معايير موضوعية لتقييم الأفكار الخارجية (على النقيض من نظريات العلوم الطبيعية التي يجب أن تقيّم على أساس الطبيعة)، أو في المجالات العلمية الزائفة كعلم الاجتماع، حيث لا يمكن لأحد أن يتفق على ماهية الحقيقة، والفكر السياسي يصادر الأدلة التجريبية، يكافأ الأكاديميون بنحو متزايد على اقتراح أفكار معقدة وسخيفة كنظرية استجابة القارئ أو البنيوية الاجتماعية. يشير السيد أندرسون إلى أن هؤلاء الأكاديميين قد يقولون (دون وعي): “انظروا، لدي فائض من الذكاء بحيث ليس عليّ الذهاب للجواب الواضح والبسيط (وإن كان الصحيح). فأنا أستطيع اختلاق أفكار معقدة عبثياً لان ذكائي الأعلى يسمح لي بذلك!”

وثانياً، يشير السيد أندرسن إلى أن عديداً من الليبراليين السياسيين، وخاصة في هوليوود والأكاديميا، هم أنفسهم مكتفون مادياً ولا يستفيدون شخصياً أو مباشرة من السياسات الليبرالية لزيادة رفاهية الدولة. ومرة أخرى، قد يكون الليبراليون يعطون إشارة صادقة لأنهم جمّعوا ولا يزالون قادرين على تجميع المزيد من الموارد بحيث يمكن أن يتحملوا دفع ضرائب أعلى، ويوفروا المنافع العامة لفائدة أشخاص آخرين. فلو لم يكونوا قادرين على تجميع الموارد بأنفسهم، لما كانوا قادرين على تحمل دفع ضرائب أعلى لتمويل برامج للرعاية الاجتماعية لا يستفيدون منها مباشرة. ففي الجوهر، هم يقولون (دون وعي): “انظروا، أنا ثري جداً بحيث يمكنني تبديد أموالي على الآخرين!”

أعتقد أن السيد أندرسن قد يكون على حق في اقتراحَيه. ولكني لا أظن أن تفسيراته بالضرورة تستبدل تلك التي قدمها البروفيسر تشارلتون والتي شرحتها في إدراجي السابق. بدلا من ذلك، فقد تكون أسباب إضافية لكون الناس الأكثر ذكاء من المرجح أن يصبحوا ليبراليين ويتبنوا أفكار غبية كإشارات صادقة إلى لياقتهم الجينية وقدراتهم الفكرية الأعلى. ليس من الضروري أن يكون أحد مخطئاً ليكون الآخر على حق، بل قد يكون كلاهما محقاً على حد سواء ويقدم إجابات جزئية.