تعرضنا فى المقالة السابقة ( المقدمة ) على اسباب نشوء جق الاعتداء فى الفكر البدوى ، والآن وعند مناقشه اربعة من خقوق الانسان ونظرة الاسلام الى كل منهما ( الديمقراطية وحق التداول السلمى للسلطه – حرية العقيدة – حقوق المرأة – حقوق الاقليات فى المجتمع الاسلامى ) سنجد تداعيات حق الاعتداء مهيمنا ومسيطرا فى ” المقدس ” ذاته وفى التاريخ والثقافية فيما بعد .

اولا : الديمقراطية وحق التداول السلمى للسلطة :
الديمقراطية ( حكم الشعب للشعب ) عبر عملية انتخابية نزيهة وشفافة هى احدى الركائز الاساسية التى تقوم عليها المنطومة الليبرالية وحقوق لانسان ، فالحرية لاتكون الا من خلال الاختيار الحر للحاكم وممارسة الشعب لحق الرقابة على الحاكم وعزله ان اقتضى الامر او عدم اعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية ، وقد رأينا فى ثمانيات القرن الماضى رئيس اكبر دولة فى العالم ( نيكسون ) يتم عزله لمجرد انه امر بالتنصت على الحزب المعارض فيما سمى وقتها بفضيحة ” ووترجيت ” ، وعندما ينادى المثقفون والنخبة من الليبراليين والعلمانيين من ابناء الوطن بتبنى هذا النموذج الديمقراطى الرائع الذى وصلت اليه الانسانية عبر تاريخ مقيت من القهر والاستبداد ، يأتينا الصوت الاسلامى السلفى الوهابى يبشر بالخلافة وولاية العهد ومباركة اهل ” الحل والعقد ” على النمط الاموى والعباسى والعثمانى فى ان يختار الملك او الخليفة ولى عهده ثم يأتى اهل الحل والعقد ليباركون هذا الاختيار وعندما يعتلى العرش بعد الانقلاب على الوالد او وفاته يتوافدون ليبايعون . ثم ويأتى الصوت المتأسلم ليقول : لماذا نستورد الديمقراطية ولدينا فى الاســــــــلام “الشورى ” .كما كانت فى الخلافة الراشدة على الاقل .
فى البداية .. اذا كانت الشورى هى ماقلناه فى السطور الاولى من المقال فأنا لاتعنينى المسميات بقدر مايعنينى الجوهر . الوهابيين يدافعون عن الخلافة المستبدة لانهم يأصلون فقههم تحت سيوف آل سعود ، وجدهم الاكبر محمد بن عبدالوهاب فى تحالفة النفعى مع محمد بن سعود امير الدرعية ومؤسس الدولة السعودية الاولى قد وافق على توارث الملك فى ابناءه من بعده . وخدروا الرعية بأحاديث مثل ( ان تولى عليكم عبدا حبشيا فاسمعه له واطيعوا ) وجديث ( حاكم غشوم افضل من فتنه تدوم ) والغريب ان جماعة الاخوان المسلمين والسلفيين فى مصر انكروا على حسنى مبارك رغبته فى توريث ابنه جمال فى نفس الوقت الذى يباركون فيه توريث آل سعود .

سقيفة بنى ساعدة :
لايستطيع الباحث المدقق فى التاريخ الاسلامى ان يطمئن الى كل ماورد فيه من احداث وتواريخ، وذلك لعدة اسباب :
- لم يتم تسجيل التاريخ الاسلامى – كتابة – الا بعد مرور اكثر من قرن ونصف على وفاة الرسول ، وكذا مرويات الاحاديث النبوية
- من المعروف ان الثقافة الشفاهية تهتم بالعجيب والمدهش اكثر من اهتمامها بالمعقول والمؤكد ، ولأنها ثقافة سماعية تهتم بالبلاغة على حساب الحقيقة وبالاطناب والسجع والقافية والوزن حتى يصل المتلقى الى الابهار المنشود ، ولغتنا العربية غنية بمايطلق عليه المحسنات البلاغية .
- نحن لم نعرف الى الآن على وجه الدقةعدد زوجات الرسول ، ولاعدد ابنائه الذكور من السيدة خديجة ، ناهيك عن تاريخ ميلادة وتاريخ وفاته ، حيث تأتى كل هذه المعلومات حسب المشهور وليس على سبيل التأكيد .
الا اننا نجد انفسنا مضطرين بأن نبنى منظومتنا النقدية على هذه المرويات سيرا على الحادثة المعروفة للقطب القبطى الشهير مكرم عبيد باشا – نائب رئيس حزب الوفد المصرى – حيث كان من اشهرمحامي هذا الزمان – وكان يستشهد فى مرافعاته امام القضاء بآيات من القرآن ، ويوما سأله القاضى فى قفشة ذكية: هل تؤمن بماتقول ، فكا الرد اكثر افحاما : اننى احدثك بما تؤمن به انت …!!

تقول الرواية : انه يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الاول للعام العاشر للهجرة ( حسب الرواية الاسلامية ) انتقل الرسول الى الرفيق الاعلى بعد ان خيره ملاك الموت عزرائيل بين الحياة الابدية وكنوز الذهب والفضة أو ان يلاقى ربه ( حسب الرواية ايضا ) فاختار ان يلاقى ربه . وبينما انشغل على بن ابى طالب والزبير وباقى بيت الرسول بغسله وتيئته للدفن كانت الانصار تجتمع في سقيفة لبنى ساعدة مجمعه على اختيار الانصارى سعد بن عبادة حاكما على المدينه من بعدة . ويعلم بذلك المجتمعون ببيت الرسول فينطلق اليهم ابو بكر وعمربن الخطاب وابو عبيدة بن الجراح . ونستخلص من معظم المرويات ان المحاججه كانت بين رأيين :

المهاجرون : اول من آمن بالدعوة وان كانوا قله ( فما آمن من قومه الاقليل ) ، الا انهم ” اولياءه وعشيرته ” ، وان قريش اكرم قبائل العرب ( نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأمسّهم برسول الله رحماً)
الانصار : أول من آوى ونصر وآزر (ارتفع الاسلام بأسيافهم ) ، وهم اصحاب الارض والضيافة .
ثم كان : منكم امير ومنا امير، فيرد بن الخطاب: “هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم، ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوّة منهم، فمن ينازعنا سلطان محمد ونحن اولياءه وعشيرته ”
ويقول ابو بكر : نحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور،”
وفى مشهد مسرحى استباقى ينهى ابو بكر الازمة : هذا عمر وأبو عبيدة بايِعوا أيّهما شئتم”، وقال عمر:” يا أبا عبيدة ابسط يدك أبايعك، فأنت أمين هذه الأمة” فقال أبو بكر:” يا عمر! ابسط يدك نبايع لك”، فقال عمر:” أنت أفضل منّي”، قال أبو بكر:” أنت أقوى منّي”، قال عمر: “قوّتي لك مع فضلك ابسط يدك أبايعك”.

ولكن فى خلفية الاحداث كانت قبيلة بنى اسلم قد اقامت حواجز مسلحة فى جميع مداخل وطرقات المدينة لقطع توافد الأنصار إلى السقيفة ، وكان الخلاف والحسد القديم بين الأوس والخزرج يفضل فيه الأوس أن يتولى أمرهم قرشى على ان يتولاه خزرجى . تخلف على والزبير وبعض آل البيت من المبايعة ، وعندما سأل على بن ابى طالب احد حضور المبايعة:” وبماذا حاججوهم ؟
قال الرجل:” احتجوا بأنهم عشيرة الرسول وأولياؤه والسابقون إلى الإيمان به ونصرته، وهنا قال: (احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة ) فى اشارة منه انه اذا كان الامر بالقربى فهو الاولى بالخلافة .
اذن ….. فالحكم بعد الرسول تأسس على ذوي القربى ( المهاجرين ) والعصبية القبلية ( قريش ) ولم نرى من الانصار وزيرا ، ولكن رأينا سلسلة الحكام حتى نهاية الدولة العباسية من قريش …!!

ويتبادر الى الذهن سؤال تأسيسى : لوكانت بيعة ابوبكر تمت بموافقة مندوبين عن قبائل الجزيرة العربية لكنا اعتبرناها خطوة اولى نحو الشورى الديمقراطية فى شكلها البدائى على الاقل ، وربما ماكنا سمعنا عن حروب الردة الطاحنة … !! فمن تزوير التاريخ والاستخفاف بالعقول ، ان نطلق على كامل حروب ابو بكر حروبا للردة ، فقد كانت فى جزء منها امتناعا من بعض القبائل على دفع الصدقة لعدم مشاركة زعماء قبائلهم وعشائرهم فى مؤتمر السقيفة ، اما حروب الردة فكانت ضد اتباع مسليمة باليمامة.

إذن …. ولاية الخليفة الاول ابو بكر الصديق كانت لأولوية المهاجرين رغم تضحيات الأنصار من اجل الدعوة ، وفى شقها الثانى كان فى تفضيل قريش على سائر العرب . ولاشورى ولايحزنون …!!

اشتد مرض الموت بأبى بكر فاختار خليفته عمر بن الخطاب ( ردا لجميل موقف السقيفة ربما .. او حسن اختيار ربما .. او خشى الاختلاف من بعده ربما ..)، وكتب الوصية عثمان بن عفان واخذ البيعة عليها ( ولا شورى ايضا ولا يحزنون ….!!)

وفى اللحظات الاخيرة من صراع عمر بن الخطاب مع الموت بعد مقتله على ايدى ابو لؤلؤه المجوسى اوصى بلجنة الستة لاختيار خليفة من بينهم:(علي بن أبي طالب ، عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ، سعد بن أبي وقاص ، عبد الرحمن بن عوف ) في مدة أقصاها ثلاثة ايام ..

وقال لأهل الشورى: يحضركم عبد الله – يعني: ابنه – وليس إليه من الأمر شيء – بمعنى ( يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولي شيئا ) ، وأوصى أن يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، وأن يجتمع أهل الشورى ويوكل بهم أناس حتى يحسم الامر، ووكل بهم خمسين رجلا من المسلمين، وجعل عليهم مستحثا أبا طلحة الأنصاري، والمقداد بن الأسود الكندي.

وبعد ثلاثة أيام تقوم لجنة السته باختيار احدهم : الخليفة الثالث عثمان بن عفان . ورغم ان اختيار سته ليختاروا من بينهم خليفته لاتعبر شورى بمعنى ( شاورهم فى الامر – الامر شورى ) الا انها كانت نقطة ارتكاز يمكن البناء عليها فيما بعد . الا ان مقتل الخليفة عثمان وبداية الفتنه الثانية الاكبر والاعظم والتى شملت الحجاز والشام والعراق ، والحرب الطاحنة على الخلافة والملك بين كبار الصحابة ومقتل خمسة من المبشرين بالجنة ( بن الخطاب وابن عفان وابن ابى طالب اثناء خلافتهم –وطلحة بين عبيد الله – الزبير بن العوام قتلوا فى موقعة الجمل ).

لو تأسست الشورى الحقيقية منذ بداية السقيفة حتى بمفهومها الضيق فى اهل الحل والعقد ) حتى موقعة الجمل ومرورا بصفين وانتهاءا بمذبحة كربلاء, لمارأينا معاوية يبايع ابنه يزيد تحت أسنة الرماح بمباركة أهل الحل والحقد من الوجهاء والأعيان والمقربون من السلطان (طبقة المنتفعين ..!!) ، ويبايع على لابنه الحسن بمباركة اهل الحل والعقد دون اسنة الرماح ، وتسيل دماء المسلمين وكبار الصحابة ونصف المبشرين بالجنة ، لم نرى فيها خلافا على آية او حديث او خلاف فقهى ، ولكن …. السلطة …. السلطة …. السلطة …!!

الفتنة الكبرى : الجرح الغائر فى ضمير الامة الاسلامية ، والتى ينهى الفكر الوهابى عن الخوض فيها ( امرنا الا نتحدث فيها ) ومع الالحاح يقول لك الاخ الوهابى ( كلّ – الصحابة – كان يقاتل عمايعتقد انه الحق ) ..!!
وكيف لاتكون جرحا فى الضميرالاسلامى – والذى قتح الجرح على الملأ عميد الادب العربى طه حسين فى كتابه ” الفتنة الكبرى ” وقد كان المتقاتلون :
- عائشة زوجة النبى ( ومن رحم موقعة الجمل والاعداد للثورة جاء حديث ارضاع الكبير ، فحتى تتعامل زوجة الرسول مع قواد جيشها من الثائرين والذى قيل انه بلغ ثلاثون الفا ، كان عليها ان تقابلهم وتحادثهم مخالفة الأمر القرآنى “… واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن ……. حتى لايطمع الذى فى قلبه مرض ” من الاية53 الاحزاب . فكان الحل – او لنقل التحايل – بحديث ارضاع الكبير ( ان تقوم اخت عائشة بارضاع من يدخل عليها فيصبح محرما لها بصفتها خالته ) والذى اكدته آية قالت انها كانت تحت فراشها وأكلتها الداجن ) ولاتعليق ….. !!

- باب العلم واول من اسلم من الصبية وابن عم الرسول وزوج ابنته واحد المبشرين بالجنة ، على بن ابى طالب
- اثنان من المبشرين بالجنة : طلحة بن عبيد الله – الزبير بن العوام ، وقد قتلهم جيش الامام على المبشر ايضا بالجنة وذلك فى موقعة ” الجمل ”
- سيد شهداء اهل الجنة وابن بنت الرسول واحب احفاده اليه : الحسين بن على
- كاتب الوحى واحد الصحابة ( سيدنا ….!!! ) معاوية بن ابى سفيان
- القتيل الذى قامت بسببه الفتنة الثانية ، بعد فتنة الجمل هو احد الصحابة المبشرين بالجنة ، وزوج ابنتى رسول الله : عثمان بن عفان ، وكان السبب المباشر فى قتله تعيين اقاربه ولاة على الامصار وتعسفهم مع الرعية ( ودعنا من حكاية عبدالله بن سبأ الاسطورية .. !! ) , والسبب الثانى فى قتله فى رأينا هو قيامه بجمع القرآن على مصحف واحد واهمال مصاحف اخرى مع الصحابة وتشكيك السيدة عائشة فى قولها المعروف ” اقتلوا نعثلا فقد كفر ” والغريب انها بعد مقتلة كانت من اشد المطالبين بالثأر له ……….. !!!
وبداية من الحكم الاموى ومرورا بالحكم العباسى ثم الخلافة العثمانية وانتهاءا بحكم آل سعود الدينى فى جزيرة العرب لم نر سوى توارث للحكم ( يعين الخليفة او الوالى او الملك احد ابناءه ثم يأتى بأهل الحل والعقد ( طبقة المنتفعين ..) ليباركوا هذا الاختيار ، ثم يموت الملك ويعيش ولى العهد .. !! وتبارك مرة اخرى طبقة المنتفعين … !!
فأين الشورى من النمط الديمقراطى والتى وصلت اليه البشرية عبر تجارب مريرة من تحكم الملوك والامراء ومباركة رجال الدين وتأييد طبقة المنتفعين .
ـــ لماذا دائما نفكر كما نحب ، ولانفكر كما ينبغى ..؟؟