هناك لحظات مفصلية فى التاريخ الإنسانى وتاريخ الشعوب وكذا الاديان والافراد ، فاذا كان اكتشاف النار انتقل بالمجموعات البشرية الاولى من مرحلة التوحش الى اول المرحلة البشرية ، واذا كان اكتشاف الكتابه نقلت البشر الى بداية الأنسنه ، واكتشاف الآلة البخارية بداية الثورة الصناعية وما استتبعها ، فاننا نستطيع النقول إن أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت لحظة مفصلية وفارقة فى تاريخ الاسلام فى العسر الحديث وانتقاله من الهجوم الى الدفاع .

بدات الهجمة الوهابية على المنطقة بعد هزيمة 1967 التى كانت من ضمن تداعياتها هزيمة المشروع التقدمى الثورى الذى كانت يقوده عبدالناصر فى مصر فى ذلك الزمان امام المشروع الرجعى المحافظ بقيادة مملكة آل سعود وبدايه تمدده تحت دعوى (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) ليصبح ( الاسلام هو الحل ) ومع افتتاح مراكز اسلامية فى اوروبا وامريكا على اعلى مستوى وانتشار دعاة الوهابية لتتم ايضا عملية التجييش الدينى لمسلمى الغرب ومابقى غير ضرب امريكا ( ليدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) وراينا منتهى التناقض فى العقلية الاسلامية حين تستفيد من الديمقراطية والليبرالية والعلمانية الغربية فى اقامة مراكزها الدينية بدون ( خط همايونى ….. !!! ) وتحتمى بقوانين حقوق الانسان وتحصل على حق الاقامة واللجوء من الاضطهاد فى هذه الدول للحماية من اوطانهم الام ، وفى نفس الوقت يقومون بتكفيرها وتفجيرها ….!!!!
وبينما بن لادن جالس فى خيمته فى احدى كهوف افغانستان فى انتظار فتح امريكا و ( عام الوفود ) قادين اليه لتقديم الطاعة والجزية والولاء .

استيقظ العملاق النائم واعاد بوش الابن الى الاذهان مرة اخرى مقولة وزير خارجدية امريكا الاسبق – دالاس – ( من ليس معنا فهو ضدنا ) ، وبدأت الضغوط على الدول العربية لتحجيم هذا الجن القادم من جزيرة العرب بثقافة الصحراء المحملة برياح الجمود والتكفير ونفى الاخر .

انبرى شيوخ الوسطية فى مواجهة شيوخ التطرف ، وسمعنا ان الاسلام اول من نادى بالليبرالية ، وسمعنا عن مبادئ الإسلام السمحة والعقيدة الغراء مؤيدة بآيات وأحاديث فترة الاستضعاف فى مكة ، فى مقابل اصوات التطرف المدعومة بآيات واحاديث فترة القوة فى المدينة متسلحين بعلم ( الناسخ والمنسوخ )
وقامت ما اطلق عليه ثورات الربيع العربى والتى رغم سلبياتها الا ان من ايجابياتها انها اتاحت الفرصة للجميع ليخرج ويعبر عن قناعاته الفكرية والثقافية والدينية .

ومع أعداد الدستور المصرى بدأ الصدام فى المادة الثانية من دستور 1971 ليبدأ الصدام العلنى بين الإسلام الوسطى مع ( مبادئ الشريعة ) والإسلام السلفى مع ( أحكام الشريعة ) وكان اول صدام بين الازهر والجماعات السلفية ، ولأن الاخوان المسلمين تعهدوا ضمن ماتعهدوا به للقوة التى اوصلتهم للحكم- امريكا – بأن تكون مصر دولة مدنية على مرجعية اسلامية وسطية . ليعود الصدام مرة اخرى بين – المبادئ – و- الاحكام – ويعود الحديث عن توافق الاسلام مع حقوق الانسان ، ولكن السلفيين كانوا اكثر صدقا مع انفسهم عندما قال ممثل احد الاحزاب السلفية فى اجتماع مع المجلس العسكرى ابان فترة حكمه : سيدى المشير .. لقد انتخبنا الشعب من اجل تطبيق احكام الشريعة ، ونحن لن نوافق الا على ذلك . وهذا هو الصدام الحادث الان بين جماعة الاخوان المسلمين والجماعات السلفية التى فضت تحالفها معهم من اجل عدم تطبيق احكام الشريعه ، ويتذرع الاخوان بالاقباط ، فيرد السلفيون ان الاقباط سيعيشون ازهى عصورهم فى ظل تطبيق الشريعة التى ستضمن حقوق كافة المواطنين ….!!!!! .

قبل ان نكتب عن القيم الليبرالية الاربعة ( الديمقراطية والتداول السلمى للسلطة – حرية العقيدة – حرية المراة – حقوق الاقليات فى المجتمع الاسلامى ) وموقف الاسلام منها ، علينا ان نتعرف على الجذور التاريخية التى كونت المخزون الثقافى للفكر البدوى – حيث نشات الدعوة الاسلامية فى مجتمع رعوى بدوى – والفرق بينها وبين جذور الفكر الزراعى للدول المحيطة ببادية جزيرة العرب حيث ان هذا المخزون الثقافى سيكون هو المكون الرئيسى والاساسى للفكر الدينى فيما بعد .

” حق الاعتداء ” هو حق قبلى قديم نشأ فى المجتمع البدوى كنتيجة حتمية للترحال والتصارع على آبار الماء ومراعى الكلأ ، فمجتمع الندرة الصحراوى فرض حالة الترحال الدائم للبحث عن مراعى الكلأ وعيون الماء ومن الطبيعى ان ينشا الصراع والتقاتل بين القبائل على هذه الموارد المحدودة ، فنجده مرة منتصرا مستبيحا وغانما ، واخرى مهزوما مستباح العرض والمال ، وتدور الدوائر بين هزيمة ونصر قيلت فيه قصائد الشعر وملاحم الشجاعه والفخار

حق الاعتداء يستمد جذورة من حق آخر اقدم مارسه الانسان البدائى الاول فى الغابة فى بدايات التاريخ البشرى وهو ” حق القوة ” للصراع على الصيد وثمار الاشجار، ليأصل فيما بعد ” حق الاعتداء ” فى اللاوعى الجمعى للجماعات البدوية المرتحلة ويصبح مكونا رئيسيا لمخزونها الثقافى فيما قبل الاسلام ومع الاسلام ايضا وفيما بعد مع السلف من الفقهاء الذين وضعوا القواعد الفقهية اللازمة لاستخراج احكامهم الشرعية .
ومابين الارتقاء والانحدار زادت الفجوة الحضارية بين الثقافتين ” الزراعية – البدوية ” لتنتج لنا الاولى ثقافة التسامح ، وتنتج لنا الاخيرة مزيدا من حق الاعتداء .

وفى المقالات الأربعة القادمة سنطالع معا مدى توافق احكام ( وليس مبادئ ) الشريعة التى يريد ان يطبقها انصارالوهابية السلفية مع اربعة من اهم المبادئ الليبرالية وحقوق الانسان الحديثة ، فى مقارنه بين منظومتين : الاولى انسانى بشرى متغير نتاج القرن العشرين ، والثانية مقدس ثابت نتاج القرن السابع الميلادى فى جزيرة العرب وهى :
- الديمقراطية وحق التداول السلمى للسلطة .
- حرية العقيدة .
- حقوق المراة
- حقوق الاقليات فى المجتمع الاسلامى

فإلى لقاء .