يعد الفيلم الأوبرالي «كارمن» للمخرج الإيطالي فرانشيسكو روزي إنتاج عام 1984،كواحد من المعالجات المختلفة، التي تناولت هذا العمل سواء على المستوى الأوبرالي، أو المسرحي والسينمائي،حتى وصلت تلك المعالجات إلى أكثر من 15 معالجة على مر السنوات الماضية، ومن الجدير بالذكر أن (كارمن) هو عمل روائي للكاتب الفرنسي الشهير بروسبير ميرميه، ثم حوّله الموسيقار الفرنسي جورج بيزيه إلى أوبرا لتصبح من أشهر الأوبرات العالمية، التي ما زالت تعرض حتى وقتنا هذا. خرجت أوبرا كارمن إلى النور لأول مرة عام 1875عندما عرضها جورج بيزيه على مسرح (الكوميك) بباريس، ولكنها لم تلق الإقبال المرجو منها،ولكنها أصبحت بعد ذلك من أهم عشرة أعمال موسيقية عالمية على الإطلاق، حيث تحتل أوبرا (كارمن) المركز الرابع من بين تلك الأعمال حتى الآن.

عندما نفكر أن نحول عملا أوبراليا إلى عمل سينمائي، أو مسرحي، لابد وأن نضع نصب أعيننا أننا مقدمون على خلق معجزة، فالمخرج الأوبرالي هو مخرج لخمس مسرحيات كاملة تتلاحم جميعها، لتخرج إلينا كعمل واحد متلاحم، فمخرج الأوبرا هو مسئول عن الإخراج لمغني الأوبرا، والراقصين، والأوركسترا، والممثلين،ثم الإخراج العام.

إذاً فعلى المخرج السينمائي أو المسرحي أن يفكك المسرحيات الخمس ليصل إلى رؤية متكاملة، وتكمن الصعوبة هنا في تحويل العمل من القالب الأوبرالي الجامد الذي يؤدي فيه الصوت دور البطولة، إلى عمل يعتمد على الحركة المتوافقة مع الإيقاع الصوتي لخلق هارموني متناسق،فنص الأوبرا لا يمكن تغييره بأي حال من الأحوال، وكذلك النوت الموسيقية الخاصة بالعمل، لكن الأمر مختلف بالنسبة للسينما والمسرح.

نعود إلى الفيلم محور الحديث، فقد قدم الإيطالي فرانشيسكو روزي القصة الأصلية، كما هي دون التلاعب بالأحداث أو إسقاطها على واقع معين من وجهة نظره، ولكن تدخله كان معتمداً على تقديم رؤية مختلفة للعرض من خلال الإمكانات السينمائية،ربما كنوع من الانحياز لفن تنتمي إليه (السينما)، فأراد أن يقدم به شكلاً مختلفاً عن المنظور المحدود للأوبرا، والمسرح .

فـ(روزي) هو مخرج ينتمي إلى السينما السياسية بطابع الحال، وتطرقه لكارمن هو تجربة جديدة بالنسبة له حادت عن مساره ورؤيته السياسية المتعارف عليها، فقدم لنا كارمن الغجرية بشكل آخر، وهي ترقص وتغني، وتتحرك، وتتنقل بين المناظر الطبيعية الساحرة التي استطاع المخرج أن يحولها إلى لوحة متحركة يجذب إليها المُشاهد،لدرجة التوحد مع الأحداث، ولذلك لا يشعر المُشاهد بملل أثناء العرض رغم الأداء الحواري الأوبرالي غير المستساغ على مستوى الذوق الشرقي، وقد طوع الكاميرا إلى حد بعيد في التحرك بانسيابية لتلائم الإيقاع الموسيقي…

وكما قال النويري «إن المخرج استطاع أن يتماشى بالمقطوعات الموسيقية مع المشاهد،بحيث تكون نهاية المشهد هي نفسها نهاية المعزوفة،وبنفس الوتيرة الانفعالية للحدث» وقد حافظ المخرج على الطابع الأوبرالي،ولم يخالفه،بل طوره إلى مرحلة غاية في التقدم، لكن لعب الصوت دور الوصيف، إلى جوار البطولة المسندة للحركة المشهدية، وقد وظفه بذكاء لخدمة الفكرة.

كارمن هي فتاة غجرية تعمل بمصنع للتبغ، فتتعدى على زميلة لها وتصيبها بجروح، ومن ثم يقبض عليها، ويكلف العريف دون جوزيه بحراستها، لكنها تقوم بإغرائه بالحب، فيستسلم لها ويساعدها على الهرب، ويقع هو تحت طائلة القانون فيسجن، وبعد خروجه من السجن يذهب إليها فيتورط في أعمال أخرى خارجة عن القانون، ثم ينضم إلى قطاع الطرق واللصوص مع (كارمن) الهاربة، فيقع ضحية لتقلباتها المستمرة،وبحثها الدائم عن الحب والحرية غير المشروطة،لكنها تمل من ضعفه، وقيد حبه الذي لفه حولها، فيبهرها مصارع الثيران بقوته، وانطلاقه، فتلقي عليه شباك حبها هو الآخر،فيستجيب لإغوائها دون أدنى مقاومة ،ومن هنا يبدأ الصراع بينه وبين عشيقها الأول العريف (جوزيه)،إلى أن تنتهي الرواية بمقتلها على يده طعناً بالسكين، أثناء حضورها عرضا جديدا لمصارع الثيران عشيقها الجديد.

وهنا قام المخرج بعمل موازنة بين ساحة المصارعة التي انتهت بمقتل الثور، وساحة أخرى صنعها بأدواته لتجمع دون جوزيه بالغجرية (كارمن) حينما لاحقها أثناء عرض مصارعة الثيران، ليقنعها بالعودة إليه لكنها تصر على موقفها بعد صراع دار بينهما من الشد والجذب، انتهى بأن قتلها طعناً بالسكين،في نفس الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات المتفرجين بمقتل الثور،وكأن الثور هو المعادل الموضوعي لتمردها الدائم، ورغبتها في التحرر، والانفلات حتى لو انتهى ذلك بموتها.

استفزت شخصية (كارمن) الكثيرين من المبدعين على كافة المستويات، والفئات الإبداعية، وأثارت أعمالهم جدلا بالوسط الاجتماعي، سواء قدم العمل بأسلوب يتماشى مع طبيعة المجتمع الذي يحويه أم خالفها، وذلك لأن شخصية (كارمن) هي رمز للانحلال الأخلاقي على طول الخط، وأحياناً هذه النقطة تورط صاحب العمل للانجراف بعمله إلى مناطق سوداء تتنافى مع القيم العامة، بخاصة في المجتمعات الشرقية والإسلامية، فعلى سبيل المثال أحدث الفيلم (كارمن جاي ) للمخرج السنغالي (جوزيف جايا راماكا)، ثورة عارمة من قبل الإسلاميين بالسنغال، وقد تمكنوا بالفعل من إيقاف عرضه، لأنه من وجهة نظرهم يخالف تعاليم الأديان. وستظل شخصية كارمن كما هي مهما تعددت الرؤى التي تقدمها،وستظل كما هي(كارمن) الغجرية التي فتنت السلطة والقوة على السواء، وحتى بعد نهايتها المأسوية ستظل باقية، ترقص وتغني:
أنا حبي كولد غجري
إن لم تحبني فسوف أحبك
وإن أحببتني فاحترس.