أثبتت القصة القصيرة أنها جنس أدبي قائم بذاته، يمكن أن يَعتمد عليه الأديب كمنهج مستقل…

فقد استطاعت أن تسير مواتية لمجريات الثورة الزمانية التي انطلقت بداية من منتصف القرن الماضي، فتداخلت مع جسدها، وخاضت معها مراحل النمو والنضوج، فورثت عنها طبائعها،التي انعكست علينا كبشر تحوينا بقعة زمنية واحدة، فخضنا مناحي حياتية جديدة كانت نتاج تلك التغيرات المتلاحقة التي خلفتها تلك الثورة هنا وهناك، لذلك كانت القصة القصيرة هي الكبسولة الأدبية السائغة التي يمكن أن يتناولها انسان هذا العصر، الذي يعيش في دائرة صراع مع عدادات الزمن اليومية، التي تدفعه دفعاً لملاحقة متطلبات الحياة، في ظل الامتداد التكنولوجي، والتنافس مع التقدم الآلي الذي يهدد طاقاتنا البشرية، لذلك نالت القصة القصيرة حظها التلاؤمي الذي يناسب الآلية اليومية للقارئ الحالي، شكلاً ومضموناً، فلعب الاقتصاد الحَرفي دوراً حيوياً في جذب القارئ المتعلق بمهارة القراءة، لأخذ وجبة دسمة من الاستمتاع السريع، يتناولها صباحاً على مائدة افطاره قبل أن يلحق بمنظومة الطوابير اليومية.

وقد نالت القصة القصيرة حظها من رضا تلك الفئة التي وقفت على سلم المعرفة معلقة بذيل طاحونة العمل، وقد ظهر جيل من منتهجي كتابة القصة القصيرة، في الآونة الأخيرة، استطاع أن يحفر ملامحه على لوح الواقع القلق، فكل يوم تخرج علينا مجموعة قصصية جديدة صادرة بالجهد الذاتي للكاتب، الذي لا ينتظر بالطبع العائد المادي من الكم الضئيل المطبوع من مجموعته، بل كل ما يأمله هو اثبات الوجود على الساحة الأدبية، ولكن الطموح المنشود من الوسائل العارضة لانتاج كُتاب القصة القصيرة لم يقتصر على محاولات الطباعة والنشر الورقي فقط، بل تفرعت وسائل العرض للانتاج القصصي القصير الى ساحات أخرى نستطيع أن نسلط عليها الضوء من خلال محاولتين بارزتين: الفيلم الروائي القصير، ومسرحة القصة القصيرة.

الفيلم الروائي القصير

ان فكرة الفيلم الروائي القصير لم تكن فكرة مستحدثة، ولكن كتب لها الظهور بالسينما المصرية في فترة الستينات، ولكن لم يتم عرض الفيلم القصير كوحدة مستقلة، بل كان يعرض ضمن عدة أفلام قصيرة تشكل فيلماً روائياً طويلاً، وتطورت التجربة بالمجموعة السينمائية، (حكاية وراء كل باب)، وهي عبارة عن مجموعة قصص قصيرة اشترك في كتابتها (توفيق الحكيم- كمال يس- كاتيا ثابت)، وقد تم تحويلها لمجموعة من الأفلام القصيرة، قامت ببطولتها (فاتن حمامة) ومجموعة من الممثلين، وأخرجها (سعيد مرزوق- بركات)، وقد تم تقسيمهما الى مجموعتين عرض انتاج عامي 1973، 1980، ومن أشهر تلك الأفلام فيلم (ضيف على العشاء) لكاتيا ثابت، و(أريد أن أقتل – الساحرة – أريد هذا الرجل – أغنية الموت) لتوفيق الحكيم، وقد عرض كل فيلم كوحدة مستقلة، قامت بانتاجها الفنانة (فاتن حمامة)، حيث كانت مدة الفيلم لا تتعدى نصف الساعة، بعد ذلك تقلصت تلك المحاولات، لأسباب تجارية تتعلق بمفهوم الفيلم القصير، وجمهوره، ولكن عاد الاتجاه لثقافة الفيلم القصير مرة أخرى منذ مطلع هذا القرن ،كنتاج طبيعي لتلك الدفقة المنهمرة لكتاب القصة القصيرة من الشباب، للتعبير عن واقعهم الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي بالمجتمعات العربية، عن طريق الومضة التي تسلط الضوء على الواقع الراهن كما هو، دون الالتفات لادراج الحلول.

لذلك كانت العودة للفيلم القصير هي الأنسب لتجسيد تلك الومضة المكتوبة، والجدير بالذكر لمثل هذه الأفلام فيلم (الحادي عشر من سبتمبر) للمخرج العالمي (يوسف شاهين)، والذي قام ببطولته الفنان (نور الشريف)، حيث ناقش الفيلم واقع سياسي راهن، وأزمة حقيقية خلفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد تم تمثيل الفيلم بالولايات المتحدة الأميركية، وكذلك الفيلم القصير (صباح الفل) للمخرج (شريف البنداري) والذي قامت ببطولته منفردة الفنانة (هند صبري)، والفيلم مأخوذ عن مسرحية «الاستيقاظ» للكاتب الايطالي (داريوفو)، وقد نال الفيلم جائزة لجنة التحكيم للأفلام الروائية القصيرة في مهرجان الاسماعيلية الدولي العاشر في دورته الماضية، وهو من انتاج المركز القومي لصناعة السينما في مصر وباشراف رئيسه الناقد السينمائي المصري علي أبو شادي. مدة عرض الفيلم 8 دقائق فقط، وقد ناقش الفيلم تلك المشاغل الحياتية التي تشغل الانسان في الوقت الحالي، التي قد تؤدي به لفقدان الشعور بالزمن من حوله.

وهناك محاولات شابة لانتاج الأفلام القصيرة بالجهد الذاتي، للاشتراك بها في مهرجانات السينما التي أصبحت تعترف بوجود الفيلم القصير، مثل مهرجان دبي السينمائي، ومهرجان الخليج السينمائي، ومهرجان القاهرة السينمائي، ويصنع الفيلم القصير بامكانات محدودة جداً، نظراً لضآلة الانتاج، وبساطة الأدوات المستخدمة، المسايرة للتقدم التكنولوجي، كاستخدام بعض كاميرات (الموبايل) في التصوير، ولكن المحاولات الشابة لا تهدأ، ولاتكل، للنهوض بهذه التجربة، وفرضها على الواقع، وقد ظهرت أصوات تنادي بعرض فيلم روائي قصير بدور العرض قبل البدء في عرض الفيلم الروائي الطويل، وقد تم انتاج مجموعة من الأفلام كانت بمثابة الاعلان عن اثبات الوجود، مثل فيلم (بورتريه) الذي يعرض لمشكلة اختلال الذوق الفني، وفيلم (رقم قومي) المأخوذ عن قصة (19052) ليوسف ادريس، ويحكي مأساة المواطن العربي، الذي لا تراه الحكومات الا من خلال الأرقام، والأوراق الرسمية، وغيرها، وغيرها من الأفلام التي تخرج الى النور كل يوم، وكلها مأخوذة عن قصص قصيرة لكتاب من جيل الشباب.

وقد شهد عام 2007 قيام مجموعة من الشباب المهتمين بصناعة الأفلام القصيرة بالاعلان عن (رابطة المبدعين العرب للأفلام القصيرة والرقمية) بالقاهرة، كما أنه بدأ العمل على بث قناة (الهدف الفضائية) للأفلام الروائية القصيرة، كأول قناة مصرية، وعربية تهتم بهذا الفن الذي بات حلماً واقعاً للكثيرين من كتاب القصة القصيرة.

مسرحة القصة القصيرة

لم تعد الطاقات المكبوتة داخل كتاب هذا الجيل، تجد في التعبير الكتابي متنفساً لها فقط، فكان لابد لتلك الطاقات من الانطلاق للبحث عن بدائل أخرى للخروج من جسد الأوراق المحدود، ولضعف الامكانات الاقتصادية التي تكبل الكثيرين من مبدعي هذا الجيل، كان لابد من اختراع وسائل في متناول التحقق، وذلك لخلق بيئة مبتكرة لتفجير تلك الطاقات الكامنة بدواخل المثقف العربي، والتي تسببت في شحنها الأحداث المتتالية المتعلقة بالقضايا العربية الراهنة، وكان لابد لكتاب القصة القصيرة من السعي لابتكار وسائل مغايرة للتعبير المقروء سواء كان صامتاً، أم جهرياً، فكانت الحاجة ملحة لصنع أساليب جديدة تشارك فيها الطاقات الجسدية مع الطاقات الذهنية المكتوبة، وبامكانات متاحة تتناسب مع الاطار الاقتصادي المحدود، فبدأ السعي لفرض ما يسمى القصة الممسرحة على الساحة الأدبية، وهي وسيلة من وسائل العرض المبتكرة، التي تشترك فيها لغة الجسد مع اللغة المكتوبة، بأن يقدم الكاتب أو من ينوب عنه، العمل القصصي معتمداً على الايماءات الحركية، والتعبيرات الصوتية التي تتناسب مع المقطع المكتوب، وبذلك يدخل المتلقي في بؤرة القراءة البصرية، والمسموعة في آن واحد، والحصول على المتعة من خلال عرض مسرحي محدود، لا يعتمد على الديكورات، والاسقاط الضوئي، وما الى ذلك، بل يعتمد على اللغة الحركية مصحوبة باللغة المسموعة، وذلك يمنح المتلقي مساحات من الخيال الخاص، خصوصاً أن اللغة لا تحمل أكثر من 25 في المئة من المعنى ويبقى 75 في المئة من المعنى معلقاً للتخيل أو البصرية، وقد اتجه الكثيرون من كتاب القصة القصيرة الشبان الى استغلال هذه المنطقة لعرض ما يكتبون من قصص، بانفاق طاقتهم الجسدية مصاحبة لطاقاتهم الذهنية.

ومن البارزين في تقديم هذا النوع من العروض القصصية، القاص والمسرحي العراقي (بيات مرعي) عندما قدم مجموعته القصصية (الخيول الجريفونية)، وهي مجموعة اتخذت من المزاوجة بين القصة والمسرح موضوعاً لها، وكان صدورها ببداية التسعينات، وكذلك القاصة والاعلامية السورية (نسرين طرابلسي)، التي انتهجت هذه الوسيلة لعرض انتاجها القصصي بداية من عام 2004 بالكويت، ومنذ هذا الحين وهي تعرض لقصصها بتلك الوسيلة التي تحتاج الى مهارة فردية، تعتمد على اجادة التوافق الحركي الذهني، لامكانية الاستحواذ على انتباه الجمهور، ولفت نظره بالتركيز على النواحي الدرامية بالقصة، وقد نال عرضها الأخير (بساقية الصاوي) بالقاهرة بمطلع العام الحالي حظه من قبول ورضا المتلقي.

ورغم أن مفهوم القصة الممسرحة لم ينل حظه من الانتشار لأن ليس كل مبدع في استطاعته الجمع بين مهارتي الكتابة والعرض الحركي، الا أنها باتت محاولة لا يمكن انكارها في ظل السعي الدائم للتجديد، ولكنها تبقى وسيلة امتاع مؤقتة تنتهي بانتهاء العرض المقدم، بخلاف وسيلة العرض المطبوعة (الكتاب)، و تجربة الفيلم الروائي القصير الموثقة، الا انها باتت وسيلة تعالج جوانب عدة مهمة؛ أولها العجز المسرحي لدينا والذي لا تدعمه وسائل الانتاج والظروف الاجتماعية؛ ثانيها استقطاب جماهير جديدة للثقافة المقروءة خصوصاً بعد غياب الناقد المحرض على القراءة، لأن الكثير من الجمهور يحتاج الى فتح لمغاليق الابداع الأدبي ليستطيع التفاعل معه، ومن هذا الجانب يمكن للعرض البصري المصاحب للنص أن يقوم بدور اعطاء القارئ مفاتيح النص حسب رؤية المؤلف المؤدي.