أسنانه البيضاء والبارزة، كانت هي الاستثناء الوحيد في بشرته وملابسه السوداويين.

نحيف لحد الوهن، دميم الوجه، شعره أفريقي مجعد. سريع الخطوة في خط مستقيم، حتى يخال المرء أن أقدامه الحافية دائما، المملوء بالشقوق الواسعة، لا تلامس الأرض. صامت دائما، لم يسمع أحد صوته أبدا، وإن كانت شفتاه الغليظتان مفتوحتين دائما، ربما بفعل أسنانه البارزة، أو لسبب غامض لم يتح لأحد أن يعرفه يقينا. هذا هو أحمد السلكوتي، أو كما أطلق عليه “أحمد المخاوي”. قميص أسود كالح، لا يبدله أبدا، على كتفه الأيسر قدوم صغير يتدلى منه مقطف، وحول الكتف يلتف حبل غليظ مجدول من ليف النخل الخشن. هذه عدة أحمد في عمله، لتقليم النخيل.

جسمه النحيل وربما تعوده الطويل على ممارسة المهنة، كان يجعل من صعوده لنخيل الصعيد العالي شيئا أشبه بألعاب سحرية، خاصة في عيون الأطفال. يقفز سريعا في الصعود مثل طريقته في المشي ليكون في قمة أعلى النخلات في لمح البصر. يشد الحبل جيدا حول وسطه، ويدور مثل نحلة في الأعالى.

يروي البعض قصصا أسطورية عن أحمد، منها أنه كان يقضي أحيانا ليالي بكاملها فوق قمم النخيل لا يغفو ولا يسقط من هذا الارتفاع . خفة حركة “السلكوتي” وغرابة سلوكه، جعلت كثيرا من الناس يروجون عنه أنه “مخاوي” وهو لفظ يطلقه أهل الصعيد على من يعاشر أو يتزوج الجن.

قصص أسطورية تحاك حول الموضوع، عن جمال “الجنيات” وسحرهن، وقدراتهن اللامتناهية. وعن الطعام الشهي الذي تعده الجنية “للمخاوي” من أصناف وأطايب لم يتذوقها بشر. قصص كانت تبدو غير متطابقة مع رقة حال “المخاوي” وجسده الضامر وهوان شأنه بين الناس، ولكنها كانت تجد طريقها للتصديق بين كثير من الناس.

في عصر أحد الأيام، وعلى الطريق الطويل القريب من محطة السكك الحديدية كانت جمهرة من الناس تتحلق حول شجرة كافور عملاقة. شجرة عجوز بجذع ضخم، وطول خرافي. كان أحد أفرعها قد تزحزح توا من مكانه وسقط بميل حاد يكاد يلاصق جسم الشجرة. أصوات استغاثة وهرولة ورواح وغدو في المكان، البعض يصرخ مستعجلا الإسعاف. بين الشجرة والفرع كان “المخاوي” عالقا، في رحلة صعوده الأخيرة، قبل العودة للأرض جثة هامدة. قضى “المخاوي” عاشق الصعود، والمتدرب على صعود النخيل وهو يحاول تقليم فرع شجرة الكافور.