الحديث عن استرداد الأندلس هو استمرار لنفس الهوس بالمظهر و الشكل و القالب على حساب الجوهر و المعنى, وهذا الهوس ما زال الخطاب الاسلاموي الحديث يرتكز عليه عن طريق تغليف تلك القوالب بالخطابة العاطفية و الألفاظ الرنانة التي تسعى لجذب تأييد الأتباع بشكل شعبوي لا مكان فيه لخلق وعي متسق أو أفكار واضحة.

هو خطاب شبيه بخطاب تعريب العلوم وليس السعي المضني لانتاج الوعي الذي يستطيع انتاج العلم نفسه.

وينطبق نفس الموضوع على الأندلس حيث يتشبث خطاب الاسترداد بأندلس “الأرض” الاقليم الجغرافي ويغفل “المثال” الذي عبرت عنه الأندلس فكان التجلي المادي المرئي في الحضارة تعبيرا عن قيم قائمة بذاتها معنويا بشكل مستقل عن التجلي المادي المحدود بالزمان و المكان و الظرف.

تلك القيم كالعلم والعقل و التعايش و التسامح والجمال و الاتقان – والتي كانت حضارة الأندلس تجسيدا لها في العصر الذهبي لها و ليس في كل عصورها – هي التي ينبغي أن ينصب عليها خطاب الاسترداد .

أما هذا التعلق باسترداد الأرض فهو أدلجة مشوشة للتاريخ. فوجود العرب في الأندلس كان حدثا تاريخيا ومضى بل وجود كل دول وممالك الخلافة هو نفسه حدثا تاريخيا وانتهى ولا يمثل مرجعية في حد ذاته. فلا أندلس اليوم أندلس الأمس ولا عرب اليوم عرب الأمس . واذا قُدر للمسلمين أو العرب أن تتقدم مجتمعاتهم فسيكون هذا التقدم نابعا من معطيات واقعهم ومتفاعلا مع ما حولهم سواء من ناحية الشكل السياسي أو الثقافي أو العلمي, وليس محاولة لاسترداد “الشكل” التاريخي والجغرافي كما هو إذ إنه حدث كمحصلة غير مقصودة لمعطيات الزمان و المكان التي تفاعل معها العرب المسلمون بشكل عملي منفتح غير مقيد بنماذج تازريخية مسبقة يحاولون اعادة إنتاجها كما نحاول أن نفعل نحن الأن.

الأمر المشوش الأخر هو أحقية الاسترداد.

فهل هو استحقاق قومي للعرب أم هو استحقاق المسلمين؟ واذا كان استحقاقا للمسلمين فهل هو استحقاق سياسي “للأمة” الاسلامية (مع العلم أن الأندلس كانت دائما كيانا سياسيا منفصلا تماما عن الولاية العامة منذ العصر العباسي)؟ أم هو استحقاق قومي حقوقي لأحفاد المسلمين الذين طردوا منها؟ أزعم أنه من الصعب بناء أحقية متسقة على أي وجه من الأوجه المذكورة.

وفي ضوء ذلك لا يبقى الا التعلق المشبوب بفترات الانجاز في ظل الشعور بالفشل في الحاضر, وتأتي تلك الرغبة مشفوعة بافتراض ساذج أن التاريخ لا بد أن يعيد نفسه حرفيا و شكليا لا لشيئ إلا لأننا نريد ذلك ! وبما أننا عدنا للحديث عن الحرفية والشكلية فإن المفارقة الشديدة أن أرباب خطاب الاسترداد الشكلي هم من أصحاب المذاهب الأبعد ما تكون عن ما كانت حضارة الأندلس تمثيلا له. فهم لا يطيقون أدنى مستويات التسامح وقبول النقاش العلمي والعقائدي التي ميزت الأندلس بشكل عام ( باستثناء فترة حكم دولة الموحدين الذين كانوا غلاة و متعصبين مع خصومهم, فربما هذا هو الجزء الذي شغف به الاسلامويين في عصرنا !). ومعظم الشخصيات العلمية التي أنتجها العصر الأندلسي من علماء و فلاسفة ومتصوفة هم في نظرهم زنادقة ومبتدعون.

غني عن التعريف والتأكيد أن مقصد الحديث هنا لا يتنافى مع الاعتزاز بقيم الحضارة الأندلسية كمرحلة مشرقة في بعض جوانبها في الوعي التاريخي للعرب و المسلمين. وأن اضطهاد المسلمين و اليهود وطردهم على أيدي ملوك الأسبان مَثل مرحلة ارتداد حضاري وانساني بكل ما فيها من دموية وبشاعة. بل بالعكس, الحديث هنا يؤكد على كل ذلك من خلال الدعوة الى العمل على استشراف تلك القيم في تجريدها واعمال العقل في كيفية احياء الجانب المعنوي الثابت عبر الزمان والمكان في شكل و قالب يناسب معطيات العصر و الواقع المعايش.