نرى تلك العبارة في بعض المواد ذات المحتوى الديني والتي ترسل عبر البريد الاكتروني أو الفيسبوك, وتأتي تلك العبارة في نهاية المادة المقروءة كنوع من الحث على إعادة ارسال ذلك المحتوى أو وضعه على الصفحة الخاصة في حالة الفيسبوك والتحذير من عدم فعل ذلك على أساس أن  سبب الامتناع هو ذنوب الشخص أو “هوى” نفسه.

والحقيقة أن تلك العبارة هي مجرد مثال بسيط لفكرة ومفهوم أعم تتميز به ممارسات التنظيمات العقائدية بمختلف أنواعها سواء دينية أو غير دينية.

تلك الفكرة هي الذراع الناعم أو المسوغ لفكرة السمع والطاعة. وهذه الفكرة ليست موجودة فقط في التنظيمات العقائدية الإسلامية بل هي حتى موجودة من قبل تلك التنظيمات في الجمعيات السرية والتنظيمات العقائدية المتطرفة في أوروبا سواء في اتجاه اليمين واليسار.

ولعل الإسلاميين قد تأثروا بتلك الأفكار من قبيل هوس الضعيف بتقليد القوي سواء بوعي أو غير وعي، وإن كرهه.

وفي حوار مع أحد الأصدقاء أخذنا نسترجع ما لمسناه بشكل مباشر من الاحتكاك بتلك التنظيمات مما يتعلق بتجليات تلك الفكرة في ممارسات تلك التنظيمات المختلفة. فحالة السمع والطاعة التي تعتبر الحالة المثالية التي يصبو إليها القائمون على التنظيم لا يكفي أن تفرض فرضا بسلطة الجماعة او التنظيم.

بل يجب ان تكون السلطة مصحوبة بخطاب يتضمن مجموعة من الأفكار والممارسات التي تجعل العضو المجند يقتنع بمبدأ السمع والطاعة. ومن أهم تلك الأفكار هي إيجاد مجموعة من الأسباب والاتهامات المسبقة تكون مسلطة على رقاب الأعضاء وبالذات الذين يتساءلون عما يبدو لهم غير منطقي أو متسق سواء فيما يقدم لهم من أفكار أو يطلب منهم من إجراءات وأفعال.

فالبناء الفكري للتنظيمات العقائدية عادة ما يكون به الكثير من المبالغات والتعميمات والنواقص المعرفية وذلك لأنها معنية بالحركة والتجنيد لأهدافها على أرض الواقع وليست معنية بسؤال الحقيقة والمعرفة الذي يشغل به الفيلسوف او الحكيم الغير خاضع لإطار زمني  حركي معين. فعندما يصطدم العضو الناقد بتلك لمشاكل يجد أنه يتهم بأمور عديدة.

منها أنه ليس على درجة كافية من الإخلاص وأنه سوف يدرك الحكمة مما يلقى على مسامعه عندما يعطي من نفسه أكثر. وقد يتهم بأنه منقاد لهواه ويبحث عن مبرر لعدم الالتزام. وقد يتهم بأنه “يبالغ” في الاعتماد على عقله في حين أن انتماءه للتنظيم هو إقرار بأنه عاجز عن إدراك كل شيء بعقله لذلك يجب أن يخضع للسلطة المعرفية للتنظيم الذي ينتمي اليه فكريا ووجدانيا. ولعل ذلك الجانب الوجداني هو ما يتم استغلاله أيضا لتهذيب وإضعاف الدوافع والقدرات النقدية للأعضاء. اذ دائما يتم تذكير الأعضاء بذلك الجو الأخوى المتميز الذين ينعمون به داخل المنظمة والذي لا يعرفه غيرهم من الناس”العاديين” خارج التنظيم. ويعمل ذلك التذكير علي شيئين الأول هو صرف النظر عن التفكير عن طريق الاستغراق الشعوري في العمل الجماعي في ذلك الجو الأخوي الباعث على الأمان والألفة. الأمر الآخر هو استخدام تلك الأجواء  باعتبارها دليل في حد ذاتها للاستدلال على صحة الطرح الفكري   للتنظيم في شكل خطاب بلاغي  ذو وقع عاطفي لا يخلو من الابتزاز الذي يجعل المستمع يشعر بالذنب تجاه النقد والاعتراض.

ما يحدث تدريجيا نتيجة كل ذلك هو انتقال المرجعية من ذوات الأفكار  الى ذات القائل والمصدر. فتصبح الأفكار والتعاليم  صحيحة لا لوضوحها و اتساقها ولكن لصدورها عن كيان المنظمة.  المشكلة انه عادة لا تكون الفوارق واضحة كما تصفها تلك الكلمات. فبين المعلم الحقيقي الذي يسعى بإخلاص لأن يعلم غيره ويوقظ وعيه وبين المعلم الذي يظن أن يفعل ذلك ولكن في حقيقة الأمر لا يفعل ذلك لنقص في علمه وقصور في تكوينه، وبين الآخر الذي يستغل الآخرين وثقتهم به، فروق بسيطة نتيجة خداع الظاهر. اذ ان لكل نور ظل يشابهه في الشكل والهيكل ويخالفه في الطبيعة والجوهر ولا يظهر ذلك الا مع العمل الدائم على ايقاظ الوعي ليكون دائما في حالة انتباه وادراك بعيدا عن التوهمات والانفعالات مما يمكنه من  تقوية الحدس والاحساس الداخلي الذي يمكنه من التفرقة بين من يحملون تعاليم حقيقية وبين من يشبهونهم.