على امتداد البصر، وسط المزارع الخضراء في جنوب مصر، وبين بيوت قراه الريفية البسيطة المبنية من الطين غالبا، تترامى أبنية مختلفة قليلا في الشكل، تعلوها قباب مخروطية مطلية باللون الأبيض، وأسفلها غالبا باللون الأصفر، وتتداخل على بقية البناء خطوط دائرية باللون الأحمر الداكن, وتعلوها رايات باللون الأخضر.

كانت تلك الأبنية التي يحيطها قدر من الغموض وقدر أكبر من القداسة تأخذ نظري أكثر من أي شيء آخرعداها في سنوات الطفولة الأولى، وتدفع في النفس كل كوامن الفضول لمعرفة ما هي تلك المباني المغلقة إلا قليلا، عندما يتردد عليها بعض الزوار.

إنها أضرحة، أو مقامات أولياء الله الصالحين، التي تنتشر في طول مصر وعرضها،في داخل المدن،والقرى والحارات وحتى في بعض المناطق الجبلية المعزولة عن كل عمران، وأحيانا كان يصادف أن ترى مقاما داخل بيت مسكون، وهذا الاخير غالبا ما يكون لطفل توفاه الله صغيرا وأراد أهله أن يخلدوه بينهم فيعدون له مقاما.

وكما تختلف أحوال الأحياء ما بين فقير وثري، ووجيه وبسيط،كانت تختلف هيئة تلك الأضرحة وفقا لمقام وسمو مرتبة صاحبها، فبعضها كان مجرد بناء من غرفة واحدة بالطوب اللبني بباب خشبي عتيق، وداخلها هيكل متواضع مصنوع من الخشب يعلو قبر صاحب المقام، ومغطى بقماش أخضر اللون، والبعض كبير وضخم ويبدو مثل مجمع هائل يضم عدة أبنية أنيقة يتوسطها مبنى يضم الضريح، وأرضيتها مبلطة بأنواع من الرخام الفاخر والأبواب الحديدية العالية.. والبعض وهو الأقل للأولياء أصحاب الصيت الذائع له دور ضيافة لا يغادرها الزوار وأصحاب الحاجات.

كنت دون الرابعة تقريبا عندما دخلت أول ضريح، كان للشيخ “فؤاد” ويقع وسط منطقة زراعية على مقربة من قرية جدتي الصغيرة النائمة على ضفة النيل، فقد كان من عادات أمي، إذا ألم بي مرض، عجز أطباء البلدة، والذين كان أغلبهم من المسيحيين،عن علاجه، أن تلتمس لي علاجا من “أهل الله”، أو الأولياء الصالحين، ويصل بها الحال أحيانا أن تأخذ طوبة من بناء الضريح لتجعل منها وسادة أضع عليها رأسي عند النوم طلبا للبركة وطردا للشياطين.

كثيرة هي الأضرحة والمقامات التي كنت أدلف أبوابها مع أمي صغيرا، إما طلبا للشفاء، أو ردا للجميل بعده بتقديم النذور والشموع لصاحب المقام، ومثل كل الأشياء تبقى المرة الأولى هي الأكثر انطباعا في الذهن مهما تقدم العمر.

داخل ضريح الشيخ “فؤاد” وعلى بساطته أخذتني رائحة البخور وجذبت عيني البُسط والغطاء الأخضر للضريح والذي كان مصنوعا من قماش رخيص، يناسب حال زواره من المزارعين الفقراء.

مضت سنوات قبل أن يكون لي أنا شخصيا “ولي” أتعلق به باختياري،إلى أن عثرت على “الشيخ مسعود“.

خلافا لكل من ذكرتهم من أولياء الله، كانالشيخ مسعودمغايرا في كل شيء ، في مقامه وبنيانه وقصة كرامته، التي جعلت منه وليا.

في منطقة زراعية بعيدة عن العمران نسبيا، وعلى بعد أمتار قليلة من الضفة الشرقية للنيل، يقع ضريحالشيخ مسعودشديد البساطة والتواضع.عبارة عن حجرة صغيرة مبنية من الطوب اللبن بلا سقف ولا باب، وقربه ساحة فسيحة تحتل معظمها شجرة جميز عملاقة، وإليها يشد مربط جاموسة “العم علي” وقربها حظيرة خشبية لأغنامه.

وإذا كان مقام “الشيخ مسعود” بسيطا ومفتوحا، فإن الأمرفي الداخل كان محيرا، بل كان لغزا صعبا على الأقل بالنسبة لي وأنا على مشارف الصبا.

ففي الداخل لا يوجد مقام أو قبر، فقط مساحة فارغة يكسو جزءا منها حصيرة متهالكة مصنوعة منسعف النخيل،وإلى أسفل الجدار الشمالي للبنيان يتمدد حجرمن الجرانيت باللون الوردي الفاتح بطول نحو مترين وعرض أقل من المتر قليلا، ولا شيء آخر في المكان.

كان أول ما يتبادر لذهني أين “المقام” أو الضريح أو القبر، أيا ما كان الاسم!!! بقي السؤال بداخلي أخشى أن أطرحه على أحد، فهذا في كل الأحوال مقام شيخ لا يجوز الحديث عنه بغير الاحترام الكافي.

بقى الأمر على هذا الحال وقتا، وأنا أتردد على الشيخ مسعود، القريب من أحد حقولنا طلبا للراحة وهربا من قيظ حرارة صيف الصعيد، فأشرب من “الزير” وهو إناء فخاري ضخم، موضوع على مدخل الحجرة، وأهجع للنوم إما على ذلك الحجر الوردي اللون، أوعلى مصطبة تلاصق الجدار الجنوبي للبناء وتظلها شجرة الجميز، إلى أن جاء يوم تجرأت بسؤال “العم علي” عن قصة صاحب المقام، فقص على مسامعي عجبا، ولكن لم يكن هناك مفر من تصديقه رغم غرابةالرواية.

قال لي “عم علي” إن الشيخ مسعود من أولياء الله الصالحين ممن جاهدوا وقاتلوا أعداء الله، دون تحديد لمن هم هؤلاء الأعداء، أو زمن معاركهم، وأنه استشهد بعد أن أوسعهم ضربا وقتلا .وما إن استشهد “مسعود” حتى تحول جسده الطاهر لذلك الحجر الوردي الضخم ، وأن ذلك الحجر “المبارك” طفا على النيل عائما إلى أن استقر في تلك المنطقة.

بقيت مشدوها وحائرا لرواية العم علي، وانتابني خوف عظيم من حماقتي السابقة بالنوم فوق الحجر “المبارك” الذي اكتشفت أنه جثمان الولي ذاته، وأن لعنة الله ستحل علي بسبب تلك الفعلة الطائشة.

ورغم مخاوفي تلك فإني لم أنقطع عن عاداتي في مجاورة الضريح باطمئنان ومحبة،لكن دون نوم على الحجر مرة أخرى، مكتفيا بالنوم على المصطبة الطينية المجاورة للمقام وتحت ظلال الشجرة العملاقة.

مرت بي السنون واقتربت من بلوغ كهولتي ، ولا أتذكر أنني نمت في مكان على كثرة ما تنقلت،بهذا العمق وتلك الطمأنينة مثلما نمت في مقام “الشيخ مسعود” ولا أعرف إن كان ذلك بفضل بركة صاحب المقام، أم بفضل نسيم النيل المجاور.

ولا أعرف إلى الآن إن كان الشيخ مسعود وليا حقا أو حجرا لا أكثر جرفه الفيضان قبل بناء السد العالي وألقى به في تلك الرقعة من المزارع، ولكن المؤكد أني أحبته أكثر من أي ولي آخر زرته أو سمعت عنه، فقد كان بسيطا جدا، ومقامه مفتوحا دائما بلا حواجز أو حراس أو “نقيب” يتولى جمع النذور والتبرعات له، فأحسست بانه “ولي” لديه من الزهد والوداعة ما يغري بمحبته!