الزمان: حقبة زمنية منسية من منتصف شتاء يناير. تمام الثانية و النصف فجراً.

المكان: قصر… وحيد على تلةً ما, سماء القصر مرصعة بالنجوم كالماس ..و الأهلة التي لا تكتمل و الأقمار… لا تتغير و لا تتبدل.

هو: يجلس جلسته المعتادة أمام البيانو العتيق, ببذته المعهودة, السوداء الأنيقة… ينظر للمفاتيح البيضاء و يمر بأنامله فوق مثيلتها السوداء, محاولاً أن يكمل مقطوعته التي عكف على تكوينها لمدة لا تقل عن عشرون عاماً…
فلقد إعتزل العالم بشروره و غباؤه, أرضه و سماؤه, فقط ليكمل هذه المقطوعة.. و البشر؟ أغبياء… حفنة من الأشرار.. جرثومات لا ترقى بأن يعاشرها… و لا يوجد لديه استثناء.. الجميع في نظره يشترك في هذه الصفة: الغباء المطلق, إلا هو.. فهو لا يألف العلاقات الإنسانية و لا ينسجم بصحبة هذه الكائنات الغبية البدائية.. بالقطع لا يعبأ بهم, لأنه سعيد بذاته ملأ وجوده… مُحَصّن داخل نفسه… لديه كم من الرضا بالنفس فذ و نادر… لكنه لا يدري ما يفتقده, و لا يدري أنه لا يدري…..

يحك رأسه في عصبية ثم يقوم بعنف من على البيانو متجهاً لباب القصر… يفتحه بعنف ليجد نفسه واقفة على الباب تبكي… يحاول النظر لنفسه في عينيها, لكن نفسه تأبى, ثم لشد ما تبكي..
يتكرر هذا المشهد ما لايقل عن العشر مرات يومياً, و في كل مرة يترك نفسه تبكي على الباب و يعود لنفس جلسته على البيانو متجاهلاً نفسه التي مازالت و ستزال تبكي..

نفسه سكنت باب القصر منذ الأزل و أخذت من موقعها وطن و ملاذ, و لا تقف نهائياً عن البكاء, الهاديء الحزين, كما لو كان ترتيلة أو أنشودة تصلح لأن تكون الخلفية الموسيقية لحياة صاحبنا.

البيانو كيان مهم بالقصر, فهو القطعة الوحيدة به… يكاد يكون إنسان, فصاحبنا يحدثه و يحاوره لساعات, يسبه و يلعنه كثيراً لاصداره أصوات شاذة, و ينام فوقه طوال الليل, أو النهار.

يحاول من جديد برقة أن يضرب على المفاتيح, فتصدر أصوات شاذة غريبة, يزيد حدة ضغطه على المفاتيح في تدريج تصاعدي حتى تكاد تكون طرق, فيستمر البيانو في إصدار نفس ذات الأصوات الشاذة… فيقوم صاحبنا في عصبية و يبدأ في سب البيانو و من صَنَعْه, فالبيانو و من صَنَعْه أغبياء بالطبع..
يتمشى قليلاً في القصر ثم يذهب للباب, ليجد نفسه تبكي كعادتها, يسبها و يتهمها بأصدار هذه الأصوات الشاذة حتى تشتته, لكنه يقسم أنه لن يدعها تنول مبتغاها و لن يتشتت…! يستشيط غضباً حين يجد نفسه و كأنها لم تسمع حرفاً فيحاول صفعها ألماً, إلا أنها تتفاداه بمهارة دون أدنى إرادة منه… فيعود للسباب و يدخل القصر, تاركاً نفسه تبكي…

في اليوم التالي يموت صاحبنا في نومه, فتقرر نفسه أن تدخل القصر لأول مرة, تدخله في سكينة و هدوء.. تتوه قليلاً ثم تتجه للبيانو و تتفقده, تدوس بأناملها على المفاتيح و تسرح بأصابعها فقط لتصدر أنكر الأصوات… تفكر للحظات و سرعان ما تكتشف أن البيانو غير مدوزن الأوتار… كان غير مدوزن منذ أن تم شراءه… و ظل غير مدوزن طيلة هذه الاعوام… و لكن صاحبنا لم يدري, و لم يدري انه لا يدري…!

تكف نفسه عن البكاء بينما تأخذ طريقها للخارج.