كانت الصومال دوما أرضا قبلية بحتة تقطنها قبائل وعشائر، تجمع بينها الديانة المشتركة و الدفاع ضد الأعداء الخارجيين، ولغة وتاريخ واحد وحضارة ضاربة أطنابها في التاريخ البعيد.

والعرق الصومالي يسكن منطقة شاسعة تمتد على سواحل شرق القارة الإفريقية إلى قرب مرتفعات الحبشة، وتتميز معظم المساحة شمالا وشرق الصومال ووسط الصومال كونها مناطق شبه صحراوية، وإن كانت سهول الجنوب تتوافر فيها نهران شبه موسميان، وسلسلة الوديان الموسمية في المرتفعات الشمالية، حيث تعتبر هذه المناطق من أكثر المناطق التي تتوفر فيها المياه من الوديان والأنهار و خزانات المياه الجوفية.

كون الصومال مجتمعا رعويا، فلم تكن الزراعة في فجر التاريخ شيئا يجيده الإنسان الصومالي، ولم يستطيعوا ايضا الإستفادة من البحار والمحيطات أمامهم إلا في التجارة و الشعائر الدينية قديما وحديثا، فكان البحر الأحمر ممرا هاما لقوافل الملكات في الأسر الفرعونية اتجاه أرض الآلهة، وحديثا، حيث فرض الإسلام فريضة الحج لمكة لمن استطاع إليه سبيلا.

وكون المجتمع رعوي وندرة الموارد الإقتصادية في تلك المساحة، عوضا عن الإعتماد على أمطار موسمية قد تتأخر نظرا للظروف المناخية المتقلبة على منطقة تطل على محيط متسع، وعدم الإستغلال الأمثل للموارد الأخرى المتوفرة جعلت الصوماليين في احتكاك دائم للإستفادة من الموارد النادرة، فبرزت هناك وحدات وتحالفات من أبرزها القبيلة أو العشيرة، والتي مثلت نخاع المجتمع الصومالي من حيث القوانين والأعراف القبلية، والمساهمة في الحفاظ على نفس وممتلكات أبناء القبليلة، ودرء المخاطر التي قد يتعرضون لها من الغرباء أو الحفاظ على الإنسجام التام بين أفراد القبيلة الواحدة.

كانت تلك الوحدة الأساسية عاملا إيجابيا في التحكيم في النزاعات و المساهمة الإجتماعية نحو الحلقات الأضعف في القبيلة، ومن سلبياتها أنه عند غياب العقل والتوجيه السليم كثيرا ما كانت القبائل تتصارع بشكل دامي وهمجي مع القبائل الأخرى، مما شكل إحتقانات داخلية والتفاخر الدائم بنهب و قتل وتدمير ممتلكات القبائل الأخرى والتي قد تسبب أزمات أخرى في المستقبل، ونشوء ظواهر كالثأر و التدمير والهمجية، والعدوانية المبالغ فيها ضد الآخر، وانقسام في عناصر المجتمع بسبب العقد والموروثات التي تتوارثها الأجيال، ونشوء نظام طبقي ينظر إليه لقبائل معينة بطريقة دونية كبيرة، وإن كانوا يشاركون الآخرين النسب و الأرض والدين.

في التاريخ الحديث والمعاصر، كانت الكثير من الصراعات السياسية والعسكرية الدائرة داخل الصومال لا تبدو للوهلة الأولى كأنها إمتداد لذلك! لكن الناظر في التاريخ القبلي القديم يرى إنعكاساتها واضحة على أرض الواقع، وفي بعض المرات لطريقة رواية البعض للأحداث السياسية والتاريخية التي حصلت وتحدث في هذه الأيام.

فمنذ أيام الإستعمار، انقسمت القبائل الصومالية فيما بينها بطريقة تعاملهم مع لمستعمر الأوروبي، فترى في كل إقليم أن بعض شيوخ القبائل كانت تسارع لعقد إتفاقات حماية للمستعمر ممكنة له بأن يحكم الإقليم، بينما بعض القبائل الأخرى كانت ترفض المستعمر ، بل تحاربه وتحارب أيضا “الخونة” و “الموالين للكفار” تحت شعارات دينية أو وطنية.

ففي الشمال، سارع شيوخ قبائل “الإساق” في عقد إتفاقيات مع الإنجليز معلنة “أرض الصومال” -الشمال الصومالي- حامية بريطانية، بينما السيد محمد عبدالله حسن أو كما سماه البريطانيون “الملا مجنون” حاربهم ودعا شيوخ قبيلته إلى مؤازرته فأمدوه بالعتاد والرجال، ورفض الشيوخ “الموقعون للمعاهدة واندلعت بينهم مواجهات شعرية و قتالية، لأن الملا كان يريد تطهير الأرض من المستعمر وأذنابه، نفس القصة تتكرر في الجنوب الصومالي، حيث عاهدت قبائل أهل حمر والمتكونين من خليط قبائل برتغالية وعمانية ويمنية وزنجبارية المستعمر الإيطالي، بينما رفضت قبائل البيمال ذلك وحاربوا بكل قوتهم دفاعا عن أراضيهم لأكثر من عقد من الزمان، حتى أضطر المستعمر الإيطالي لتوقيع إتفاقية صلح معهم.

نرى أنه في معظم الأحيان، القبائل المتعادية في الماضي يصبحون دوما طرفي المعادلة والصراع، فإن كانت القبيلة المعينة والعدو الأزلي ضد قبيلة ما قد وقفت مع المستعمر، كانت القبيلة الأخرى تقف ضده رافعة راية دينية أو وطنية، وقد تكون قبلية بحتة، هكذا دأبت أن تكون ولم تزل إلى وقتنا الحالي، حيث أنه بعد رحيل المستعمر البريطاني والإيطالي وإعلان جمهورية الصومال، لم تخفت أبدا حدة هذا الصراع التاريخي، بل أخذ أوجها أخرى كحزب أو رابطة سياسية، وقد تكون في بعض الأحيان تحالفات حزبية مبنية على القبلية بمبدأ عدو عدوي هو صديقي.

إن الحروب التي شنها النظام الديكتاتوري السابق ماكانت إلا وجها آخر لتلك الحروب القبلية الداخلية، ففي سبعينات القرن المنصرم، أنشأ المنشق عبدالله يوسف أول فصيل معارضة مسلحة ضد النظام الحاكم في شرق الصومال، ولقد كان القادة الكبار ومعظمهم من قبيلة “المجيرتين” الساكنة في شرق الصومال، ومدعومة من القبيلة ذاتها، أدى  سخط الحكومة إلى تشكيل قيادة عسكرية لإخماد التمرد، ولقد تم استخدام العدو التقليدي لتلك القبيلة، حيث كان في قيادة الجيش الصومالي 25 ضابط  صف * ينتمي 24 منهم لقبيلة واحدة وهي “الإساق” العدو التقليدي لهذه القبائل، وضابط إداري واحد من قبيلة أخرى كان مكتبه في مقديشو، ولم يرسل في جبهة المعركة.

النتيجة أن بضع آلاف قد قتلوا في هذه الحرب وتم تسميم آبار المياه في المناطق التابعة للقبيلة إنتقاما منهم لكونهم آزروا المتمردين، ولأن الأرض صحراوية قاحلة ومنبسطة بشكل كبير، تم إخماد هذا التمرد وتوسط الشيوخ القبليون لدى الرئيس لعمل هدنة مع الحكومة والتصالح في هذا الشأن.

في ثمانينات من نفس القرن، تم إنشاء الحركة الوطنية الصومالية SNM من قبل ثوار ينتمون لقبائل الإساق في شمال الصومال، فعندما فشل الجيش الصومالي والقادة السياسيون في هذه الحرب، إستخدم الرئيس ورقة القبائل لضرب بعضها ببعض، فقام بتسليح قبائل في شرق الصومال و الشمال الغربي، وأيضا من الشمال شرقي الصومالي، بالإضافة إلا الجيش الصومالي نفسه، ولقد كانت هذه الحرب أطول ونتائجها مروعة أكثر، تم تدمير معظم مدينتي هرجيسا وبرعو وقتل الآلاف من المدنيين واستخدام الطائرات العسكرية بقصف وكل ما استطاعت الدولة أن تحاول بها إخماد الثورة، ولكن لعوامل إستراتيجية وعسكرية يطول شرحها لم تنتهي الحرب كسابقتها وطال أمدها، وكان تدخل حزب المؤتمر الصومالي الموحد والمدعوم من ثوار الشمال USC والتي يتشكل معظمهم من قبائل الهوية الساكنة في وسط وجنوب الصومال القشة التي قصمت ظهر الدولة، حيث تم إزاحتها.

ولكن الصومال شهدت حروبا دامية بينها وكانت تشهد إنقسامات عنيفة داخل مجتمعها، ففي الشمال، كانت قبائل “الإساق” تقاتل الجيش الصومالي، ومن ثم حركات ثورية تدعمها الحكومة الصومالية من قبائل الأوغادين، وبصورة أكبر قبائل الدولباهنتي و بعض المجيرتين و السمرون التي تسكن كلها أو معظمها في الشمال الصومالي، واندلعت في التسعينات معارك عرقية وقبلية في الجنوب بين قبائل جنوبية أخرى مثل الهوية من جهة و الديجل ومريفليه مع بعض تحالفات من قبائل “الدارود”، شهدت الصومال بالمجمل تحالفات قبلية واسعة أدت في نهاية المطاف إلى نهاية الدولة الصومالية، والرجوع إلى الصومال بالوراء للعصور الحجرية.

إن بعض الذين يحاولون أن يكتبوا التاريخ الصومالي حسب أهوائهم وآرائهم يتسمون بسذاجة كبيرة إذ يظنون الآخرين قد يصدقون ذلك، البعض يقول إن الجنوب قد حارب الشمال!!! كل الصومال حاربت بعضها بعضا واقتتلت بلا هوادة، أرجو من الشباب اليوم أن يسردوا التاريخ كما كان، فالصومال هي الخاسر الوحيد للمراهقات القبلية التي تجري اليوم، ولنكتب التاريخ صافيا دون شوائب لتتعظ منه الأجيال القادمة، ويكون ذلك رسالة سلام ومودة بين الجميع، وأدعوا الشباب أن يتأكدوا فيما يسمعونه دائما وأن يبتعدوا عن التعصب وأن يستخدموا صوت العقل دائما.
————————————————————————————
لأسماء الضباط كاملة و درجاتهم العسكرية وتفاصيل قبائلهم راجع كتاب
Sooyaalka Soomaaliyaa
للكاتب:- عبدالقادر أورومو