“لن يصدقك احد سوف يتهمونك بالجنون “

هكذا اخبرني بنبرته الباردة ثم اختفي من امامي كالاشباح 

استعيد ما حدث في ذاكرتي 

كنت اتجول كالعادة بدون هدف ولكن يومها مررت وسط المقابر ..في العادة لا اشعر بالخوف من وجود اشباح او تلك الاساطير 

ولكن لا اعلم لماذا شعرت برهبة عندما رأيته …

شكله لا يدل علي انه قاطع طرق او من اهل المنطقة , شاب في الثلاثينات يرتدي بذلة سوداء كاملة 
 تشبه تلك البذلات التي تراها في افلام الخمسينات , كنت قد ضللت الطريق اقتربت منه لكي اسئله عن الطريق 
 نظرت الي عينيه لا استطيع النطق , الكلمات لا تخرج 
يشعر بي.. يطلب مني ان اجلس علي كرسي امام احد المقابر ويجلس علي الكرسي الاخر 
يعطيني سيجارة ويشعل سيجارة 
يسألني عن وجهتي اخبره اني اريد ان اخرج من هذا المكان 
يخبرني بأن هذا المكان سوف اكون فيه يوماً 
ابتسم في سخرية 
يبتسم ويخبرني بأنه ليس حارس مقبرة او واعظ او شيخ 

ولكن مسئول عن عبور من يموتون الي العالم الاخر , لا ينتظر ردي… يخبرني بأن هذه وظيفته 
  أحاول كتم ضحكاتي ربما كنت تشاهد مسلسل (Ghost whisperer ) لمدة طويلة فأثر عليك يخبرني بأنه ازلي لا يفني 

يبدأ في سرد اسماء اقاربي الذين قد تركوا الحياة منذ سنوات ! اصرخ فيه:

- من انت ؟ 

يخبرني أنه المسئول عن عبور الموتي الي العالم الاخر:

- ربما يطلقون علي ”  هاديس”  في الحضارة اليونانية

احاول تجميع شتات نفسي واسأله:- “أنوبيس” في الحضارة الفرعونية  - “عزرائيل” في الحضارة الابراهيمية “

-هل سوف اموت وتقبض روحي ؟

يضحك في سخرية :

- لا يوجد ما يسمي الروح , سوف تموت عندما يحين دورك  

 -لماذا تفعل ذلك ؟

- عبث , لا اعلم لماذا انا لا اقبض روح احد..انا مجرد مساعد لهم لكي يعبروا بسلام 

-انت ظالم ! دائماً يموت الفقراء ولا يموت الاغنياء الا قليلاً 

يعتدل في جلسته ويجيبني بكل هدوء:

- هل تعلم ان كل يوم يموت علي الاقل مليون شخص ..لا فرق بين فقير وغني ولكن الامر منطقي ..الفقراء لا يمتلكون طعاما ولا دواء ولا ماء صحي ولا هواء نقي.

قلت :

-عبث!

يشعل سيجارة اخري ويقول:

أحاول التقاط انفاسي واسأله في هدوء:- انا لست مسئولاً عن حل مشكلة الفقر في العالم 

- هل عندما اموت سوف اذهب للجحيم ؟ وماذا عن عذاب القبر ؟

يضحك بشدة ويخبرني:

-تلك قصص واساطير الجحيم الحياة بعد الموت كلها قصص ابتكرها الانسان لخوفه من ترك الحياة البائسة بعد الموت العدم لا غير ذلك…دخولك الحياة مثل دخولك الي اخد صالات المقامرة في لاس فيغاس , سوف تظل تلعب سواء طمعاُ في الفوز او تعويضاً للخسارة. 

لماذا نموت اخبره بأن هذا سوف يكون اخر سؤال بيننا 

يخبرني هل هناك افضل من الموت والذهاب للعدم بعد المعاناة سوف كنت افقر الفقراء او اغني الاغنياء 
لا احد يطيق فكرة الخلود  
لا شئ سوف يتغير في تلك ” النقطة الزرقاء الباهتة “ 

هذه هي مقولة كارل ساغان ؟

يبتسم موافقا :

إنه من العظماء الذين عاشوا علي ذلك الكوكب 
اتذكر عندما رافقته الي مثواه الاخير في نيويورك 

يجب ان يعلم العالم كله تلك القصة 

” لن يصدقك احد سوف يتهمونك بالجنون “

هكذا اخبرني بنبرته الباردة ثم اختفي من امامي كالاشباح