توجهنا في ركب رسول الله، كانت وجهتنا مكة، لم يكن يثنينا عنها روح أو مال. مضى ما يقارب عشر من سنين الإغتراب، إنتهت وآن أوان العودة. في طريقنا قابلنا أبا سفيان وكان يخرج يتجسس الأخبار. لقيه العباس ونصحه أن يأتي ليطلب الأمان من رسول الله، وجاء به حتى أدخله عليه فقال له الرسول ويحك أسلم، فأسلم وشهد شهادة الحق التي شهدناها منذ زمن قصير. دخلنا مكة وتوجهت إلى الصنم الذي كنت أجثو عنده، جفلت هنيهة وترددت ما بين الجثو كعادتي وما كنت عازم على فعله. لم أدر من أين خرجت الكلمات وأنا أحاور هذا الوثن، لم تخرج من شفتي ولا من أهدابي. كانت تأتي من جوف الجبال فتدوي في أذني وتملأ صدري فأخرجها آهات وتأوهات مؤلمة. سألته أن يواجهني، أن يحاول اتقاء ضربتي القادمة قبل أن تطيح به فتقطعه لكنه لم يفعل. استصرخته وأنبته لكنه لم يبد رد فعل. بدأت بصراخ كالهذيان. لا أدري ما قلت له بالتمام، لكنني أذكر أنني قلت له ما بالك لا تدافع عن نفسك أيها الوثن؟! كم عبدناك وألهناك. كم جثونا عند قدميك. كم ظننا أنك من يهبنا الرزق وتسير الغمام. كم منحناك ثقة وأمّناك على أرواحنا وأموالنا وأهلينا وأولادنا فما بالك لا ترد الآن؟ لم لا تحاورني كالرجال؟ سألته وأنا أصلي لجواب يأتيني من جوفه، لم يكن لديه من جواب وكنت أعلم أنه أجوف من أن يرد مع أنني تمنيت أن ينطق.

قلت له ألا تذكر يوم كنت أعبدك واسلم لك، يوم كنت أعتقد أنني إن عصيتك فسيأتيني من لدنك غضب يمحقني ويمحق أهلي وزرعي. كنت أظن لديك رسول يأتيني فيولع بي نيرانك. لكن الأيام مضت فإذا رسولك أضعف منك وإشارات السعد من خيرك لا تأتي إلا بشر وإذا بذهبك ليس أكثر من معدن رخيص لا يصنو حتى إلى “التنك”. كنت إذا تقلبت بي الأيام وبدا لي منها تكدرها تخيلت ابتسامتك واستعوضت بها خيراتك التي ما كانت لتأتي فأسألك الله أن تعوضها. لكن العوض لم يأت وما أتى إلا بمزيد من الخسارة. نحرت على عتباتك القرابين عسى أن تكون قرابين من عدنان أو قحطان لا يهم فالأهم أن تأتي ببدر يضيء ليالي شعبي.

قدمت لك ذات يوم فنجاني لتقرأ بختي وأخبرتني بسر لم يعرف أحد غيرك به، فكانت مأساتي أن بختي أصبح هو الشيء الوحيد الذي يجب أن لا أعرف عنه شيئا وسمعت منك نصيحة تخيلتها من شدة إيماني بك أن من يعرف بخته فلا مستقبل له.

تمنيت على الأقل في تلك اللحظات أن تسمعني. كنت أثق في غابر الأيام أن كل كلمة أتوجه بها إليك تصلك، تصب في أذنيك إلها يستمع إلى عباده من البشر. حاولت أن أستصرخك علك تجيب بصراخ يخرس صراخي لكنك كنت أخرسا، أجوفا. كنت ملكا على القلوب والأقدار فإذا بك أمامي لا تملك حتى قدرك الخاص. أحيانا عندما كان رفاقي يرتكبون الخطايا… ليس أمامك ويتسائلون ترى من سيبلغك خطايانا، كنت أقول لهم،

هو يعلمها حتى قبل أن نفكر بها. لديه جهاز مخابرات يعلم النوايا قبل الأفعال. كنت مؤمنا أشد الإيمان بك وبأنك تعلم الجهر وما يخفى، عكس ما تبين من قادم الأيام.

سيدي الوثن ومولاي سابقا…، ما أود أن تعرفه قبل أن تأتي النهاية، نهاية حك… حكاية كانت ممتعة في يوم، لا تظن أبدا أن أحدا من قومك لم يكن يدري. كنا نعلم أن القرابين إذ تنحر عند قدميك أنك تعلم من مضحيها، لكن الأمل.. أيا سيدي كان… ينشينا.

دمعة على جنب الطريق أيقظتني قبل أن أهوي بسيفي على الوثن. طفل كان يبكي لمستقبل تاه فيه، حملته ومسحت الدمع عن عينيه. بحثت عن أهله وبيته وكم أسعدني أن أعيد البسمة لأهل فقدوا ابنهم ولم يعد همي منذ ذلك اليوم إلا أن تعود البيوت…. لباريها.

[email protected]