تتعدد مكونات الاختلاف (والخلاف) بين عموم المواطنين المصريين المتدينين مع تنوعهم الاجتماعي والثقافي وبين من يعرفون بالاسلاميين, ولكن يمكن تقسيمها الى دائرتين رئيسيتين في سياق محاولة فهم اشكاليات التعايش والتفاهم في المجتمع الواحد.
الدائرة الأولى وهي الأبسط والأكثر مباشرة هي دائرة الاختلاف في الأفكار. والمعني هنا هو الاختلاف على مستوى عقلي مجرد بين فرد وفرد أو مجموعة ومجموعة فيما يتعلق بتوجه فقهي ما أو خيار سياسي ما.
أما الدائرة الثانية وهي الأكثر تأثيرا وتعقيدا في فهم طبيعتها وفك اشتباكها هي دائرة الشعور والوجدان.هي تلك المسافة الوجدانية التي يستشعرها طرفي التفاعل بما فيها من درجات متباينة من الغربة أو التقارب.
والمتأمل في بنيان تلك المسافة يجد أنها تستمد وجودها واستمرارها من روافد ومنتجات ثقافية واجتماعية بالدرجة الأولى.
ويمكن تلمس ذلك بالنظر الى جانب الاسلاميين أولا, لا تحاملا عليهم, ولكن باعتبارهم يشكلون تجمعات بشرية تنظيمية يسهل رصد ملامحها في مقابل الأفراد المتدينين الذين يعيشون في حالة السيولة المجتمعية المتنوعة.
ولا يمكن اغفال قوة وتأثير الدور الذي تلعبه النواتج الثقافية لتكوين الجماعات الدينية. والمقصود هنا هو ذلك الفضاء الثقافي والانساني الذي يبدأ في التشكل تدريجيا مع ولادة الجماعة الدينية ويستمد ملامحه وحدوده من أشياء متعددة قد تبدو بسيطة مثل العادات والأعراف “الجماعية”, طريقة التخاطب, طريقة الملبس, استخدام مصطلحات بعينها في مواقف معينة سواء تراثية أو حداثية, التحيزات الاجتماعية والاقتصادية الناشئة عن اشتراك أفراد تلك الجماعة في أنشطة حصرية لفترة طويلة.
شيئأ فشيئا تأخذ تلك العوامل مع غيرها في تشكيل ذلك الفضاء المحدد الذي تزداد كثافته أو تقل حسب عوامل أخرى مرتبطة بمسار حياة الجماعة الدينية , كانخراطها في العمل السياسي من عدمه..تعرضها للاضطهاد.. ودرجات التراتبية ((hierarchy داخل الجماعة.هناك مجموع ثالثة بين الأفراد المتدينين العاديين وبين الاسلاميين التنظيميين تجدر الاشارة اليها خصوصا في هذه الأيام التي أشعل الصراع الدائر في في الميدان السياسي صراعا أخر مواز له ومماثل في الحدة بين الأفراد و الأصدقاء وداخل الأسرة الواحدة حيثما يوجد طرفين أحدهما مؤيد لحكم تيار الاسلام السياسي و أخر معارض. هذه المجموعة هي المجموع “الملتزمين” !
“الالتزام” مصطلح ظهر في مصر منذ الثمانينات وهو تعبير أنتجته الثقافة الدينية لتلك المجموعة و ليس له أي أصل شرعي. فعندما كنا نسمع قديما أن فلان “التزم” , فغالبا هذا معناه أن ذلك الصديق أو القريب أو الزميل قد اتخذ لنفسه نمطا محددا في التدين أو ممارسة الدين. وغالبا ما يكون هذا النمط هو نتاج التأثر بذلك التدفق الهائل في المادة الدينية الوافدة من كتب و شرائط كاسيت ودعاة و دروس دينية في المساجد و البيوت.
وغني عن الايضاح أن تلك المادة كانت سلفية وهابية المرجعية بالدرجة الأولى ان لم تكن الوحيدة. لذلك فالالتزام كان يتبدى بصورة نمطية ألية في الهدي الظاهر (اطلاق اللحية و تقصير للثياب) و تبني لاختيارات فقهية بعينها دون غيرها ( مع انكار وتبديع تلك الخيارات الأخرى), أو استبدال بعض الألفاظ العامية في الحديث الدارج بأخرى من اللغة الفصحى ( مثل جزاك الله خيرا .. الخ), وبشكل عام زيادة عامة في مساحة التعبير الديني في الفضاء العام بشكل يلح على الهوية.
ونحن هنا لسنا بالضرورة بصدد نقد نمط معين و الحكم عليه ولسنا أيضا بصدد تبني وجهة نظر سياسية تجاه أحد طرفي الصراع السياسي القائم الأن, ولكن المعني هنا هو رصد أنماط التدين الحديثة من ناحية دوافعها و ملامحها و مساهمتها في تشكيل الموقف السياسي للفرد المنتمي لذلك النمط على النحو الغالب و ليس تعميما مطلقا.
فلا بد من الاعتراف بداية أن ذلك الفرد “الملتزم” يتمتع بنوع من التجربة الدينية التي أضافت على حياته نوعا من التوازن النفسي ربما كان يفتقده في حياته قبل ذلك فأقبل على نمط التدين الذي صادف أن يكون مجتمعه واقعا تحت تأثيره في تلك الفترة, ولعله كان سيقبل على نمط مختلف لو كان معرضا له بنفس الدرجة.
وفي مجتمع بالقسوة الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع المصري, يزيد على ذلك الاحتياج النفسي الانساني الطبيعي للدين احتياج أخر وهو الاحتياج للهوية فيكون الميل الى تلك الأنماط التي تقدم نمطا دينيا محملا بتفاصيل ثقافية أمرا مفهوما من ناحية السببية. وكما حدث مع الاسلاميين التنظيميين من اجتماع و تشكيل وانتاج فضاء ثقافي معين داخل المجتمع, خلق الملتزمون فضاءهم الثقافي ولكن بدرجة أقل من الوضوح و التبلور نتيجة عدم وجود الناحية التنظيمية عند الاسلاميين الحركيين.
من هنا تظهر اشكاليات التعايش. ليس بسبب تكوين تلك الفضاءات في حد ذاته ولكن بسبب تراجع الوعي المقصود أو غير المقصود عند أطراف التفاعل بالحدود الفاصلة بين دائرتي التباين: دائرة الأفكار المجردة والمرجعية المتمثلة في نصوص معينة أو اتجاهات فقهية معينة, ودائرة التباين الثقافي كما سبق وصفها. ولا أعني هنا نفي العلاقة بين الدائرتين فبالتأكيد هناك علاقة سببية بين الدائرة الأولى و الثانية بشكل جزئي. ولكن تظهر المشاكل عندما يتم الخلط والتماهي بين الدائرتين بأشكال مختلفة من شأنها أن تقلل مساحات الاتفاق وتزيد من هوة تلك الفجوة الوجدانية. فعندما تتلازم الدائرتين في ذهن ووجدان الفرد وتصبح كل واحدة عنوانا أو تجليا للأخرى يكون ذلك مدعاة لخلق نمط معاداة واختلاف يستقوي فيه غير المقدس ( المنتج الثقافي والاجتماعي) بالمقدس ( المكون الديني نصا ورمزا ومرجعية) وبالعكس. وفي كلتا الحالتين يصبح التناول العقلاني لسؤال: ما هو الحجم أوالاستحقاق المجتمعي الحقيقي للاختلاف حول الأفكار الدينية, هو الضحية.

بعد الثورة ومع بداية العملية السياسية من استفتاء وانتخابات متعددة بدأت المواجهة بين الناس بشكل حاد مفاجئ للجميع. وفيما يتعلق بالملتزمين أو المتبنببن للتدين السلفي بشكل عام, تفجرت المشكلة التي كانت كامنة عند تلك المجموعة وهي الخلط بين أمرين نتيجة غياب الثقافة والوعي الدينيين و الاكتفاء بالزيادة الكمية في التعرض لمواد دينية توجيهية بعينها بلا اهتمام بفهم الأصول أو الصورة الكلية.
هذا الفقر الثقافي أدى الى الربط غير العقلاني بين حالة التدين التي يعتز بها الفرد الملتزم لما تقدمه له من توازن نفسي و صفات خلقية جيدة, وبين حتمية دعم تيارات الاسلام السياسي.

هو يتصور أنه يخون تدينه والتزامه الذي يدين له بالاعتراف بالجميل ان هو لم يفعل ذلك. وما ذلك التصور المشبع بالشعور بالذنب الا نتاج وجود علاقة الزامية متوهمة بين الأمرين. علاقة توجد أمرا بشرط وجود الأخر. صحيح أن الدعاية لتيارات الاسلام السياسي كانت تركز على وجود تلك العلاقة بشكل واضح. ولكنها كانت تخاطب عقلا مجهزا لقبول تلك العلاقة بسهولة.

 

فذلك العقل متخم بالكم و ليس بالنوع, ومحروم من القدرة على التفرقة بين ثنائيات عديدة كالفرق بين الديني و التاريخي, وبين العبادات الفردية والمعاملات, وبين الأصول الثابتة وبين الفروع المتغيرة. وقد لمست ذلك بنفسي كثيرا الأخرين مع تلك المجموعة لاحظت ذلك النمط في الحوار: فجأة تزداد حدة الحوار و تتحول الى نوع من الدفاع عن النفس وليس عن نقطة الخلاف. الدفاع في الحقيقة ليس عن تيار سياسي ولا حتى عن الاسلام بل هو دفاع عن الذات خوفا من أن تستلبها الظروف تلك الحالة المستقرة. وهو خوف مصطنع ومتوهم, يغذيه نقص الثقافة لا غير. ومجددا يزيد ذلك أيضا من المساحة و المسافة الوجدانية بين الطرفين, واستعداء الطرف الأخر.

 

وسط ذلك الاستقطاب تحدث لحظات وعي معينة لنا أحيانا كأفراد عندما يحدث أن نتعرف عن قرب بأحد المختلفين عنا تدينا أو مذهبا أو مرجعية, وفي نفس الوقت يتصادف أن يكون ذلك المختلف من المحلقين خارج السرب “الثقافي” المعتاد لجماعته الدينية أو المماثلين للتدين, ويكون ذلك التحليق في مساحة ثقافية قريبة منا كأفراد. هذه اللحظات تكون أشبه بلحظات استنارة يسقط فيها التنميط ويرتد فيها الاختلاف كما ونوعا الى حجمه الموضوعي كبر أو صغر. وهنا تمثل تلك الحظة نوعا من الكسب المعرفي الانساني الذي لا يمكن فقده. الذي لا ننكر أنه يمارس أحيانا تنميطا و تسطيحا مشابها.

لست متأكدا اذا كان من الممكن تعميم ذلك الكسب من مجرد تجارب شخصية تحدث بالصدفة للأفراد الى اتجاه عام عن طريق جهد بحثي متحرر ربما يقود الى حركة اجتماعية أو نشاط توعوي موجه. ولكنها بالتأكيد منطقة تستحق الاهتمام خاصة اذا تم تناولها بجرأة وتحرر ما زلنا نفتقد اليهما وسط مناخ يحجم عن علاج المشاكل جذريا ويفضل ”مسكنات الوعي” المغلفة بعبارات خطابية مضطربة مستعارة من الماضي وغير متماسة مع الواقع.