استيقظت اليوم  في السادسة صباحا. حسنا، مازال الأرق يعمل بكفاءته المعهودة في أجهزتي العصبية المنهكة!

في سريري أفكر، كيف سأتحرك من مسكني إلى وسط القاهرة، حيث سأضطر إجباريا للمرور بميدان لبنان، الذي أغلق بالأمس جراء اشتباكات وأحداث شغب قادها سائقو سيارات الأجرة، ولم يسمع أحد عن أي تدخل للشرطة التي دخلت في نوبات إضراب بطول البلاد وعرضها، وتعاني تفككا غير مسبوق.

في القاهرة الآن، أحس أنني كصحفي، شخص مستهدف، كأني موسوم بدوائر كتلك التي تظهر على مناظير بنادق القناصة المتطورة. فالكاميرا المعلقة في عنقك قد تودي بحياتك!

أن تصور أيا من أحداث العنف الدائر في مصر الآن، فهذا يعني أنك تدين شخصا ما أو طرفا ما، وأن ما صورته قد يتم الاعتداد به من قبل السلطات القضائية في حسمها لحكمها..

ضباط الشرطة قد يستهدفونك بسبب مهنتك، البلطجية وجماعة الإخوان..بل وروابط مشجعي كرة القدم (الألتراس) الذين تورطوا في قيادة أحداث شغب..كل هؤلاء يكرهونني لأنني قد أصورهم بكاميرتي وأسجل ما يحدث في مفكرة صغيرة من تلك التي يحملها الصحفيون.

أنهض من سريري بهدوء، كي لا أزعج أحدا في السادسة والنصف من صباح اليوم، لكن أبي يصادفني في طرقة المنزل بينما أنا في طريقي للتحمم قبيل النزول، إلى وسط المدينة حيث لا تستبعد أبدا أن تجد نفسك ربما فجأة وسط محيط اشتباكات هادر.

يسألني أبي:

-أمازلت مصرا على النزول وسط هذه الاشتباكات

-نعم يا أبي..وهذا دوري وهذه مهنتي

-والأخطار التي تترصدك؟ ألا تحس بقلقي عليك؟

-اطمئن، سأحافظ على سلامتي..لن يحدث شيء.

-أنت مصر يا أحمد أن تؤلمني كل يوم وأن تستهلك مشاعري خوفا.

-صدقني لا تخف يا أب….

لا أكمل الجملة الأخيرة، لأن أبي أولاني ظهره ودخل حجرته مرة أخرى، كي يقاوم قلقه البالغ علي. فهناك قتلى دائما يسقطون في كل أحداث العنف التي تشهدها مصر، وكثير منهم في مثل عمري..في العقد الثالث من حياتهم.

أتحمم وأخرج لأجهز حقيبتي، والكاميرا الديجيتال الصغيرة، وبعض الأوراق وجهاز تسجيل صغير، بينما أدير الخلفية الموسيقية/ ساوند تراك فيلم”طروادة”/ “تروي”.

بدت لي الفكرة عبثية بعض الشيء، ففي فيلم طراودة كان كل من هيكتور وإخيليوس يستعدان صباحا لقتال بعضهما البعض، وكل منهما يجهز دروعه وأدواته. بعد أن يرتدي ملابس الحرب.

أحس أنني أنا الآخر جزء من هذا المشهد، فأنا أرتدي جينز متين الصنعة، وبول أوفر عملي، وحذاء رياضي يساعد على الحركة السريعة وأطمئن إلى أدوات القتال/التغطية!

أخرج من باب المنزل في السابعة والربع صباحا، وأتشمم رائحة الصباح المنعشة، إلى أن أستقل سيارة أجرة لوسط القاهرة.

أسرح في السيارة التي ستقطع نحو 25 كيلو مترا حتى تصل لقلب العاصمة..وأسأل نفسي: لماذا اصطحبت الكاميرا وسط أدواتي؟

فأنا لا أغطي أحداث الاشتباكات بصورة منظمة، فقط إذا ما صادفتها في طريقي أقف وأتصل بزملاء صحفيين في صحف ومواقع إليكترونية غير الموقع الإليكتروني العملاق الذي أعمل فيه.

أتصل بهم عادة وأصف لهم الوضع ميدانيا وأوافيهم بالتفاصيل، وأحيانا بصور من الأحداث، أفضل ألا يصاحب الأخبار ولا الصور اسمي.

لا أعرف لماذا أفعل هذا؟

هل لأن مديري المباشر في العمل سيرفض أن أوافي مواقع منافسة لنا بمتابعات خبرية؟

أرد على نفسي: لا!

أنت مهتمك في عملك تنطوي على أعمال تحريرية أكثر منك مطالب بتغطية الأخبار ميدانيا.

لا أصل إلى إجابة قاطعة أو حاسمة حول دوافعي الكامنة في اعماق نفسي…

وفجأة يرن هاتفي المحمول…إنها “هي”..وبالطبع علي أن أرد عليها:

-صباح الخير أحمد

-صباح الخير

-أين أنت الآن

-في طريقي لوسط القاهرة

-لماذا؟ أرجوك أنت وعدتني بأنك لن تذهب هناك وأن…

ثم تنتهي المكالمة لعطب ما في شبكة المحمول..

أسأل نفسي: ما ذنب هذه الفتاة المسكينة التي أرتبط بها في ان تعاني كل هذا القلق؟..إنها ببساطة تدفع ضريبة الارتباط بصحفي..وأسأل نفسي: حين نتزوج..هل ستقضي بقية عمرها في رحلة رائعة مع المهدئات والمنومات كي تتغلب على قلقها علي سلامتي؟

ألكم زجاج السيارة الأجرة بقبضتي غضبا..وأسأل نفسي: لماذا لم أعمل عازف بيانو؟ أو مدرب حيوانات في السيرك؟ أو لاعب تنس؟ لماذا هذه المهنة التي تستهلك عمرك بخبث غريب؟ وتعصف بأعصاب أهلك وأصدقائك قلقا عليك.

عند هذه الحزمة من التساؤلات، أصل لميدان لبنان، حيث مسرح اشتباكات الأمس، وحيث لم يعد أثر لشيء!

في الثامنة والنصف أجلس على مقهى في وسط البلد، وأحتسى فنجانين من القهوة في محاولة لإيقاظ نفسي من ارتعاشة يدي الناجمة عن نومي المؤرق واستيقاظي المبكر.

في التاسعة بالضبط يصل زميل صحفي، يعمل في مجال إعداد الأفلام الوثائقية، يسلم علي بحرارة ويجلس جواري، ويضغط زر تشغيل حاسبه المحمول..وبينما تمضي الخلفية الافتتاحية لشركة “مايكروسوفت”

يقول لي: أنا أعددت وصورت فيلما عن قرية صغيرة في جنوب مصر يعاني أهلها الاضطهاد الحكومي والتهميش الإنساني بوجه عام، وأريدك أنت تكتب لي نص المقاطع الصوتية المصاحبة للفيلم (narraition).

ثم يعرض الملبغ المالي المقترح كمقابل لهذه المهمة..أفكر في أن هذا الملبغ سيكون خطوة عظيمة في مشواري نحو شراء كاميرا فيديو متطورة من هذا الطراز الذي يصلح لتصوير أفلام وثائقية، بل وبعض الأفلام السينميائية الصغيرة.

يدير المقاطع المصورة من الفيلم أمامي، ونشاهدها سويا، ويشرح لي طبيعة النصوص التعليقية المطلوبة.

وعلى الشاشة وعلى برنامج VLC تدور بعض المقاطع المصورة من هذا الجنوب البعيد..

يتحدث أحد سكان القرية البسطاء: السلطات تهدم أي منزل يتم بناؤه خارج نطاق تصريحاتها..وهذه هي أرضي وأرض أبي وجدي..فلماذا أطلب إذن السلطات كي أبني منزلا على قطعة أرض أملكها؟

يتحسس الرجل ببشرته السمراء التي دبغتها الشمس، جدران منزله الذي مازال قيد البناء..

ثم يقول بحسم: لو أرادوا هدم البيت هذه المرة..فليقتلوني معه..سأدافع عن أرضي وأرض آبائي..وسأبني هذا البيت لأبنائي الصغار..لن أتركهم يسرقوا حياتي..

أطلب من زميلي إيقاف الفيلم، وأطلب منه أن ينسخه علي قرص (DVD) وأقوله له: سأشاهده في البيت بعيدا عن ضوضاء الشارع..بينما أنا في حقيقة الأمر أهرب من هذا الشيء الموجع.

الناس حولنا في المقهى يتحدثون عن قرار النائب العام بمنح حق الضبطية القضائية للمواطنين أو بالأحرى تفعيل هذا النص من القانون المصري. وهو وفقا لما يتم تداوله يسمح لأي فرد يتشكك في سلوك فرد آخر في أن يقبض عليه وأن يسلمه للسطات تحت أي ذريعة!

النقاش الدائر في المقهي ينتهي إلى أن هذا القرار يسمح بظهور ميليشيات تستوقف المواطنين بأي حجة..وتقبض عليهم لأي سبب..ثم تذهب بهم لأي مكان..والبقاء للأقوى؟

الشرطة في حالة إضراب ووزير الداخلية نفسه متهاو ويواجه دعاوى هائلة لإقالته..والنائب العام شخصيا محل سخط في الشارع السياسي ويبدو مهزوز الشرعية..أما رئيس البلاد نفسه الذي ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين فإنه مختف عن الظهور التلفزيوني والصحفي منذ وقت بعيد، تحت وطأة المعارك التي تجتاح عدة مدن في البلاد.

فالشرطة اشتبكت مع الجيش..وانسحبت من نقاط بعينها..والبلطجية يشتبكون مع المواطنين..وجماعة الإخوان تشتبك مع معارضيها..وأناس دائرون يجمعون توكيلات لتسليم الحكم إلى الجيش مرة أخرى، وخلع الحاكم المدني المنتخب الذي تطارده الاتهامات بانه يتلقى أوامره من قيادات في جماعة الإخوان المسلمين وأنه شخص غير مستقل وغير قادر على تدبر شؤون البلاد..

وعليك وسط هذا كله كصحفي ان تقول الحقيقة، وسط مناخ عام من التخوين والاتهام المتبادل بين الجميع.

فإذا تحدثت عن انتهاكات الشرطة فأنت من فلول نظام مبارك وتريد أن يسيطر البلطجية على البلاد..وإذا انتقدت الإخوان المسلمين فأنت من الفلول وربما تعمل مع جهات داخل هيكل الدولة تهدف لإبعاد الإخوان عن الحكم..وإذا تحدثت عن الجيش بسوء فأنت في الأغلب غير وطني..وإذا تحدثت مع المواطنين يقولون لك: أنت من الإعلام المأجور والمنحاز..

وهكذا وهكذا وتظل أنت المتهم الثابت في كل الأحداث..

أقضي اليوم في عدة مقابلات مع زملاء صحفيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان، وأتلقى نحو 8 مكالمات اطمئنانية في الساعة الواحدة..من الأقارب والأصدقاء..وكأنما لسان حال الجميع: أنت صحفي..أنت دائما وسط الخطر..لذا نحن قلقون عليك.

ساعات وساعات من النقاش والمقابلات واحتساء القهوة، أختمها بلقاء مع معتقل سابق، أدون منه بعض التفاصيل التي أستغلها في عمل روائي لم أنته منه بعد إلى الآن..وأسأله كيف قضى أعواما في سجون مبارك وكيف صادروا حريته.

أحس إرهاقا شديدا رغم أني لم أقترب من أي نقطة عنف دائر ولم أتورط حتى في استخدام كاميرتي..لكن بحلول الخامسة عصرا..كنت أحس صداعا شديدا وإرهاقا عنيفا..

تلقيت اتصالا من صديق: أحمد أنا ذاهب بسيارتي بالقرب من منزلك هل تود أن أوصلك؟

أوافق بشدة بالطبع!

في الطريق يرشدنا سائقو السيارات الأجرة للمضي نحو وجهتنا عبر الطريق الدائري لأن منطقة المهندسين مغلقة تقريبا لسبب لا يعرفه أحد.

نمضي في وجهتنا وسط آلاف السيارات المتكدسة..ويلفتني أن زميلي أزال ملصق نقابة الصحفيين المصريين من على زجاج سيارته، وهو الملصق الذي عادة ما يضعه الصحفيون على سياراتهم اعتزازا، بل لقد أزال ملصق الصحيفة التي يعمل بها أيضا!

أسأله لماذا فعلت هذا؟

يقول لي: استوقفني مواطنون غاضبون قبل مطلع أحد الكباري قبل أيام حين عرفوا أنني صحفي وهموا بالاشتباك بي..وحين رأوا ملصق صحيفتي، تركوني على الفور، لأنهم يعتقدون أن صحيفتي تناصرهم سياسيا وتهاجم الإخوان المسلمين. فقررت أن أطمس هويتي الصحفية تماما تجنبا لكل هذا!

أدخل البيت، ينظر لي أبي مطمئنا على عودتي سالما..

أتحرك نحو غرفتي..وأقول له: للأسف أنا صحفي..وسأظل صحفيا يا أبي