جامع البنات

-1-

كثيرٌ مَن يتمنون الحياة داخل أسطورة.. وقليلون من ينتبهون لإشارات أساطيرهم الخاصة.. قليلون من يصدقون بأن أساطيرنا تختارنا لنعيشها، فيعيشون داخل “أمنية الأسطورة” فى حين أنهم لو أطلوا برؤوسهم خارج تاء “الأمنية” لوجدوا “الأسطورة” متجسدة أمامهم بكل حروفها.

-2-

حتى “نداء” تلك الفتاة التى جعلت من حياتها محاكاة للأساطير لم تنتبه لإشارات أسطورتها الخاصة، لم تدرك أنها تعيشها مذ بدأت تتنفس بعمق هواء الأضرحة ومساجد آل البيت.. منذ بدأت تصاحب جدها -رغم طفولتها- إلى مولد السيدة زينب والسيدة فاطمة النبوية والسيدة سكينة والسيدة رقية والسيدة عائشة والسيدة نفيسة، ومنذ أن كانت تسأل عن قصة كل واحدة من صاحبات الأضرحة وتفخر بأنهن سيدات ومع ذلك يأتى إليهن الكثير من طالبى البركة والوصل والقرب من آل البيت.

كانت  “نداء” تأكل بفخر لفة العيش بالفول النابت وأحيانًا العيش باللحمة التى تُوزَع عليها فى الموالد، وعلى ذلك لم تكن تصاحب جدها لزيارة سيدنا الحسين أو سيدنا الإمام الشافعى ولم تقرب طعام موالدهم، كانت تقول دون أن يسألها أحد: الراجل يزور الراجل، والست تزور الست..

عشقت أنوثتها الصغيرة واعتزت بكونها بنتًا تحب البنات: ملابس البنات، كلام البنات، لعب البنات، مرح البنات، أسرار البنات، ضعف البنات…

كانت تُستفز من جدها إذ يدعو دائمًا قبل أن يفعل أى شىء: يا كريم يارب، وترد عليه بضجر: “ولماذا كريم؟” فيبتسم جدها الذى يدرك غيرتها ليقول: لا يمكن أن أقول: “يا نداء يارب”.

نداء أقرب لجدها من جدتها.. جدتها لم تكن شريرة بطبعها ولكنها كأى أنثى يكبر بها السن يضيق خلقها وتتعصب وتضجر بطلبات زوجها الدقيقة “المحنتفة” كما كانت تقول: ربع فنجان قهوة على الريحة، طبق فول مع نص ملعقة زيت زيتون ورَشَّة ملح واحدة، طبق شوربة مع نقطتين ليمون بالعدد… طلبات صغيرة لا تنتهى، ورغم ذلك فإن جدتها كباقى جيرانها كانت تفخر بأن له كرامات وأن آل البيت أضفوا عليه من نفحاتهم.. فلم يكن يدعو لأحد بشفاء أو بفك كرب إلا ويحدث المراد بفضل الله ثم بفضل آل البيت كما كان جدها يقول.

فى إحدى فترات حياتها كانت تُسحَر “بالحواديت” التى تقولها جدتها عن الأولياء وأصحاب الكرامات مثلما سُحِرَت بحواديت سندريلا وفتاة الأقزام السبعة، كانت تقضى طوال نهار أول أيام عيد الأضحى تلعب فى الشوارع لتبحث عن قطة واحدة تُكَذِّب بها أسطورة جدتها التى تقول “إن سيدنا إبراهيم يدعو القطط إلى وليمة طعام فى مكان مجهول فى هذا اليوم، لذلك لا يمكن لأحد أن يعثر على قطة فى الطرقات أول أيام عيد الأضحى ولا حتى فى محلات الجزارة”، ثم ترتعش وتنتفض عندما يخيم الليل ولم تعثر على قطة بعد.. كذلك فُتن عقلُها بالصورة التى التُقِطَت لجدها وأخيه وبجوارهما رجل يدير ظهره للكاميرا والذى قال عنه جدها إنه أبوه وإنه مات قبل التقاط الصورة بسنوات، وبالطبع لم يكن معهما وقتها!! لم يتمالك جدها نفسه من البكاء وقت أن حكى لها تلك الواقعة وأخذ يعدد ذكرياته مع أبيه ويصف طريقة لف “الكوفيه” حول رقبته والتى لم يبرع بها أحد كما برع، ويصف قفطانه الزيتونى وطربوشه المنفوخ، حتى طريقة وقوفه بالصورة  كان يعرف أنها هى ولا يمكنه أن يخطئها.

-3-

لا تفكر نداء فى الزواج على الإطلاق وترفض دون تفكير كل من يتقدم لخطبتها عن طريق أحد المعارف… وهذا الأمر كان بمثابة الحطب الذى يغذى خلافاتها مع جدتها كل مساء، حيث تبدأ الجدة بنفس الاستهلال الذى ما أن تسمعه نداء حتى تدرك ماهية الليلة: طبعًا إذا أبوكِ وأمك عايشين ما كنتِ تأخرت إلى هذا الحد، تنظر نداء إلى الساعة فتبادر الجدة: أعرف أنها الثامنة ولكن لا يوجد زوج يسمح للست بتاعته أن تتأخر حتى الثامنة… ترد نداء بابتسامة محاولة إنهاء المعركة فى الجولة الأولى: عندما أتزوج يا جدتى سأعود فى الخامسة.. تستشيط الجدة وتقفز بالحوار إلى الجولة الثانية أو الثالثة: لا يبدو لك زواج من الأساس.. وهل سينظر لك أى رجل محترم وأنت بهذا السلوك الرجولى المنحرف؟

تصمت نداء حتى تمر العاصفة وتتذكر أنها لا تريد بالطبع أن تنام متأثرة بألم صفعة قوية كالتى تلقتها من جدتها فى الليلة الماضية، وما أن تسمع جدتها تبكى حتى تذكر أيضًا أنها تفعل ذلك لخوفها عليها ولشعورها العميق بالمسؤولية تجاهها، وكما قالت لإحدى جاراتها ذات زيارة: أأنا التى ستَّرت بناتى فى سن الـ 15 أعجز عن تزويج تلك المفعوصة حتى سن الـ 21؟

-4-

كلما “كبرت” نداء كانت تبحث بنفسها عن قصص الصالحين وكراماتهم، تعرف منهم من مشى على الماء ومن كان يصافح الملائكة فى الطرقات ومن يكلم القطط والكلاب فى الشوارع ومن يستيقظ من نومه فيحكى عما حدث لجاره ليلة أمس قبل أن يحكيه جاره نفسه.. ولم تعتقد يومًا أن هؤلاء الصالحين ذوى الكرامات يعيشون فقط فى أروقة الكتب ودهاليز التراث وحكايات الجدة، فهى تَرَبَّت على وجودهم حولها.. فقد عشقت على سبيل المثال التنصت على جلسات الحاجة “سعدية” التى تجمع حولها نساء البيت وتقرأ لهم الطالع فى “صينية الملح” مستعينة بالجنية الطيبة التى ترافقها –وبالطبع لا يراها أحد- الحاجة “مَلَكة”، كانت سعدية تطلب صينية وكيسًا من الملح تسكبه فيها وتساويه فوق سطحها ثم تغطى رأسها بالشال الأبيض فتتدارى تحته عيونها الزرقاء وخصلات شعرها الأمامية الصفراء المبيضة ثم تنتفض فجأة –ومن خلفها كل نساء الحجرة- دليلا على حضور صديقتها “ملكة” ثم تبدأ سعدية بالتمتمة بصوت يعلو وينخفض ولا يأبه بنظرات التتبع والخوف والشغف التى تتلبس الحاضرين… وبهدوء من تستيقظ لتوها من نوم مريح تزيل الشال عن عينيها الدامعتين وتمسك بالدور أيادى السيدات وتنظر إلى عيونهن التى تفنجلت ثم تسرد أحداثًا وقعت وتنبؤات وتحذيرات فى حين لا تجرؤ أى منهن على الاستفسار أو السؤال عن أى شىء…

-5-

تؤمن نداء بأن الأساطير لم تُصنع للكتب والحواديت، الأساطير تُعاش مرة ثم تُحكَى لتُعاش آلاف المرات، بل يمكن لمن تخلو حياته من الأساطير أن يختار أى شىء، أى شىء، ليصنع منه أسطورة.. أسطرت علاقاتها بالجمادات التى تسمعها أحيانًا تكلمها وتحاكيها كأنها أشخاص تشاركها الحياة، علاقتها بالموتى من عائلتها ومعارفها، علاقتها بالغرباء المارين فى الطرقات تحت بلكونتها العتيقة، علاقتها التى نشأت حديثًا مع أقرب المساجد لبيتها والذى لم تكن لترتاده وقت انغماسها فى آل البيت.

لم يكن “جامع البنات” كأى جامع مملوكى يحوى قبر صاحبه، لكنه جامع “بنات” دَفَن فيه الأمير المملوكى بناته السبعة واحدة بعد أخرى حين ماتوا كلهن دون زواج، زارتهن “نداء” مرات كثيرة وجلست بجوارهن أيامًا طوال، وجدت أخيرًا ضالتها المبتغاة فى أن تجمع لنفسها أسطورة تؤلفها وتعيشها وتنقلها لآخرين (أخريات).

ربما لن يقتنع الكثيرون أو الكثيرات على وجه أدق مهما أقسمت “نداء” أن الأميرات السبع المدفونات فى جامع البنات قد وهبن نصيبهن من الزواج لمن تأتين لزيارتهن من الفتيات، ربما لن يفهم العامة أن لكل بنت نصيب فى الزواج ،سواء أخذته فى الدنيا أو لم تأخذه، ومن حقها أن تتنازل عنه لأخرى، ربما لن يصدقوا حتى وإن ذكرتهم “نداء” بأن نبى الله آدم قد وهب عشرات السنوات من عمره لابنه داوود.

-6-

كانت البداية حين التصقت “نداء” بالأميرات السبع وحكين لها وحكت لهن، وسمعها الناس تتحدث إليهن بصوت مسموع كما كانت تفعل فى زياراتها لآل البيت، كانت توقن أنهن يسمعنها بل ويجبنها فى كثير من الأحيان، رأتهن فى منامها يوزعن أطباقًا من الحلوى على فتيات كثيرات فى صحن الجامع وكل من تأخذ طبق حلواها تخرج ضاحكة وتأتى غيرها والحلوى لا تنفد، وعلى باب الجامع تقف فتاة ضئيلة الجسم سمراء الوجه جميلته تستقبل البنات وتصحبهن خلال ممر من الزجاج المعشَّق الأزرق والأخضر والشفاف فتتلألأ أنواره على وجوه الأميرات وملابسهن الناعمة الحريرية، وتعرفت نداء على نفسها بين الفتيات، إنها صاحبة الجسم الضئيل والوجه الأسمر، صاحبة الطريق..

-7-

سنوات طوال عاشتها الفتاة المجذوبة –كما سماها العامة- فى جامع البنات تنشر الأسطورة، تستقبل الفتيات وتحكى لهن المنام وتخبرهن أن العلاج فى ثلاث صلوات جُمَع متتاليات يصلينها فى الجامع ثم يدعين الله بإخلاص وبإذنه تأتى الإجابة، ولم تكن “نداء” تترك الجامع إلا أيام زياراتها لآل البيت خاصة بعد انتقال جدتها ومن قبلُ جدها، ولم تكن كأى مجذوب فى كتب السيَر والحكايات، كانت مهندمة جميلة مسدلة الشعر تعلق دائمًا مسبحتها فى رقبتها تجلس فى صحن الجامع تسند رأسها إلى إحدى حوائطه ولا تقوم إلا إلى صلاة أو زيارة لآل البيت أو ذهاب إلى البيت لتبديل الملابس، وقليلاً إلى طعام، حتى سألها أحدهم –وكان أول يام عيد الأضحى- بسخرية عن سبب عدم زواجها وهى التى صلت فى جامع البنات مئات الجُمَع، صمتت “نداء” وأولته ظهرها وخرجت من الجامع تجر قدميها فى ثقل، ولم يرها أحد فى ذاك اليوم، ولم يرها أحد بعد ذلك..