أخلاقنا عقبة في طريق المستقبل

لماذا يؤدي اعتبار الدين مصدرا للأخلاق إلى إفساد الفرد والمجتمع*

بقلم

إسماعيل حسني

نواصل اليوم النظر في شروط بناء المستقبل بعد أن توقفنا الإسبوعين الماضيين عند معركة الجزائر الوهمية، وغزوة فرشوط الطائفية. وكنا قد ذكرنا أن أي حوار جاد يبحث في مستقبل هذا الوطن لابد أن ينطلق من أسس واضحة تشمل الإعتراف بالتخلف، ونبذ ما زرعه فينا المستعمر من تناقض طبيعتنا الشرقية مع مبادئ العلم والحرية، وتعميق ثقافة المدينة، وتدعيم المجتمع المدني، واعتبار الإنسان الحر، الفرد، المستقل، هدف للحوار، باعتباره نقطة الإرتكاز في المجتمع، ومصدر السلطة وغايتها.

وتواجه طموحاتنا المستقبلية بالعديد من التحديات الداخلية والخارجية، لعل أخطرها على الإطلاق هو التحدي الأخلاقي، أي مدى قدرة منظومة قيمنا الأخلاقية والإجتماعية المعاصرة على تلبية احتياجات بناء المستقبل. ذلك أن الإنجاز الحضاري لا يقوم إلا على أساس أخلاقي قوي وقابل للتجديد والتطور.

فالمجتمعات الأوروبية مثلا عاشت قرونا طويلة في ظلام دامس في ظل منظومة القيم الكاثوليكية الإقطاعية التي كبلت عقل وضمير الإنسان، ووضعته تحت المراقبة ليل نهار، وتدخلت في أدق تفاصيل حياته سواء بالإباحة أو بالتحريم، مما أدخل المجتمع الأوروبي في غيبوبة كاملة من الأفكار الغيبية، حيث احتقر الناس الحياة الدنيا، وعزفوا عن التفكير والعمل، ونبذوا الفنون والآداب، وأحجموا عن الإبتكار والإبداع إذ اعتبرت كل بدعة ضلالة من الشيطان، وانحصر اهتمامهم في الطقوس التعبدية التي أغرقهم فيها رجال الدين.

ولم تتمكن أوروبا من بناء حضارتها حتى تفاعلت مؤثرات الثقافة الإسلامية التنويرية التي مثلتها مدرسة ابن رشد مع نتائج حركة الإصلاح اللوثرية وأدت إلى إحداث تغييرات عميقة في منظومة القيم الأخلاقية، حيث بدأ الناس يتخلصون من هيمنة رجال الدين، ويتجرأون على النظر بأنفسهم وبعقلانية في النصوص الدينية عوضا عن الإتباع الأعمى للتفسيرات اللاهوتية القديمة، فبدأت النزعة الفردية في الظهور، وأخذ الناس يهجرون القرى والإقطاعيات إلى المدن التجارية، حيث بدأوا يعبرون عن أنفسهم بطرق وفنون طالما منعتها الكنيسة، فتفتحت مداركهم، وتخلصوا من هواجسهم تجاه الثقافات الأخرى، وأقبلوا على الثقافات الإغريقية والرومانية والإسلامية، وبدأت تظهر نزعة الإستمتاع بمباهج الحياة والتغني بالحب الإنساني، ورد الإعتبار إلى العلوم والمعارف والفنون والأداب الإنسانية، وبدأ تقديس العمل والحرفة، وعدم اعتبار الثروة إثما بل فضلا من الله، فنشطت التجارة وبدأ التراكم الرأسمالي، وأخذت المدن في الإتساع لتحل الروابط المدنية محل الروابط القروية والكنسية السابقة، فأخذت منظومة القيم المسيحية تتراجع لتحل محلها منظومة قيم إنسانية جديدة نابعة من احتياجات الإنسان وأهدافه وليس من نصوص دينية تعود لمئات السنين إلى الوراء، وتحرر الإنسان، وانطلق يبني مستقبله.

والذي حدث في أوروبا تكرر بشكل أو بآخر في أمريكا وغيرها من مناطق العالم، حيث يشعر الناس بالفجوة الحضارية بينهم وبين الآخرين، ويبدأوا في نقد أحوالهم، وتحطيم القوالب الفكرية السائدة، واقتباس وسائل العيش والتفكير من المجتمعات الأكثر تقدما، فتدور عجلة الحضارة، وتتوالى الإنجازات.

ورغم أن حركة الإحياء العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر قد حققت نجاحا كبيرا في تغيير منظومة قيمنا الأخلاقية التي عفا عليها الزمن، إلا أن هذا التغيير لم يأخذ مداه إثر تعرض هذه المنظومة في الستين عاما الماضية إلى اختراقات أيديولوجية حادة أحدثت فيها الكثير من التشوهات والإنحرافات التي تظهر آثارها جلية فيما نراه حولنا الآن من ضعف الوازع الإنساني، والتفسخ الإجتماعي، والفساد الإداري، والصراع الفئوي والطائفي، والإنحطاط الفكري والسلوكي.

فعلى الرغم من الإنجازات الهائلة التي حققتها الحقبة الناصرية، إلا أن نهجها الإستبدادي والأيديولوجي قد  أدى لتفشي الكثير من القيم السلبية كالإنتهازية واللامبالاة والإتكالية وغيرها، ليسقط الوطن بعدها في براثن أيديولوجية دينية أتت على روح الإنسان وفرديته واستقلاليته، وغيبت عقله بعيدا عن الواقع، وعبثت بقيم التعايش والتسامح والعلم والعمل، وقننت المظهرية والإزدواجية والإقصائية والنفاق والعنف كأدوات للتفاعل الإجتماعي، مما يطرح وبقوة التساؤل حول مدى استعدادنا الإخلاقي للتطلع نحو المستقبل.

فالأيديولوجية باعتبارها نسقا فكريا باحث عن السلطة، فهي تخفي وسائلها في حلل أخلاقية زائفة تقوم بإقحامها قسرا ضمن المنظومة الفكرية والأخلاقية للمجتمع. فمن أجل التحول إلى الإشتراكية في خمسينات القرن الماضي اعتبرت رزائل الإستبداد، والإستيلاء على أموال الناس، وانتهاك ومصادرة حرياتهم، والوشاية بهم، فضائل أخلاقية لا يخجل الناس من ممارستها بل والدعوة إليها، على الرغم من أن الكثير من التجارب قد أثبتت أن إرساء قواعد العدالة الإجتماعية في المجتمع يمكن أن يتم دون التضحية بحقوق الإنسان الأساسية كما في الهند وانجلترا والسويد وغيرها.

واليوم، ومن أجل أسلمة المجتمع على النهج الوهابي السياسي تم تحويل الكثير من الرزائل إلى فضائل تم إقحامها في منظومة المجتمع الأخلاقية. فأصبحت الماضوية أصالة، والتعصب إلتزام، والإنغلاق منهج، وكراهية الآخر من شعب الإيمان، كما غدت الذكورية وازدراء المرأة والإنكفاء على الذات وانتهاك الخصوصية والتجسس (الحسبة) من الممارسات التي يتفاخر بها أصحابها، وعلى الجانب الآخر تحولت أسمى الفضائل الإنسانية إلى رزائل يسعى المرء لتبرئة نفسه من شبهتها، إذ أصبح التحرر شطط، والإبداع إضلال، والتجديد إنسلاخ، والعقلانية إفساد، والتفكير النقدي تشكيك في ثوابت الأمة.

ولقد كان من الممكن دائما مواجهة الإيديولوجية الإشتراكية والتصدي لنتائجها السلبية بالفكر والحوار، باعتبارها في النهاية اجتهادات بشرية تقبل المناقشة، أما الأيديولوجية الدينية فنظرا لأنها تنشب مخالبها في المجتمع باسم الله، فمواجهتها ليست يسيرة، لأنها تعني في نظر البسطاء مواجهة مع الله ذاته، ونظرا لأن هذه الأيديولوجية تحتكر الحقيقة المطلقة في كل مجالات الحياة، فقد احتكرت أيضا الأخلاق، واعتبرت نفسها المصدر الشرعي والوحيد لها، فكانت أشد فتكا بأخلاقيات المجتمع من سائر الإيديولوجيات الأخرى.

إذ يدعي الكهنوت الديني أن الإنسان يستمد منظومته الأخلاقية من الأديان، وشاع هذ الإدعاء واستقر في عقول الناس وكأنه حقيقة علمية لا تقبل النقاش. فأصبح يقال أنه لا أخلاق بلا دين، ومن لا دين له لا أخلاق له، وأنه من أجل المحافظة على القيم الأخلاقية فالمرجعية العليا في المجتمع يجب أن تكون دينية.

وهذا الإدعاء هو أحد الأوهام التي يقوم الكهنوت الديني بزرعها في عقول الناس ليخفي وراء إيحاءاتها النبيلة هدفه الحقيقي في السيطرة على عقولهم وضمائرهم لمصلحة النظام السياسي الذي يعمل في خدمته من ناحية، ولتعظيم دور رجال الدين في المجتمع وانتشالهم من حالة الفقر والعوز باعتبارهم فئة غير منتجة في المجتمع من ناحية أخرى، فهم ليسوا فقط حماة العقيدة الدينية، بل هم أيضا حماة القيم الأخلاقية.

ففضلا عن افتقار هذا الإدعاء إلى أي دليل معرفي يؤيده، فإنه يخالف الأصول الصحيحة لجميع الأديان. فالإسلام مثلا لم يدع أنه أصل أو منشأ القيم الأخلاقية إذ يقول الرسول في وضوح تام أنه قد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، أي ليهذبها مما قد يكون علق بها من شوائب عند البعض، ويؤكد ذلك في حديث آخر يقول خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إن فقهوا، أي أن الأخلاق الحميدة كانت موجودة وفاعلة قبل البعثة وقبل جميع الأديان. فلا يستطيع عاقل أن يدعي أن الإنسانية لم تكتشف الشر الكامن في جرائم مثل القتل والكذب والغش والسرقة، ولم تعرف فضائل الأمانة والصدق والتراحم والبر والتعاون وغيرها إلا بعد أن أخبرتها الأديان بذلك، بدليل أننا نرى كثيرا من المجتمعات اللادينية أو ذات الأديان غير السماوية تتفوق اليوم أخلاقيا وسلوكيا على مجتمعاتنا المتدينة.

ولكن لماذا يؤدي اعتبار الدين مصدرا ودستورا للأخلاق إلى إفساد أخلاق الفرد والمجتمع، على الرغم من أن كل الأديان تدعو إلى الكثير من الفضائل ؟ وإذا لم يكن الإنسان ليستمد أخلاقه من الدين، فمن أين يجب أن يستمدها ؟ هذا ما سوف نناقشه في الإسبوع القادم.

منشورة في مجلة روزاليوسف في يوم 19/12/2009.