مؤخراً مع لقاء رئيسي مصر و السودان قرر الرئيس المصري “تذليل العقبات” بين البلدين و إعادة الأوضاع لما قبل التوتر الناشئ عام 1995 (تاريخ رفض مصر مناقشة مصير حلايب مع الاتحاد الافريقي) و فتح المنفذ البري الجديد و إعادة فتح القديم في إطار تحسين العلاقات بين نظام الرئيس المدان بجرائم حرب و نظام الرئيس الهارب من السجن ، و لما كانت أصوات رجال فضيلة المرشد  تتصاعد عن أن عبد الناصر “بمناسبة الجدل حول حلايب التي يصر البشير انها سودانية علناً” هو من جعل مصر تخسر السودان فيسعدني أن أوضح بعض النقاط التي تغيب لعدم شهرتها و لعلها في النهاية توضح أن التاريخ المكتوب غائب و التاريخ المروي هو الفاعل الحاضر..
..
..
*1* هل قام مجلس قيادة الثورة بعمل جديد بإقرار حق تقرير المصير للسودان؟

مباحثات الوفد و انجلترا 1950-1951

أقرت مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حق تقرير المصير للسودان بموافقة ملكية و عبر عدة حكومات عبر التالي:

-1- موافقة إسماعيل صدقي باشا في مشروع إتفاقية صدقي-بيفن 25 أكتوبر 1946 على منح حق تقرير المصير للسودان بعد فترة حكم ذاتي للسودانيين.
-2- في 22 أغسطس 1947 قال النقراشي باشا في إطار شكوى مصر أمام مجلس الأمن بنيويورك أن السودانيين سيتحدثون عن أنفسهم و مستقبل السودان سيقرر بالتشاور مع السودانيين و ان الشعب السوداني حر في بلاده.

-3- في إطار مباحثات خشبة- كامبل في حكومة النقراشي مايو 1948 وافق خشبة ضمنيا على حق تقرير المصير بناء على موافقته على إنشاء المجلس التنفيذي السوداني و الجمعية التشريعية بمشاركة مصرية-إنجليزية للمساهمة في إعداد السودانيين للحكم الذاتي و تقرير المصير.

-4- في 26 اغسطس  1950 اقترح صلاح الدين باشا اقترح اقامة فترة حكم انتقالية بالسودان الى 1953 لتأهيل السودانيين للحكم الذاتي و بعدها يكون لهم حق تقرير مصيرهم ضمن مفاوضات صلاح الدين بيفن.

-5- في 7 ديسمبر 1950  أقر صلاح الدين باشا مشروع “سودنة” السودان بتحويل كل الوظائف للسودانيين و سحب كل الموظفين المصريين من البلاد.

-6- في 16 نوفمبر 1951 بالامم المتحدة وافق محمد صلاح الدين باشا وزير الخارجية بحكومة الوفد على سحب كل موظفي و قوات مصر بشرط ترافقها مع سحب قوات و موظفي انجلترا و بعدها فترة انتقالية للسودنة ثم الحكم الذاتي و لاحقا حق تقرير المصير.

-7- في 8 أكتوبر 1951 صدر مرسوم مصطفى النحاس و أُقر يومي 16 و 17 أكتوبر بأن يكون للسودان دستور منفصل عن دستور مصر و تضعه جمعية منتخبة سودانية دون تدخل مصري في إشارة واضحة لكون السودان منفصل عن الادارة السياسية المصرية و قد كان الملك فؤاد يريد عام 1922 منح نفسه لقب ملك مصر و السودان لولا ان المندوب السامي اللنبي يوم 2 فبراير 1922 أعطاه إنذار بعدم كتابة هذا بالدستور لتعارضه مع المصالح البريطانية فأذعن لها و لم يضعها ضمن دستور عام 1923.

هنا نجد بوضوح إقرار لمسألة الحكم الذاتي و حق تقرير المصير من مصر الملكية عبر حكومات صدقي و النقراشي و بيفن ، و لئن كانت الحكومات تصر على إضافة عبارة “وحدة وادي النيل تحت التاج المصري” فهذا أيضاً توافق مع مذكرة اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة في 2 نوفمبر 1952 لإنجلترا و التي أقرت كل ما  سبق ضمن وحدة وادي النيل و حق تقرير المصير و فترة حكم ذاتي ووقع على هذه المذكرة كل السياسيين السودانيين بلا استثناء.

..
..

                       *2* ما هي تفاصيل مسألة صلاح سالم إبان زيارته للجنوب؟

الصاغ صلاح سالم بجنوب السودان يناير 1953 يرقص مع القبائل

في نوفمبر 1952 تقدمت بمصر بمذكرة لبريطانيا أقرت فيها عبر مجلس قيادة الثورة حق تقرير المصير و الحكم الذاتي ووقعت عليها كل الاحزاب السودانية و ناقشت سلطة الحاكم العام و السودنة و الفترة الانتقالية قبل تقرير المصير و مع هذا إعتبرت إنجلترا أن الاتفاق المصري مع الاحزاب السابق على المذكرة لا يعبر بالضرورة عن موافقة تلك الأحزاب على المذكرة فأرسل اللواء محمد نجيب الصاغ صلاح سالم للسودان ليقوم بتوقيع إتفاق معهم لتأييذ مذكرة 2 نوفمبر و بالفعل وقعت الاطراف عليها ثم جاء وواجه صلاح سالم طلب مقابل الاجماع على الاتفاقية و هو ضرورة أن تشمل الانتخابات للجمعية التأسيسية السودانية كل انحاء السودان مع سحبب القوات المصرية و الإنجليزية (عرض صلاح الدين باشا) قبل الانتخابات لضمان سمتها و حيادها و هي الجمعية التي ستقرر مصير السودان عبر اعضائها ووافق صلاح سالم و قد تبين أنه لا بديل عن هذا فمن جانب من المستحيل أن يرفض و إلا قدم دليل سوء نية و من جانب آخر سيظل السودان في كل الاحوال تابعاً لمصر إلى وقت تقرير المصير و لو رفض الجانب المصري فلن يرحل الانجليز و ستكون النتيجة محسومة للإنفصال فتم التوقيع و عاد صلاح سالم لمصر بالاتفاق موقع من كل الممثلين السودانيين ، زيارة أخرى في يناير 1953 شملت الجنوب و الشمال من صلاح سالم تلت تحجج بريطانيا ان اتفاق السودانيين مع مصر لم يشمل أي ممثل للجنوب سواء بمذكرة نوفمبر أو ورقة صلاح سالم و عاد الاخير من الجنوب بتوقيع كبار زعماء الجنوب المؤيد للورقة المصرية و إستمرت المفاوضات لتخرج إتفاقية 12 فبراير 1953 التي أقرت حق تقرير المصير و مبدأ وحدة السودان و فترة حكم انتقالية مع تقييد سلطات الحاكم العام الانجليزي.
الآن ما هي المشكلة في زيارتي صلاح سالم نهاية 1952 و بداية 1953؟
الورقة تقول ان السودان يقرر ماذا يريد عبر جمعيته التشريعية المنتخبة و التي أتت بالحزب الاتحادي المؤيد للوحدة مع مصر بواقع 53 مقعد و حزب الامة الانفصالي ب 22 مقعد و الحزب الجمهوري 7 مقاعد و سارع بالانضمام للحزب الاتحادي ففي المجمل و بعد كل هذا تحقق أن وصل للحكم حزب يؤيد الوحدة مع مصر فما مشكلتهم مع حق السودان ان يختار بإرداته الحرة مصيره ام أن من يعترضى يتصور ان مصر فصلت السودان و هو مشتاق لها يريد ان يظل معها؟؟
مصر حققت للسودان حقه في تقرير مصيره و السودان اختار بإرادته فإن كان في هذا خطأ فأين هو؟؟
..
..
*3* ماذا حدث بين 1953 و 1956؟

  أتت إنتخابات الجمعية التشريعية بالحزب الاتحادي  بواقع 53 مقعد و حزب الامة الانفصالي ب 22 مقعد و الحزب الجمهوري 7 مقاعد و سارع بالانضمام للحزب الاتحادي مما جعل مسألة الوحدة أمر مفروغ منه و بقيت القوات المصرية مع ذلك بالسودان و لم تنسحب ، في تلك الفترة كان الاختبار الحقيقي هل فعلا السودان يريد الوحدة مع مصر أم ان الأمر حالة عاطفية لا تصمد أمام الحقائق السياسية و الاقتصادية.
في نهاية 1953 و بداية 1954 كان الخلاف المعروف بين مجلس الثورة و اللواء نجيب حيث كان الصراع السياسي و الذي تحالف فيه الاخوان مع نجيب رغم محاولات ناصر لاستقطابهم كان الصراع مؤثر بشدة على السوان فهم ارتبطوا بشخصية محمد نجيب كسوداني-مصري و رئاسته الاسمية لمصر و مع الصراع تخلخلت قواعد فكرة الوحدة مع مصر لتصطدم بجملة قالها صلاح سالم في 17 ابريل 1954 حين قال بالاذاعة “الحكام زائلون و العلاقة المقدسة بين شعبي وادي النيل هي الباقية” فهل فعلا كان السودان مستعد للوحدة بغض النظر عمن يحكم؟ .. كلا بمجرد رحيل محمد نجيب  تقلص مؤيدوا الوحدة داخل الحزب الاتحادي (لاحظوا ان الحزب الاتحادي اصلا صنعه محمد نجيب ففي اكتوبر 1952 حين دعا الاحزاب المؤيدة للوحدة لمصر ووحدها في حزب واحد برئاسة إسماعيل الازهري) و مع عزل نجيب نوفمبر 1954 كان قرار الانفصال يسري بهدوء كأنما السودان يريد الوحدة لأن محمد نجيب رئيس فإن مات او عُزل خلع السودان من الوحدة -!!- في مشهد غريب لا يقل غرابة عن كارثة زيارة نجيب للسودان الذي سنتناوله في الفقرة القادمة إن شاء الله ربما يؤكد إصرار إنجلترا منذ 1946 أن السودان لا يريد مصر لتحكمه بل و لعل قرار الجمعية التشريعية في 16 أغسطس المخالف لإتفاقية 1953 بإتخاذ التدابير فورا لتقرير المصير ثم جلاء القوات المصرية نوفمبر 1955 و قيام جمهورية السودان ديسمبر 1955  تلخيص لحقيقة انه فور إيجاد حجة سيقوم السودانيون بالاستقلال بسرعة شديدة بأي ثمن.
..

..

*4*هل كان السودان يريد حقاً الاتحاد مع مصر؟

 منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تقرر إنجلترا انه بناء على رؤيتها فالسودان بأغلبيته لا يريد الوحدة مع مصر قناعةً و أن الأفضل له أن يظل مستقلاً عن مصر و أن ينضم معها لإتحاد دول الكومنولث البريطاني و كانت مصر ترد في عهديها الملكي و الجمهوري بعكس هذا و تؤكد على وحدة وادي النيل ، هنا هل لدينا مؤشرات تبين أن السودان كان يرفض الوحدة في حقيقة الأمر؟
إننا مبدئياً نطرح حقيقة عن معرفة مصر الملكية بالسودان و هي حقيقة مؤسفة:

-1- مصر لم تعرف السودان أو تحكمه فعلا إلا مع الحكم الثنائي الانجليزي المصري 1899 و كانت الادارة كاملة بيد الانجليز و حتى الجيش عاد مع انجلترا 1899 في موقف كفيل بوضع رفض داخلي للسودانيين المهديين و غيرهم الناظرين للحكم المصري كبوابة لدخول الانجليز ثم عاد الجيش المصري ليخرج عام 1927 بعد اغتيال السردار لي ستاك و حين عاد 1936 و هلل له السودانيون عاد كفرقة صغيرة تعبر عن وجود “مسلم” يرحب به السودانيون ضد الوجود البريطاني “الكافر” و تبين هذا فور  تساوي الاوضاع عام 1954 .

-2- لم تكن مصر بموظفيها القلائل بشمال السودان قادرة حقا على فهم حقيقة الاوضاع داخل السودان التي تلخصت في:
*أفارقة بالجنوب غير عرب و لا مسلمين رافضين للخضوع لمصر.
*عرب بالوسط و الشمال أكثرهم يريد الوحدة و منقسمين بين طرف يريد وحدة إندماجية و طرف يريد وحدة شكلية.
*كردفان ودارفور و هم أصلا لا يريدون الوجود مع السودان في بلد واحد بإعتبارالسودان و إنجلترا محتلين لأرضهم منذ 1906 !!

-3- كانت زيارة نجيب للسودان مارس 1953 كارثة حين هجم 50.000 سوداني عليه و أرادوا قتله و قتلوا 10 جنود و قائد بريطاني و قتل 20 منهم و لم يقدر نجيب على دخول الخرطوم فعاد سريعا للقاهرة ، كان هذا المشهد صريح بطبيعة الوضع بالبلاد فلن تقبل البلاد الاتحاد مع مصر و ستصنع لها مشكلات بلا حدود فلا مجال لوحدة يجمع عليها الشمال بغض النظر عن الجنوب الرافض للفكرة لأسباب تاريخية و سياسية و لتدخل انجلترا وسطهم.

-4- الجمعية التشريعية السودانية نهاية 1950 أصدرت قرار  يدعوا حكومتي بريطانيا و مصر لمنح السودان الحكم الذاتي عام 1951 و هذ القرار تم  بفارق صوت واحد 39 مقابل 38 مما يوضح حقيقة الانقاسم داخل البلاد و كون الوحدة ليست مطلب سوداني بل مطلب سودانيين بالسودان لاحقا رفضوا الوحدة جميعا  بسبب خلاف سياسي بمصر.

-5- في 22 إبريل 1952 و بالعهد الملكي أعلنت الجمعية التشريعية الحكم الذاتي بالسودان و أعلنت رفضها التام لدستور 1951 المقر بمصر و فيه سمي الملك لأول مرة بملك مصر و السودان فهل قرأ المصريون الملكيون هذه الخطوة؟

-6- في فبراير 1954 و أثناء حكم نجيب و بيد الجمعية التشريعية التي إكتسحها الاتحاديون تمت عملية “سودنة” الوظائف و طرد كل الموظفين البريطانيين و إحلال سودانيين محلهم بواقع 800 موظف منهم 6 من الجنوب فقط فهل قرأ أحد سرعة السودنة و التحيز للشمال دون الجنوب و تأثيره على مصر؟

-7- في أغسطس 1955 حدث تمرد بالجنوب ضد الشمال كأول صفعة على وجه فكرة الوحدة السودانية و قتل كثير من الشماليين بالجنوب فإقترح صلاح سالم أن يتم إرسال الجيش المصري للجنوب فرفض الازهري تماماً الفكرة بإعتبار الجنوب لا يخص مصر التي  لن تستمر بالسودان فهل قرأ المصريون هذه الحقيقة؟
..
ختاماً:
السودان مختلف عن مصر لغوياً و عرقياً و ذلك لا شك فيه و الحركة الوطنية السودانية لم تتفق لحظة على الوحدة مع مصر و حتى مؤيدوا الوحدة لم يتفقوا على شكل الاتحاد و في كل عام يمر مزيد من البعد عن مصر ، مسألة المياة و الامن شئ و الوحدة شئ و ربما لو نظرنا لحربين اهليتين كان مقدر لمصر الانخراط فيهما لو كانت تحكم السودان سنفهم مدى ضرر بقاء السودان تحت الحكم المصري و لو نظرنا لحقيقة ان مصر الى الان تحكم سياسات الماء لصالحها فإننا نجد فصلا واضحا بين فكرة الوحدة و فكرة المياة فمصر بلد لا يجبر أحد على تبعيته و يتجبن الخوض في حرب كبرى لن تفعلا الا مزيد من التفسخ بداخله.