مسقط رأسي .. قرية ريفية بسيطة بريف محافظة الشرقية .. قريتي تخلو تماما من المسيحيين .. لكن نصف سكان أقرب قرية مجاورة لنا من المسيحيين تقريبا.. كانت لهم مدافن خاصة صغيرة لم تكن تسلم من التعديات في معظم الأوقات وسط إشارات من البهجة والسعادة من الكبار الذين أعرفهم .

كان صغار القرية المجاورة لنا من المسيحيين والمسلمين معا يأتون إلى قريتنا للالتحاق بمدارسها الابتدائية والإعدادية.. مما أعطاني فرصة للتعرف على بعضهم.

كنا نسمع ومن على بعد جرس الكنيسة وهو يدق .. فيجيبنا الكبار باستصغار وتهكم فكه ” إنه جرس الكنيسة ” .. مما جعل كلمة كنيسة في نفسي مقرونة دائما بالاستهزاء والسخرية .. وكان الكبار جميعهم وراء هذا الانطباع في ذهني .

التحقت بالمعهد الأزهري الديني المجاور لبيتنا .. فتعلمت أنه من غير اللائق أن يكون لي أصدقاء من صغار المسيحيين فهجرت رفاقي.. وتعلمت أنى لو قابلت مسيحيا صغيرا كان أو كبيرا على قارعة طريق.. فمن الواجب عليّ حينذاك أن أضيق عليه الطريق وأن أجعله يأخذا جزءا صغيرا من مساحة الطريق وأن يكون على شمالي .. ليشعر بمدى وضعه ومكانته الطبيعية .

وعرفت ذات يوم بخبر غزوة حكي لي عنها بعض رفاقي نقلا عن أقاربهم الكبار وبأسلوب فكه فيه إكبار وإجلال للبطولة وابتهاج بها .. من غزوة بطولية قام بها بعض الشباب الكبار ممن عرفوا بالفتوة والقوة والسطوة.. قاموا بمهاجمة القسيس الذي كان يزور كنيسة القرية للوعظ فيها حسبما أذكر ..أو ربما لتكليل حفل عرس ليلا .. واعتدوا عليه بالضرب .. وقام أحدهم باختطاف الصليب الذهبي المعلق من عنق القسيس.

وفي وقت لاحق .. سمعت عن زفة كبيرة لرجل اسمه “عزيز” .. أصبح فيما بعد “محمد” .. أركبوه حصانا وزينوا رأسه وأكتافه بالورد .. وداروا به حول قريته والقرية الأخرى المجاورة له ( والتي سيقيم بها فيما بعد ) وهم يهتفون .. الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله .. محمد رسول الله .. وكلما اقتربوا من بيت أحد النصارى .. راحوا يهتفون عقبالك يا …!!

ولأن موكبا بهذا الشكل .. يسير في دربه الغوغاء والحمقى.. فالعواقب غير مضمونة بالطبع .. لذا كان يسارع كل “نصراني” يقترب الموكب من داره بالدخول بزوجته وأولاده وإغلاق باب داره عليه طلبا للأمان .. بينما الصبية يلقون بالحجارة على الباب وسط ترحيب من الكبار.

أذكر فرحتي الشديدة بهذه القصة .. وأذكر مني الفخر بشجاعة المسلمين ذوي التميز والتفوق العددي .. وأذكر أن صديقتي الصغيرة التي أخبرتني بهذه القصة أخبرتني في اليوم التالي بأن هذا الرجل الذي أسلم حديثا.. كان فقيرا جدا وفي حاجة إلى المساعدة المالية السخية .. كانت تقول هذا الكلام في محاولة منها لجمع التبرعات من الصغار وسط مجتمعنا الطفولي !!

كبرت قليلا والتحقت بالمرحلة الإعدادية .. كان الكبار يعلموننا إذا قابلنا مسيحيا أن ننعته ب ” الكفتس ” بطريقة توحي بالدونية والانحطاط .. كنا نغزو منطقة المسيحيين في القرية المجاورة لنا ليلا .. ونطرق الأبواب في شدة بينما نحن نهرع إلى بيت أخر لنقذفه بالمفرقعات الصبيانية من تحت أعقاب الأبواب ..!!

عرفت أن النصرانيات والنصرانيين يجتمعوا بضعة أيام في الكنيسة.. ليطفئوا الأنوار بينما هم يهتفون ” هيك هيك .. حضر ال .. .. ك ” ثم بعد دقائق معدودة يختار كل واحد فيهم شريكه بشكل عفوي ليمارس معه الجنس حتى الصباح.. هذا مع أن مفردة الجنس لم كن أفهم منها ولا عنها غير القبلات التي أشاهدها على شاشات التليفزيون في هذه السن الصغيرة.

علمت أن القسيس يجامع كل عروسة قبل أن تزف إلى عريسها .. ليكسبها البركة والرضا الإلهي .. علمت أن القسيس يختلي بالمتوفى المسيحي ليهتف في أذنه بالشهادة وليقول له : اعلم أن محمدا حق .. وأن الإسلام حق .

علمت أن الله أعطانا الجنة في الآخرة .. بينما هم كفار ولهم النار .. وعلمت من النساء الكبيرات في محيطي القروي أن الله أعطانا الإسلام .. بينما هم أعطاهم الله الجمال والمال .. وهذا كرم كبير من الله علينا .. يستحق منا أن نشكره وأن نحمده عليه ..!!

تعلمت أن أطفال المسيحيين الذين يموتوا وهم صغار.. لن يدخلوا النار .. لأن الله عادل رحيم .. لكن سيقوموا بخدمتنا نحن معشر المسلمين في الجنة ..!!

ويوم ما .. كثر الحديث عن الكنيسة الجديدة التي يقوم ببنائها المسيحيين .. الكنيسة كانت تجاور مسجد القرية.. وكان برجها يرتفع عدة سنتيمترات عن مئذنة المسجد .. هنا ثارت ثارة الناس .. وهاجت الهائجة في نفوسهم .. وزاد غضبهم وطفح .. وتجمهروا أمام الكنيسة .. وتوعدوا بهدمها .. فكيف يصح أن تكون الكنيسة أعلى من المسجد ؟ .. كيف يكون الباطل أعلى وأكبر من الحق ..!!

أذكر أن البناء توقف في الكنيسة .. وقررت المحكمة أن يبقى الحال كما هو عليه .. فبقت أخشاب عمال الخرسانة معلقة على برج الكنيسة في مظهر يشعر بالخضوع والاستسلام.. ويعبر عن أقسي صور العجز .. وينم عن أقصى صور الجهل .. إلا أن تم إزالتها وتكملة البناء .. متى ؟ ( بعد الثورة ..!!!!!!!!) .. أي توقف البناء أكثر من عشرة سنوات كاملة ..!!

في فترة الثانوية .. كثرت قراءاتي .. وتعددت مشاهداتي .. اتسعت مداركي .. وتمددت معرفتي .. حتى صرت إنسانا أخر غير الطفل الذي كنت عليه .. وتبين لي مدى حجم الجهل والرجعية الذي يغشى الناس في محيطي القروي.. !!

قدمت إلى القاهرة لاستكمال دراستي الجامعية .. تعرفت وتصادقت وتزاملت مع عدد كبير من المؤمنين ومن الكفار.. من المسيحيين ومن البهائيين .. ومن الشيعة والمارقين .. ومن غيرهم ..!

أدركت أن الإنسان أهم وأكبر وأقدس من كل المقدسات.. وأن لا خطوط حمراء غير قطرات الدم الإنساني.. أدركت ذلك وكنت أظن أن مساحات الإدراك في نفوس الناس تزيد كما زادت في نفسي .. ولكن ..!

بعد كل هذه السنوات – وفى القاهرة – تحدثني صديقتي المسيحية مفزوعة مضطربة بينما الأقزام يحطمون المحلات التجارية للمسيحيين أسفل محلها السكني.. شاهدت بأم عيني القتلى تُدهس والدماء تسيل في ماسبيرو وأمام الكاتدرائية وأمام المستشفي القبطي .. والجريمة أنهم مسيحيون..!