أكثر خطأ  شائع   يقع فيه الصحفيين  و الإعلاميين    مؤخرا   هو  ذكر اسم حسني مبارك كرئيس الجمهورية  بدلا من محمد مرسي   . هناك سببان   لتكرر هذا الخطأ    أولها أن العقل المصري   تمت برمجته على ربط   اسم حسني مبارك بمصر بعد أن قضي 30 عاما  في الحكم   . السبب الأخر والذي أصبح الناس يعترفون به بعد أن كان يخجلون منه    هو أن هناك حنينا جارفا بين الناس   لأيام مبارك و رغبة في العودة لأيامه   بعد أن دخلت مصر في العصور المظلمة بالمعني الحرفي  للكلمة ,  وأوشكت  على الدخول في حرب أهلية .

لو كنت من مواليد أوائل الثمانينات مثلي ستكتشف أن علاقتك بمبارك معقدة وغريبة لأني عاصرته في كل مراحل حكمه فاستمتعت بالاستقرار في  أول عهده    وعانيت من الانحدار في  سنواته الأخيرة .  في طفولتي كان من الطبيعي أن أشعر بألفة تجاهه من  فرط رؤيتي    لصوره في التليفزيون و والشوارع والميادين والمكاتب ,و أن أصدق بساطته وتواضعه المصطنع عندما  أراه  يوافق على مقابلة أحد البوابين في برنامج نحوي إبراهيم فكر ثواني تكسب دقائق   .

 كنت أحيانا أردد بلا وعي  الأغاني التي تمدحه   , وأعتقد   أنه أب لكل المصريين بل وأدعو  زوجته بماما سوزان خصوصا بعد رعايتها لمهرجان القراءة للجميع الذي أتاح لي فرصة شراء  الكتب التي أريدها  بأسعار زهيدة   .

 لم   تتغير مشاعري نحوه في سن المراهقة   وظللت  أصدق الأكاذيب التي أخترعها وسائل الإعلام لمدارة أسباب ارتفاع الأسعار وبيع القطاع العام  والفساد المستشري في الحكومة , فالفشل دائما يلقى على الوزراء والمسئولين أو كما يقال الحاشية الفاسدة المحيطة بمبارك والتي كانت تنهب وتسرق من  وراء هذا الرجل الطيب . ولكني  عندما نضجت وأصبحت لدي القدرة  على تحليل  ما أسمعه وأقرأه  بدأت  أتساءل  عن سر إصرار مبارك على التمسك   بهذه الحاشية الفاسدة  رغم أنهم تسببوا في خراب البلد  .   ثم بدأت أكرهه تدريجيا عندما اكتشفت    أنه   السبب الحقيقي وراء  البطالة والفقر  والفساد وارتفاع الأسعار و  تعذيب وقتل الشباب في أقسام الشرطة  .  تنبأت أن هناك ثورة قادمة ستكسر أنفه وتطيح به   وابتهجت عندما صدقت   توقعاتي  .

 قفزت فرحا وأنا  أشاهد عمر سليمان يعلن عن تنحي مبارك   وانتظرت المن والسلوى بعد رحيله . ولكن بعد   مرور عامين على الثورة اضبط نفسي   كثيرا وأنا   أتمني أن يعود الزمن لتلك الأيام  عندما  كنا   نمشي في الشارع بدون أن نلتفت يمينا ويسارا خوفا من اقتراب لص   .  ونجد البنزين ورغيف الخبز ونستمتع بالكهرباء كل يوم   ولا يشغلنا في الحياة سوى حفلات ليالي التليفزيون وأحداث المسلسلات الدرامية .

 ولكني أصد  هذا  الحنين بأن أقول لنفسي  لو لم يكن مبارك  حاكما فاسدا لما اضطررنا للقيام بالثورة التي أوصلت الإخوان للحكم   .

ثم أتساءل  وما الذي صنع منه فرعونا  ؟ أليس هذا الشعب الذي تعود على تقديس حكامه والخوف منهم ومعاملتهم كأنهم قضاء  الله وقدره  ؟. أليس هذا الشعب الذي أصبح من السهل تفريقه وتشتيته وتحويله لعشرات الأحزاب والفرق  ؟. أليس هذا الشعب  الذي ندرت فيه الكفاءات والقيادات القادرة على إدارة البلد وكثرت فيه الوجوه التي تردد نفس الكلام  عن الشرعية والديمقراطية والانتخابات وتكرر نفس أخطائها بكل غباء ؟

لقد ترك مبارك البلد مثل العمارة الآيلة للسقوط   , و لم يعد لدينا بديلا سوى أن نهدم  العمارة ونعيد بنائها من جديد .  ولكن المشكلة أن أحضرنا أشخاصا    لا يعرفون شيئا عن بناء العمارات وطلبنا منهم بنائها فاتضح لنا أنهم مجرمون وبلطجية   .

 فبعد أن هدموا العمارة قاموا   باحتلال الأرض المخصصة للبناء وبدلا من أن نقوم بإجبارهم على ترك الأرض انشغلنا بالشجار حول من باع لهم الأرض .

ولكن عندما  نتوقف عن لطم الخدود والحسرة و نتمكن من  طرد المجرمين   وإحضار مهندس متخصص قادر على إعادة بناء البلد  حسب المواصفات القياسية  ستتوقف عدد الليكات في  صفحة ” أسفين يا ريس”.

مدونة حكاياتي