انتشرت في الآونة آراء متباينة حول النقاب، وحول التشريعات الجديدة المتّبعة في بعض الدول الغربية من حظره ومنع ارتدائه في الأماكن العامة. وكان لنا، منذ وقت طويل، وجهة نظر خاصة بشأن القضية برمّتها، نحسبها قد تساهم في إزالة اللغط لدى كثير من المترددين، خاصةً الذين تتأرجح آرائهم بين الحرية الفردية أو الحرية الشخصية من جهة، والأمن العام من جهة أخرى.

لا شك في أن حرية كل فرد منا مكفولة، شريطة عدم الاعتداء الماديّ المباشر على فرد آخر أو ممتلكاته، وهذا ما يكفل عدم الاعتداء عليك نفسك. هذه هي أسس المجتمعات التي تحترم الفرد، وتقيم له وزنًا، وهذا الفرد هو المنتج والمستهلك والمسؤل الأول والأخير عن رخاء المجتمع ككل، سواء اقتصاديًا، أو سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو ثقافيًا.

الحقيقة المفجعة أنه لا أحد في مجتمعاتنا العربية والشرقية ككل يؤمن بهذا المبدأ كمفهوم مؤسِس للمجتمع، بل وتتمادى كل أنماط التمييز على أسس دينية وعشائرية وقبلية بشكل همجيّ يجعلنا في أذيال العالم المتحضر. العالم الذي نصبو إليه وننشده، ولكن لا نرتقي إليه بسلوكياتنا وفكرنا إليه.

الحرية الفردية مكفولة طالما اقتصرت عادة أو سلوك على فرد أو مجموعة أفراد، ولكن إن خرجت هذه العادة من حيّز الفرد لتصبح ظاهرة عامة، كالنقاب، فيجدر بنا رصد هذه الظاهرة، وتعيين مداها، وتحجيمها وسنّ القوانين التي تحمي حرية الأفراد الآخرين، إن لزم الأمر، وهو الطريق التي سلكته آروپا مؤخرًا.

النقاب يساوي، من وجهة نظرنا الخاصة، حرية امرأة اختارت، بمحض إرادتها، أن تتّشح بالسّواد لأي سبب كان. أمّا التجرّد الكامل من الملابس، على النقيض، فهو قرار خاص بامرأة أخرى اختارت العُري.

الآن، ووفقًا لمبدأ الحرية الفردية، فمن الطبيعي أن يُكفل حرية الُعريّ إذا كُفلت حرية النقاب في المقابل. ولكن، إن كان الأول محظورًا حفاظًا على الآداب العامة، فمن الأولى حظر الآخر أيضًا حفاظًا على السلامة العامة.

نحن نرفض النقاب رفضًا كليًا وموضوعيًا في الأماكن العامة، وندعّم الخطوات التي اتخذتها بلچيكا وفرنسا، وأي خطوات مشابهة سوف تتخذها الدول الآورپية في المستقبل لحظره، بل ونأمل أن تطول بلادنا تشريعات قضائية مماثلة، لأسباب كثيرة، نختصرها في النقاط الآتية؛

أولًا، إن المنتقبة هي كيان بلا هوية من الأساس. وإذا كان الوجه هو الوسيط الأول الذي يمنح الغرباء، الذين نقابلهم بالمئات كل يوم في الشارع والعمل والكلية، بعض من الراحة النفسية والطمأنينة، فإن المنتقبة، على النقيض، تبعث على الهلع والريبة، كون المنتقبة لا تختلف كثيرًا عن خيمة سوداء كبيرة متحركة بلا معالم. إن كافة مهارات الاتصال تشوّه تمامًا عن المنقبات، والتي تأتي تعبيرات الوجه،Facial Expressions، واتصال العيون، Eye Contact، على رأس قائمتها. هل فكرت مرة في مدى بشاعة أن ترى الناس من خلف ستار أسود بينما لا أحد يراك؟

ثانيًا، من حق الفرد العادي في الشارع أن يتعرّف على هيئة الماشية بجانبه، ومن حق الممتحن أن يتأكد من هوية الطالبة، وشرطي المرور من هوية السائقة، والمريض من هوية الممرّضة. وقد أعربت صحيفة لوفيجارو الفرنسية إن ضباط الشرطة سيتيح لهم مشروع قانون حظر النقاب المتوقع، وهو يقضي بحق مطالبة أي شخص يظهر في الأماكن العامة مرتديًا قناعًا أو نقابًا أن يكشف عن وجهه أو وجهها، وفرض غرامة لم تحدد قيمتها بعد على كل من يمتنع. هل تخيلت مرة شخصًا ملثّمًا يتجوّل في الشارع؟ كيف سيكون إحساسك تجاهه؟

ثالثًا، إن النقاب من شأنه أن يخلق تمييزًا واضحًا بين المسلمة وغير المسلمة، وهو زي يحضّ على الطائفية والمذهبية، وهو ما لا نتمناه على الإطلاق، خاصةً في ظل ما نسعى إليه من معالجة هذا العصب المتطرّف الذي يميّز على أساس الدين في منطقتنا ذات الأغلبية المسلمة.

رابعًا، إن المواطن الذي يتعامل مع دواوين الحكومة الرسمية له الحق الكامل في التعرّف على هوية الشخص المفوّض من قبل الحكومة للتعامل معه. إذن، فمن غير المنطقيّ أن تُعيّن موظفة منتقبة في جهة حكومية، فهذا بالإضافة لكونه اعتداءًا صارخًا على حق المواطن في التعرّف على من يتعامل معه باسم الحكومة، فهو ينقض دور الدولة الذي يجب أن تلعبه في عدم التمييز، بل وحظر عدم التمييز في الدواوين الحكوميّة، والحفاظ على مبادئ المواطنة. كي يكتسب هذا الفرد ثقة تسمح بالسير قدمًا في بداية التعامل مع الحكومة، سواء كان محليًا أو أجنبيًا.

خامسًا، إن النقاب وسيلة لقهر المرأة، وكثير من المتشددين الإسلاميين يفرضوه قهرًا على زوجاتهم وأقرابائهم. وهو ما يضع المرأة الشرقية بين ناريّ ما هي مُجبرة عليه وبين ما تريده حقًا. أو الأوقع، بين عروض أزياء جوتشي الذي تشاهده، وتتطلّع إليه، على موقع يوتيوب، وبين واقعها المضني. وهذا تمامًا ما جعل آروپا تفكر في فرض عقوبات رادعة على الرجال الذين تسول لهم أنفسهم في فرض النقاب على زوجاتهم.

سادسًا، إن الفكرة الدينية البائدة القائلة بتغطية المرأة لأنها عورة وفتنة، إلى آخر هذه الأساطير، هي غير مقبولة بالمرة، بل ويجدر بالمثقفين والمتنورين، بمساعدة المنابر الإعلامية التقليدية أو مواقع الإعلام الجديد، أن يحاولوا محي هذه الخرافات من عقول الأغلبية المغلوبة على أمرها التي تسيطر عليها فضائيات عذاب القبر. وقد نُشر في الشهر قبل الماضي تقريرًا مثيرًا حول صحافية فرنسية ارتدت النقاب لمدة خمسة أيام في شوارع پاريس، حيث نقلت تجربتها بالكامل للموقع الإخباري. تقول إليزابيث ألكسندر، وهي صحافية تعمل لصالح جريدة ماري كلير الفرنسية، “شعرت أني قنبلة جنسية.” وقد دوّنت ملاحظاتها حول النقاب في التقرير، ومنها، كون النقاب رداءًا غير عمليّ، وهو يدفع للانغلاق والاكتئاب، ويجعل المرأة أكثر حساسية تجاه جسدها، بل يفصلها عنه تمامًا، ويُفقدها الثقة في نفسها أو قدراتها، ويعزلها تمامًا عن العالم بالخارج.

سابعًا، لا حرية لأعداء الحرية، هذه مقولة كلاسيكية تنطبق تمامًا على قضية النقاب، أي أن الحرية مكفولة للجميع، إلا الذين قد يستخدمون هذه الحرية للانقلاب عليها في أقرب فرصة، كالإسلاميين، كونهم المثال الأشهر عالميًا. بالإضافة إلى أن تطبيق مبادئ الحريات الفرديّة، والمشار لها في الفقرة الثانية من هذا المقال، علي أرض الواقع مسألة مختلفة تمامًا، وتتضمن حسابات لا علاقة لها بالحرية من قريب أو بعيد. وما أقصده إنه لحظة ما ترتبط قضية حقوق الإنسان بالنسبية الأخلاقيّة والثقافيّة داخل مجتمع ما، تعاني فيه فئة من ازدواجيّة ما، تتحول حقوق الإنسان لباب خلفيّ يسمح بمرور أفكار وممارسات مناهضة تمامًا للمبدأ الذي سمح بإحتوائها بداية.”

ثامنًا، نحن نرفض النقاب لأنه يشوّه الكيان الإنساني، تمامًا مثلما شوّهنا معلم هذه المقالة بصورة جانبية سوداء تمامًا، تستطيعون أن تشاهدوها من الصفحة الرئيسية. إن الصورة الاعتيادية التي تكون في مثل هذا المكان، تعطي إشارة ولو بسيطة، عن محتوى المقالة، ولكن النقاب الأسود المُبهم لا يوحي بأي شيء، إلا كل السلبيات التي تحيط به بالتأكيد.

إن السبب الرئيسي لرفضنا للنقاب، بجانب هيئته المرعبة، هو ما ذكرناه مسبّقًا من نقاط، ونحن لم نذكر، بأيّة حال، عن الاحتمالية القائمة لارتكاب جرائم شتى من تحت هذا السّتار الأسود، وهو ما يحدث بالفعل. وهذا لأن الجريمة مسلك قد تسلكه المنتقبة أو السّافرة على السّواء. قد يكون النقاب يعد إغراءً بارتكاب الجرائم ومن ثمّ الهروب. وقد ينتج عن العزلة الذي يفرضها على المنتقبة اتجاهها للجريمة لاكتساب الشهرة، أو للتعبير عن وجودها لمجتمع ينكرها ويستنكرها، أو قد يكون انتقامًا من المجتمع ككل، ضمن حزمة أعراض نفسانية قد تتخلل المنقبة. كل هذا يعزز إمكانية أكبر لارتكاب المنتقبة للجرائم أكثر من السافرة، خصيصًا الجرائم الإرهابية، ولكن الاحتمالية قائمة في الحالتين، كما هي قائمة لدى كل البشر، بلا تخصيص أو قصر. بالإضافة إلى أن رفضنا للنقاب على أساس إمكانية ارتكاب المنتقبة للجرائم يشكك في قدرة قوات الأمن على تعقب المجرمين، سواء كانوا معلومي أو مجهولي الهوية. بل ويشكك في أطروحتنا ككل، وهو ما لا يرضينا.

إن رفضنا القاطع لهذا الرداء التمييزي لا علاقة له بما يمكن أن ترتكبه (أو يرتكبه) إحداهن في حق المجتمع، لأننا بإصدار هذا الحكم المسبّق نكون قد وصمنا أخلاقيات المنتقبات جميعًا غيبيًا. ولكننا نقف بالتأكيد مع إنزال أشد العقوبات صرامةً على من تسوّل لها نفسها، أو نفسه، بارتكاب الجرائم تحت هذا القناع الأسود.

ما نتطلّع إليه من المثقفين والتنويريين أن يكون سبب رفضهم للنقاب سببًا مدنيًا قاطعًا، لا علاقة له بالدين من قريب أو من بعيد. لأن البحث عن أسانيد شرعيّة تبيح خلع أيّ من النقاب أو الحجاب، قد تُقابل، في حلقة مُفرغة، على الجانب الآخر بأسانيد شرعية مناقضة تساند أيّ من النقاب والحجاب، وبهذا نغرق في دوّار ليس له آخر من الأسانيد الشرعية والأحكام الدينية، والتي تنافي العلمانية التي ننشدها في الأساس. إن منع النقاب بالاستناد لأحكام الدين سوف يكون مثل فرض الجزية على غير المسلمين بالاستناد لأحكام نفس الدين.

ولهذا نعتقد أنه من الأفضل، والأكثر مدنيةً وتحضرًا، أن تكون علّة الحظر مدنية عقلانية بحتة، وليست دينية. كون التشبّث بإثبات عدم فرضيته شرعيًا من عدمه لا يعنينا مطلقًا في طرحنا هذا، كوننا ننشد، والحالة هذه، دولة علمانيّة تستقي مواد قانونها من دستور وضعيّ يبرز مبدأ المواطنة لا الطائفية، الحرية لا الثيوقراطيّة، والمساواة لا التمييز. ولتكن لنا في فرنسا، التي سبقتنا في هذا المضمار، أسوةً حسنةً، حيث حظرت كل الرموز الدينيًة على السّواء. وهي الرموز التي قد تثير الفتن الطائفية، وتعوق سير الحياة المدنيّة بشكل متحضر وراقٍ، وتحض على للتمييز، والفتن الطائفيّة والمذهبية والعشائرية، التي تقف كلها سببًا، بل أسبابًا مرصوصةً، وحائلًا، دون لحاقنا بركب الحضارة العالميّ.

ما أثار دهشتنا حقًا هو سماعنا للفظة “الحرية الشخصية” لأول مرة من الإسلاميين عند إثارة قضية حظر النقاب في آورپا. هذا تقدم مذهل، إما في فهمهم الذّاتي للحرية، أو في جهدنا النشِط لنشر قيم الحرية. وعلى كل حال، أرجو أن يتثبّتوا على هذه الكلمة طيلة العام، ولا يصرّحون بالنقيض عندما يتم الاعتداء على حق لسافرة، أو غير مسلمة، سواء بالقول أو الفعل. أود لو أن يدافعوا عن “الحرية الشخصية” “وحرية الرأي” التي يتشدّقون بها هذه المرة، ولأول مرة ولأخر مرة على الأرجح، كل مرة. ويأخذوا موقفًا مماثلًا بالتضامن مع سافرة في “حقها الشخصي” كما يدّعون اليوم مع المنتقبات.

نشكر كل من شارك في الاستقصاء الخاص الذي أجريناه على موقع فيسبوك في الشهر الماضي، ونهيبكم علمًا أن نتائج الاستقصاء سوف تُنشر في عدد شهر يوليو/تموز من مجلة الحسناء اللبنانية.

* الصورة من هذا الموقع نقلًا عن آسوسيتيد پرِس.