4- لاهوت التحرير الإسلامى :

إن الخط الزمنى للإسلام السياسى يتشابه و يكاد يصل إلى حد التماثل مع الخط الزمنى الخاص بلاهوت التحرير و كانت فترة السبعينات هى فترة الاذدهار و النضج لكليهما كما أنهما وصلا لكراسى الحكم فى السنوت الأخيره معاً.

ظهرت حركات الإسلام السياسى كردة فعل على سقوط الخلافه الإسلاميه فى سبيل بحث رجال الدين على دور فى الدوله الحديثه بعد أن سقط دورهم فى دولة المؤسسات وظهرت مؤسسات جديده فى الدوله سيطرت على مفاصل الدوله مثل الجيش و الشرطه و القضاء .. الخ و تقلص دورهم المهيمن بحيث أصبحت تمثلهم مؤسسة واحده غير مسيطرة بشكل كامل على الدوله و تحولت الدوله من الحكم بالحقيقه المطلقه إلى ما هو نسبى و سياسى, إلا أن هذه الحركات لم تأخذ الثوره على الحاكم و الخروج عليه سبيلاً للوصول للحكم إلا فى آونة متأخرة نسبياً , و تحديداً فى السبعينات فى فترة اذدهار الاسلام السياسى و التأصيل و التنظير الفكرى لما يمكن اعتباره حث الشعب على الثوره, كان مؤسس هذا الاتجاه هو ” سيد قطب ” و بنى فلسفته الثورية على أن الحاكميه هى لله و بالتالى ممثلى الله على الأرض هم رجال الدين و عليه فحكم الدوله هو لرجال الدين و للمؤسسة الدينيه فقط و بالتالى هو يدعو لهدم الدوله الحديثه ” دولة المؤسسات ” أو تقليص دور جميع المؤسسات لصالح المؤسسه الدينيه و تعظيم شأنها بحيث تكون مرجعيه و قوه تتحكم فى كل مفاصل الدوله و أركانها و لذلك يقول فى كتابه ” العداله الإجتماعيه فى الإسلام” : ” إن القاعده التى يقوم عليها النظام الإسلامى تختلف عن القواعد التى تقوم عليها الأنظمه البشريه جميعاً.. إنه يقوم على أساس أن الحاكميه لله وحده. فهو الذى يشرع وحده. و سائر الأنظمه تقوم على أساس أن الحاكميه للإنسان, فهو الذى يشرع لنفسه .. وهما قاعدتان لا تلتقيان . و من ثم فالنظام الإسلامى لا يلتقى مع أى نظام. و لا يجوز وصفه بغير صفة الإسلام “

هذه الرؤيه كان لابد من صبغها بنفس الصبغة التقليديه للضحك على الشعوب المقهوره , فعلى نفس شاكلة لاهوت التحرير ستجد أن سيد قطب ألف ” العداله الإجتماعيه فى الإسلام ” و ” معركة الإسلام و الرأسمالية ” و أعتقد أنه بتجربة الحكم الإسلامى الحاليه إتضح جلياً للجميع أنها كانت مجرد قشرة يختفى وراءها فكرة وصول رجال الدين للسلطه و عودتهم للكرسى الذى فقدوه بنشأة الدوله الحديثه ثم العلمانيه فى وقت متأخر نسبياً .

فمن الواضح الآن أن الرأسماليه أصبحت إسلاميه و أن العداله الإجتماعية أصبحت شعارا أجوف لا وجود له على أرض الواقع فى الحكم الإسلامى لجماعة الإخوان فى عهد محمد مرسى,

 لماذا ؟

لأنه بكل بساطة لن يقبل الشاطر و مالك و باقى رجال أعمال الإخوان المسلمين و السلفيين بإقتسام ثرواتهم الهائلة مع الفقراء أو دفع المزيد من الضرائب .. لقد أصبحوا جزء من المنظومه الرأسماليه فقدموا لنا نموذجاً أسوأ بكثير جداً من لاهوت التحرير فى أمريكا اللاتينيه فحتى التطبيق الفاشل للعدالة الإجتماعية لا يحاولون الاقتراب منه و اكتفوا فقط بكتاب لسيد قطب على أرفف المكتبات , و شعارات ليس لها وزن فى خطابات محمد مرسى و باقى الجماعه.

 ماذا فعل الإسلاميون فى إيران غير أنهم أفقروا الشعب الإيرانى ؟؟ هل هذه هى العداله الإجتماعية فى الإسلام ؟ هل هذا هو النموذج الناجح لحكم رجال الدين ؟

ماذا فعلوا فى السودان ؟ ماذا فعلت جماعة الاخوان فى مصر ؟
حتى فى السعودية التى لا يمكن تصديق وجود فقراء بها مع كل هذه الثروه النفطيه إلا أنه من الواضح أنه لا وجود لمفهوم العدالة الإجتماعيه فى عقول رجال دين يحكمون دولة .. أى رجال دين من أى دين !!

 فى نقد الخداع و التدليس و المزايدات:

يقول سيد قطب فى كتابه ” العداله الإجتماعيه فى الإسلام :

 ” إن الإسلام ليرفض أن يجمع للمال كل هذه القيمه, و يأنف أن تستحيل الحياه لقمة خبز و شهوة جسد و دراهم معدودات … و لكنه فى الوقت ذاته يحتم الكفايه لكل فرد, و أحياناً ما فوق الكفايه, و يفضل أن تكون هذه الكفايه عن طريق الملكيه الفرديه, أو العمل المنتج بأنواعه, ليرفع عنه ضغط العوز من ناحيه و ضغط الجهه التى تملك موارد الرزق من ناحيه أخرى.. و يحرم الترف الذى يطلق العنان للمتاع و الشهوات و ينشئ الفارق فى مستويات الحياه. ”

هل هذا التحريم الإسلامى للترف الذى ينشئ الفارق فى مستويات الحياه لا ينطبق على الفرق بين رجال الأعمال فى جماعة الإخوان المسلمين و الباعه الجائلين فى ميدان التحرير؟؟ هل لا ينطبق على رجال الأعمال من السلفيين ؟ أم أنه كان مزايدات على النظم الأخرى التى حكمت مصر قبلهم ؟؟

أما عن كتاب ” معركة الإسلام و الرأسماليه ” فهو أحد أكبر الأدله على مدى الخداع و الكذب بل و الحضيض الذى تعيشه هذه التيارات و هذه الجماعه تحديداً لأنه عندما يكون أكبر مفكر لديكم كتب كتاباً من أهم كتبه تحت هذا العنوان , فهذا يعنى على الأقل أن نجد علامات أو إشارات لهذا الخلاف عند وصولوكم و لكن الواقع أننا أمام حاله من العشق مع الرأسماليه :

يقول د. سيد قطب فى كتاب ” معركة الإسلام و الرأسماليه ” : ” هكذا يدور دولاب العمل فى الدوله و فى الشعب, لا ليسد حاجة سكانها جميعاً, بل ليسد حاجة حفنة قليله هى القادره وحدها على الانتاج و على الاستهلاك. و لا تعمل الدوله و لا الأمه لرعاية المصالح الضخمه للعشرين مليوناً من السكان, بل لرعاية المصالح المحدوده لفئة منها معدوده “

لصالح من تعمل الدوله الآن ؟ هل لصالح كل المصريين أم لصالح جماعه و تيار بعينه ؟؟ لصالح السائق الذى يعمل فى التوحيد و النور و يقف طوال النهار فى طابور بنزين 80 و طوابير السولار أم لصالح رجب السويركى ؟؟

و إليكم هذه الطقطوقه المعتبره من إبداعات المفكر الأكبر للجماعه التى وصلت للسلطه بالزيت و السكر ” و دعك بعد هذا من تلك الخرافه التى تتحدث عن ( الأمه مصدر السلطات ) و عن حق الانتخاب و حرية الاختيار .. انها خرافه لا تستحق المناقشه, فهذه الأمه مصدر السلطات هى هذه الملايين الجائعه الهزيله , الجاهله المستغفله . هذه الملايين المشغوله نهارها و ليلها بالبحث عن اللقمه. الملايين التى لا تملك أن تفيق لحظه لتفكر فى ذلك الترف الذى يسمونه حق الانتخاب و حرية الاختيار. الملايين التى يشير لها الساده فتنتخب , و يشير لها الساده فتمتنع , لأن هؤلاء الساده هم خزنة أرزاقها و أقواتها, و ملاك الاقطاع الذى يؤوى هؤلاء الجياع !

إنها خرافه أن تتحدث فى عهود الاقطاع عن الدساتير و البرلمانات. و نحن نعيش فى عهود الاقطاع بكل مقوماتها , لا ينقص منها شئ إلا تبعات السيد تجاه رقيق الأرض, فقد سقطت عنه هذه التبعات فى عصر الدستور! أجل فلقد كان السيد فيما مضى مسؤولاً عن رقيقه , يزوج بناتهم و يمنحهن, و يعالجهم اذا مرضوا , و يؤدى عنهم نفقات الجنائز و الأعياد.. فأسقط عهد الدستور كل هذه التكاليف عن كاهله , و أبقى له الرقيق , يأكل من أبدانهم ما يشاء كيفما شاء !
إن الحديث عن الدساتير و البرلمانات يصلح ماده للفكاهه , يتسلى بها الفارغون. و لكنه لا يصلح حديث أمه تريد الجد , و تنظر إلى الواقع بعين الاعتبار ! “

 لا أجد تعليق على هذه الكلمات سوى العباره الشهير لعصام العريان : أين البرلمان؟؟!!

يقول أيضاً واصفاً أحوال المصريين أواخر الأربعينات و أوائل الخمسينات ” ما من وضع إجتماعى هو أبعد عن روح الإسلام من أوضاعنا القائمه , و ما من اثم أكبر من اثم الذين يدينون بالاسلام , ثم يقبلون هذه الأوضاع , أو يبررونها باسم الإسلام , و الإسلام من مثلها براء .” 

و عن الإستدانه و اللجوء للاقتراض يقول :

 ” ننعى هذا التسول الدائم الذى نزاوله , و هذا الاستجداء المزرى الذى نحن عاكفون عليه , و هذه الاستعاره التى لا نردها , و لا نؤدى ما يقابلها . و ما دمنا نستجدى دائماً و لا نعطى شيئاً , فنحن على مائدة الإنسانيه فى موضع الشحاذ المتسول , لا فى موضع الواهب الكريم . “

أطمئنك يا أستاذ قطب فلقد وضعنا على مائدة الانسانيه عطاءاً ثميناً تأسس على نظرياتك مثل الظواهرى و محمد عطا و عمر عبد الرحمن … الخ

و يصف أحوال مصر تحت الحكم الغير إسلامى و جشع الرأسماليه الليبراليه قائلاً:

” ما على من يتشكك فى هذه الحقيقه البارزه إلا أن يعود إلى مضابط البرلمان , عند نظر مشروع الضريبه التصاعديه , أو مشروع الأرباح الإستثنائيه , أو مشروع ضريبة التركات , أو مشروع نقابات العمال , و بخاصة مسألة حرمان خدم البيوت من حق تكوين النقابات .. أو كل مشروع يحمل رؤوس الأموال شيئاً من التكاليف التى تحملها رؤوس الأموال فى كل جوانب الأرض, إلا أرض الإقطاع . 

إنه سيجد المعارضين يمثلون أشخاصهم و مصالح طبقتهم و لا يمثلون أحزابهم و هيئاتهم . ذلك أن جميعهم رأسماليون قبل أن يكونوا وفديين أو سعديين أو دستوريين! “

أعتقد أنه لن يغير من معنى هذه الفقره شيئاً لو أضفنا إليها بجانب هذه الأحزاب , مجموعة الأحزاب الإسلاميه التى نشأت بعد ثورة 25 يناير .

و إليك أيها القارئ الكريم فقرتين من نفس الكتاب للدكتور سيد قطب :

 ” و أخيراً يجب أن تعرف الجماهير أن الاستعمار حريص على تجويع الجماهير . لأنه يعرف – كما قال ممثله مرة ” جورج لويد” فى كتابه : ان الرخاء فى سنة 1919 هو الذى شجع على قيام الثوره المصريه. لهذا يجب أن تجوع الجماهير فى مصر , كى لا تفيق من البحث عن اللقمه , فتتجه للثوره على الاستعمار من جديد ! “

” إن العهود الإقطاعيه هى التى ترزق المشايخ المتبطلين, و الدراويش المهبولين , و تخلع عليهم و تعترف بوجودهم .. لأن هذه كلها أجهزة لتخدير الجماهير عما هى فيه من حرمان و شقاء . فأما حكم الإسلام الذى يكافح الإقطاع , و يرد عن الناس الاستغلال , فليس فى حاجه إلى هذه الأجهزه. “

 

من الواضح أننا أمام تاريخ من المزايدات ليس أكثر , لا يرقى لمستوى طرح البديل لنظام قائم إنما هو فقط مزايدات على نظم كانت قائمه , و لذلك فالفشل الحالى فى التطبيق هو نتيجه طبيعيه لما يمكن أن تسميه بالإسلام السياسى أو لاهوت التحرير الإسلامى .

فى نهاية هذه السلسله من المقالات فى ” نقد لاهوت التحرير ” , حاولت جاهداً أن أوضح أننا لم نأتى بجديد للحضاره الإنسانيه فما يحدث حالياً بعد ثورات الربيع العربى , ووصول ” ثنائية الدين و الثوره ” الباطله لكرسى السلطه فى البلدان العربيه , ليس جديداً على العالم , إنما هو حاله متكرره فى العالم الثالث , فى الدول التى تعانى التخلف .

أتمنى أن تكون قد وجدت أيها القارئ العزيز إجابه عن سبب تحول كل فرصه للديمقراطيه فى بلدان العالم الثالث إلى مسار ديكتاتورى جديد .. و عن موعد إنطلاق شعوب العالم الثالث و منها نحن إلى إختيار ثالث بعيداً عن الحكم العسكرى و الحكم الدينى .